الاثنين، ١٥ يونيو ٢٠٢٦ في ١٢:٢٠ ص

إيران تخرج أقوى وإسرائيل في مأزق.. قراءة في اتفاق ترامب وطهران

إسرائيل خارج طاولة القرار.. اتفاق ترامب مع إيران يشعل الغضب في تل أبيب ويضع نتنياهو في الزاوية

 مع  اقتراب الولايات المتحدة وإيران من توقيع مذكرة تفاهم قد تنهي جولة التصعيد الأخيرة، وتفتح الباب أمام ترتيبات أوسع تشمل وقف إطلاق النار، ومضيق هرمز، والعقوبات، والملف النووي في مرحلة لاحقة.

المشهد بالنسبة لتل أبيب يبدو شديد القسوة: إسرائيل التي دخلت الحرب وهي تراهن على أن الضغط العسكري سيجبر إيران على تقديم تنازلات استراتيجية كبرى، وجدت نفسها فجأة خارج طاولة القرار، بينما واشنطن وطهران تقتربان من اتفاق برعاية وسطاء إقليميين، وعلى رأسهم باكستان وقطر.

الأخطر بالنسبة لنتنياهو أن الاتفاق لا يبدو، وفق ما تسرب حتى الآن، نسخة كاملة من الشروط الإسرائيلية القصوى، بل أقرب إلى تفاهم مؤقت يركز على منع إيران من امتلاك سلاح نووي، وفتح مضيق هرمز، وتثبيت وقف إطلاق النار، مع ترحيل الملفات الأكثر حساسية إلى مفاوضات لاحقة.


إسرائيل خارج غرفة التفاوض

المفارقة الكبرى أن إسرائيل، رغم كونها طرفًا أساسيًا في الحرب والتصعيد، لم تكن جزءًا مباشرًا من المفاوضات الأمريكية الإيرانية.

وتقول رويترز إن إسرائيل، التي شاركت الولايات المتحدة الحرب ضد إيران، ليست طرفًا في المفاوضات الجارية، بينما قال نتنياهو إن بلاده لن تكون طرفًا في الاتفاق. هذا وحده يكشف حجم الفجوة بين المسار الأمريكي والمسار الإسرائيلي.

بالنسبة لتل أبيب، هذا يعني أن واشنطن بدأت تتعامل مع الملف من زاوية مصالحها المباشرة: وقف الحرب، فتح مضيق هرمز، تهدئة أسواق الطاقة، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أكبر.

أما بالنسبة لنتنياهو، فالمعنى أكثر إيلامًا: إسرائيل تحارب، لكن أمريكا تفاوض. إسرائيل تضغط، لكن ترامب يقرر متى تنتهي اللعبة.


ترامب يبلغ نتنياهو: هذا هو الاتفاق

بحسب تقرير Axios، أجرى ترامب اتصالًا بنتنياهو وأبلغه أن الاتفاق مع إيران بات قريبًا، قائلًا له، وفق مسؤول أمريكي كبير، إن هذا هو الاتفاق، وإنه اتفاق جيد، وإن الوقت حان لإنهاء الحرب.

هذه العبارة وحدها تلخص التحول. لم يكن الاتصال، وفق القراءة السياسية، نقاشًا بين حليفين يضعان شروطًا مشتركة، بل أقرب إلى إبلاغ أمريكي بأن واشنطن حسمت اتجاهها.

نتنياهو، الذي كان يسعى إلى اتفاق يفرض تفكيكًا واسعًا لقدرات إيران النووية والصاروخية ويقيد نفوذها الإقليمي، وجد نفسه أمام مقاربة أمريكية أكثر براغماتية: وقف التصعيد الآن، ثم التفاوض لاحقًا على التفاصيل.


بنود الاتفاق.. مكسب إيراني أم تهدئة مؤقتة؟

بحسب رويترز، تتضمن مسودة التفاهم المطروحة إعادة فتح مضيق هرمز أمام الملاحة التجارية، مقابل رفع الحصار البحري الأمريكي عن الموانئ الإيرانية خلال فترة محددة، مع امتناع واشنطن عن فرض عقوبات جديدة خلال فترة التفاوض، وإعفاءات مؤقتة في ملف النفط، والإفراج عن أصول إيرانية مجمدة.

