رسالة إلى المتربصين: مصر لا تُستدرج وحدودها ليست للاختبار
يبدو أن هناك من لا يروق له أن تظل مصر واحةً للأمن والاستقرار في منطقة تكاد النيران تشتعل في كل جانب من جوانبها يمينا ويسارا شمالا وجنوبا وجميعها صراعات مسلحة، وحروب ممتدة لسنوات طويلة ودول تتفكك، وحدود تتحول إلى ساحات مفتوحة للميليشيات والجماعات المسلحة وحسابات القوى الإقليمية والدولية.
وسط هذه العواصف، بقيت مصر متماسكة، تحمي أرضها، وتحافظ على مؤسساتها، وتدير مواقفها بعقل الدولة الكبيرة، لا بانفعال من يندفع إلى المعارك دون حساب للعواقب.
وهذا الاستقرار لم يكن مصادفة، ولم يأتِ من فراغ، وإنما هو حصيلة وعي شعب، وقوة جيش، وصلابة مؤسسات، وسياسة خارجية تعرف جيدًا متى تتحدث، ومتى تتحرك ومتى ترفض الانجرار إلى معركة لا تخدم الأمن القومي المصري.
محاولات مستمرة لجر مصر إلى النزاعات
لا يخفى على أحد أن مصر تعرضت خلال السنوات الماضية لمحاولات متكررة لجرها إلى نزاعات إقليمية من جهات مختلفة.
فمن الشرق، تتصاعد الحروب والاعتداءات والتهديدات، ومن الغرب توجد تحديات أمنية وسياسية لم تنتهِ بصورة كاملة، ومن الجنوب تواجه المنطقة أزمات وحروبًا أهلية وصراعات تهدد أمن الحدود وتدفقات السكان والموارد.
وفي كل اتجاه، حاول البعض دفع مصر إلى الدخول المباشر في صراعات لا تريدها، أو استفزازها لاتخاذ قرارات متسرعة، أو تصوير ضبط النفس المصري على أنه تردد أو عجز.
لكن جميع هذه المحاولات فشلت، وستظل محكومة بالفشل، لأن مصر لا تتخذ قراراتها تحت ضغط العناوين المثيرة أو حملات مواقع التواصل الاجتماعي، ولا تسمح لأحد بأن يرسم لها حدود تحركها أو يحدد لها توقيت استخدام قوتها.
مصر دولة تعرف إمكاناتها، وتدرك حجم مسؤولياتها، وتفهم أن قرار الحرب ليس وسيلة للاستعراض، بل قرار مصيري لا يُتخذ إلا لحماية الأرض والشعب والأمن القومي.
حدود مصر مقدسة
عقيدة الدولة المصرية واضحة لا تحتمل التأويل: حدود مصر مقدسة، وأمنها القومي ليس مجالًا للمساومة أو الاختبار.
ما يدور حول مصر من نزاعات، ما دام لا يمس أراضيها أو حدودها أو أمن شعبها بصورة مباشرة، تتعامل معه القاهرة بمنطق الدولة المسؤولة، فتدعو إلى وقف القتال، وتطرح الحلول السياسية، وتدعم جهود الوساطة، وتفتح أبوابها للمفاوضات، وتعمل على منع اتساع دوائر الصراع.
لكن هذا الحرص على السلام لا يعني أن مصر تقبل المساس بسيادتها، أو أنها ستتردد إذا تعرضت حدودها أو مصالحها الحيوية لخطر حقيقي.
هناك فارق كبير بين ضبط النفس والضعف، وبين الحكمة والتراجع، وبين الرغبة في السلام والعجز عن المواجهة.
ومصر، بجيشها الوطني وبالشعب الواقف خلفه، قادرة على حماية كل شبر من أراضيها، وتأمين حدودها، والدفاع عن مصالحها متى استدعت الضرورة ذلك.
السلام المصري موقف نابع من القوة
مصر دولة سلام، لكنها ليست دولة سلام الضعفاء الذين يقبلون بما يُفرض عليهم.
إنها دولة سلام عن قوة وقدرة وثقة بالنفس.
فالسلام الحقيقي لا يصنعه العاجز، وإنما تحميه الدول القادرة على الردع، التي تمتلك من القوة ما يجعل خصومها يعيدون التفكير قبل الاعتداء عليها أو اختبار صبرها.
لقد دفعت مصر أثمانًا باهظة في حروبها السابقة، وقدمت دماء أبنائها دفاعًا عن أرضها وعن قضايا أمتها، ولذلك تدرك أكثر من غيرها معنى الحرب وتكلفتها، كما تعرف قيمة السلام وشروط الحفاظ عليه.
ومن يفسر حرص مصر على منع التصعيد باعتباره تراجعًا، فإنه لا يقرأ التاريخ، ولا يفهم طبيعة الدولة المصرية، ولا يدرك أن القوة ليست دائمًا في إطلاق النار، بل قد تكون في القدرة على منع الآخرين من فرض توقيت المعركة ومكانها وأدواتها.
مصر لا تبدل مواقفها وفق المصالح المؤقتة
نعيش في عالم امتلأ بازدواجية المعايير، وأصبح من المعتاد أن تقول بعض الدول شيئًا في العلن، ثم تفعل نقيضه خلف الأبواب المغلقة.
تتحدث عن القانون الدولي حين يخدم مصالحها، ثم تتجاهله عندما يقيد تحركاتها. تدعو إلى حماية المدنيين في مكان، ثم تبرر استهدافهم في مكان آخر. ترفع شعارات السيادة، ثم تتدخل في شؤون الدول متى أرادت.
أما مصر، فرغم صعوبة الظروف وتشابك المصالح، فقد حافظت على سياسة واضحة المعالم: احترام سيادة الدول، ورفض تهجير الشعوب، ومنع تصفية القضايا، والدعوة إلى الحلول السياسية، وحماية الأمن القومي دون اعتداء على حقوق الآخرين.
هذه السياسة ليست ضعفًا أو حيادًا سلبيًا، بل تعبير عن دولة تزن مواقفها بمنطق القانون والعقل والمصلحة الوطنية، لا بمنطق التهور والمغامرة السياسية والعسكرية.
الحوادث العارضة لا تغيّر عقيدة دولة
قد تقع حوادث عارضة، أو تتداول معلومات متضاربة، أو تحاول جهات استغلال واقعة أمنية أو بحرية أو حدودية من أجل دفع مصر إلى رد فعل متسرع.
وقد يسعى البعض إلى تضخيم واقعة قبل اكتمال التحقيقات، أو توجيه اتهامات دون أدلة، أو إشعال الرأي العام بما يخدم حسابات لا علاقة لها بالمصلحة المصرية.
لكن مصر أكبر من أن تُقاد إلى النزاعات بهذه الطريقة.
الدولة التي تمتلك مؤسسات راسخة وأجهزة قادرة على جمع المعلومات وتحليلها لا تتخذ قرارًا استراتيجيًا بناءً على شائعة أو تقرير أولي أو رواية مجهولة المصدر.
فكل حادث يخضع للتحقيق، وكل معلومة يجري فحصها، وكل تهديد يتم تقييمه وفق حجمه الحقيقي، ثم يأتي الرد المناسب في التوقيت الذي تختاره الدولة، وبالأدوات التي تحقق أهدافها دون أن تمنح الخصوم فرصة جرها إلى المستنقع.
حماية مصر مسؤولية الجيش والشعب
يمتلك الجيش المصري القدرة والخبرة والعقيدة اللازمة لحماية حدود البلاد ومقدراتها، لكنه لا يعمل منفصلًا عن شعبه.
فقوة مصر الحقيقية تكمن في التلاحم بين الدولة والجيش والشعب، وفي إدراك المصريين أن الخلافات الداخلية لا يجب أن تتحول إلى ثغرات ينفذ منها المتربصون.
قد يختلف المصريون في السياسة أو الاقتصاد أو إدارة بعض الملفات، لكنهم يتوحدون عندما يتعلق الأمر بالأرض والسيادة والأمن القومي.
ومن هنا، فإن كل محاولة لضرب الثقة بين الشعب ومؤسساته، أو نشر الذعر، أو تضخيم التهديدات، أو دفع المواطنين إلى فقدان الثقة في قدرة الدولة على حماية حدودها، تخدم خصوم مصر، سواء أُطلقت بحسن نية أو بسوء قصد.
لا للحرب المفتوحة.. ولا للتفريط
ليست الحكمة أن تدخل مصر كل حرب تقع بالقرب منها، كما أنها ليست مطالبة بإثبات قوتها في كل صباح من خلال بيانات نارية أو عمليات عسكرية.
الدول الكبرى لا تتحرك بهذه الطريقة الدولة الكبري لن تحركها تقارير صحفية ومشاهد مفبركة بالذكاء الاصطناعي وكلمات عابرة علي مواقع التواصل الاجتماعي - الدول الكبري تحقق وتتلقي التقارير من اجهزتها وليست من قناة تلافزيونية او فيديو بتم بثة علي مواقع التواصل الأجتماعي
لكن الحكمة أيضًا لا تعني الصمت على تهديد مباشر، أو قبول المساس بالأرض، أو التفريط في المصالح الحيوية.
المعادلة المصرية واضحة: لا انجرار إلى الحروب العبثية، ولا تنازل عن الأمن القومي. لا اندفاع وراء الاستفزازات، ولا تهاون في حماية الحدود. لا تدخل في شؤون الآخرين، ولا سماح للآخرين بالعبث بشؤون مصر.
إنها معادلة تحكمها مؤسسات تعرف وزن الدولة، وتقدر عواقب القرارات، وتضع حياة المصريين واستقرارهم فوق الاستعراض السياسي.
مصر ستظل صعبة على المتربصين
من يعز عليه أن تعيش مصر في أمن وأمان عليه أن يدرك أن هذا الاستقرار لم يعد مجرد حالة مؤقتة يمكن إسقاطها بالشائعات أو الاستفزازات أو محاولات جر الدولة إلى الصراعات.
مصر تعلمت من تجارب المنطقة، وتدرك أن سقوط الدول يبدأ حين تفقد قدرتها على التمييز بين الدفاع المشروع والمغامرة، وبين حماية المصالح والانخراط في حروب الآخرين.
ولهذا ستظل السياسة المصرية قائمة على السلام من موقع القوة، وعلى ضبط النفس دون تفريط، وعلى احترام القانون دون التخلي عن حق الدفاع عن النفس.
ستظل حدود مصر مقدسة، وسيظل جيشها قادرًا، وشعبها سندًا له، وستظل قراراتها نابعة من مصالحها الوطنية لا من ضغوط الخارج أو صخب المنصات.
ومهما تعددت محاولات جر مصر إلى النزاعات، فإنها لن تنجح؛ لأن مصر لا تتحرك بمنطق التهور، ولا تسمح لأحد بأن يختار لها معاركها.