كما يشمل التصور الإيراني، وفق التقرير نفسه، تعهد طهران بعدم تطوير أو امتلاك سلاح نووي، مع الحفاظ على مستوى النشاط النووي الحالي خلال فترة التفاوض، وتأجيل التفاصيل الفنية إلى مفاوضات لاحقة تمتد لنحو 60 يومًا.

وهنا تكمن صدمة تل أبيب. فالاتفاق، وفق هذه الصياغة، لا يمنح إسرائيل فورًا ما كانت تطالب به: تفكيكًا شاملًا، إخراجًا كاملًا للمواد المخصبة، أو إنهاءً واضحًا للبرنامج الصاروخي. بل يقدم تهدئة مؤقتة تتقايض وقف التصعيد بمسار تفاوضي جديد.

من وجهة النظر الإسرائيلية المتشددة، هذا ليس نصرًا. ومن وجهة نظر واشنطن، هو منع لانفجار أكبر.


مضيق هرمز.. الورقة التي غيّرت الحسابات

لعب مضيق هرمز دورًا محوريًا في قلب الموازين. فإغلاق أو تعطيل هذا الممر الحيوي رفع تكلفة الحرب على واشنطن وحلفائها، وأعاد الاقتصاد العالمي إلى قلب المعادلة.

تشير تقارير رويترز إلى أن إعادة فتح مضيق هرمز كانت بندًا رئيسيًا في المسودة، مع ربطها برفع الحصار البحري الأمريكي على الموانئ الإيرانية.

هذا يعني أن إيران استخدمت الورقة البحرية بفاعلية، ليس فقط كأداة عسكرية، بل كورقة تفاوضية تضغط على الاقتصاد العالمي، وتدفع واشنطن إلى البحث عن مخرج سريع.

وهنا تظهر الفجوة بين حسابات إسرائيل وحسابات أمريكا. إسرائيل تفكر بمنطق الأمن العسكري المباشر، أما واشنطن فتفكر بمنطق أوسع: الطاقة، الأسواق، الخليج، الانتخابات، واستنزاف القوات.


لبنان يدخل على خط الاتفاق

لم تقف الأزمة عند إيران وحدها. الساحة اللبنانية تحولت إلى نقطة اشتعال إضافية بين ترامب ونتنياهو.

ذكرت رويترز أن ترامب انتقد ضربة إسرائيلية على بيروت استهدفت حزب الله، معتبرًا أنها عقّدت جهود إنهاء الحرب والتوصل إلى اتفاق مع إيران، في حين شددت إسرائيل على استمرار عملياتها في لبنان.

كما نقل Axios أن ترامب عبّر عن غضب شديد من نتنياهو بسبب توقيت الضربة، وقال إن رئيس الوزراء الإسرائيلي يفتقر إلى حسن التقدير في هذه اللحظة الحساسة.

هذه النقطة مهمة للغاية، لأن الاتفاق لا يخص إيران فقط، بل يلامس قدرة إسرائيل على الحركة في لبنان. فإذا كانت واشنطن تريد تثبيت تهدئة مع طهران، فإن أي ضربة إسرائيلية كبيرة ضد حزب الله قد تتحول إلى صاعق يفجر الاتفاق كله.


ترامب ونتنياهو.. تحالف يتشقق تحت ضغط المصالح

العلاقة بين ترامب ونتنياهو تبدو في هذه المرحلة محكومة بالتوتر لا بالانسجام.

Axios كان قد نقل في تقرير سابق أن ترامب وبّخ نتنياهو بحدة بسبب تهديده باستئناف ضرب بيروت، واتهمه بتهديد مسار التفاوض مع إيران، بل طلب منه التراجع عن خطة الضربات.

وفي تقرير آخر، قال ترامب إن الضربة الإسرائيلية على لبنان “ما كان يجب أن تحدث”، لكنه أكد أن اتفاق إيران لا يزال ممكنًا.

هذه ليست مجرد مشادة إعلامية، بل مؤشر على تغير في ترتيب الأولويات. ترامب يريد اتفاقًا يستطيع تقديمه كإنجاز، ونتنياهو يريد حرية عسكرية أوسع ضد إيران وحلفائها. وعندما تتعارض الأجندتان، يختار الرئيس الأمريكي ما يراه مصلحة أمريكية أولًا.


سؤال تل أبيب المرير: لماذا حاربنا؟

من هنا يظهر السؤال الإسرائيلي الصعب: إذا كان الاتفاق سيترك الملف النووي للتفاوض، ويمنح إيران تخفيفًا للعقوبات، ويفتح مضيق هرمز مقابل تعهد عام بعدم إنتاج سلاح نووي، فما الذي تحقق من الحرب؟

هذا السؤال يتردد في خلفية الجدل الداخلي الإسرائيلي. فالمعركة التي سوّقها نتنياهو باعتبارها فرصة تاريخية لكسر إيران، قد تنتهي باتفاق يمنح طهران متنفسًا اقتصاديًا وسياسيًا، ويعيد فتح المضيق، ويؤجل الملفات الصعبة.

بالنسبة لخصوم نتنياهو، المشكلة ليست في الاتفاق وحده، بل في سوء تقدير الحرب من البداية. فقد راهن على أن الضغط العسكري سيجعل إيران تركع، لكن النتيجة الحالية تشير إلى أن إيران بقيت على الطاولة، بل دخلت المفاوضات وهي تمتلك أوراق ضغط مؤثرة.


إيهود باراك وانتقاد استراتيجية نتنياهو

تكررت انتقادات رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك لاستراتيجية نتنياهو تجاه إيران خلال الأشهر الماضية. فقد حذر باراك، بحسب تقارير إسرائيلية، من أن تقييمات حكومة نتنياهو لمسار المواجهة مع إيران تقوم على الرغبات أكثر من التخطيط الاستراتيجي الواقعي.

كما نقلت جيروزاليم بوست عن باراك تحذيره من أن العمليات العسكرية الإسرائيلية، رغم أنها أظهرت قدرات الجيش، بدأت تخلق احتكاكًا دبلوماسيًا مع أطراف إقليمية وحلفاء مهمين.

هذه الانتقادات تلتقي مع القراءة الحالية: إسرائيل نجحت عسكريًا في توجيه ضربات، لكنها لم تنجح سياسيًا في فرض نهاية الحرب بالشروط التي أرادتها.


إيران بين الخسائر والمكاسب

من الخطأ تصوير إيران كأنها خرجت بلا خسائر. الحرب والضربات والعقوبات والضغط البحري كلفت طهران كثيرًا، وأدخلتها في مواجهة خطيرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل.

لكن من الخطأ أيضًا افتراض أنها خرجت منكسرة بالكامل. فطهران استطاعت الحفاظ على موقعها التفاوضي، واستخدام مضيق هرمز كورقة ضغط، وإبقاء ملفات النووي والصواريخ والنفوذ الإقليمي ضمن مسار تفاوضي طويل بدل الحسم الفوري.

كما أن الجدل داخل إيران نفسها يظهر أن الاتفاق ليس محل إجماع؛ فتيارات متشددة ترفضه وتعتبره تنازلًا، بينما يراه مؤيدوه أفضل من اتفاق 2015 لأنه يحافظ، وفق رأيهم، على أوراق قوة إيرانية مهمة.

وهذا يعني أن الاتفاق ليس انتصارًا كاملًا لطهران ولا هزيمة كاملة لها، بل نتيجة وسطية ولدت من توازن ضغط متبادل.


نتنياهو بين رواية النصر وحقيقة العزلة

يحاول نتنياهو تقديم رواية داخلية تقول إن إسرائيل أصبحت أقوى، وإن إيران أصبحت أضعف، وإن أي اتفاق نهائي يجب أن يمنع طهران من امتلاك سلاح نووي ويضع قيودًا صارمة على برنامجها. وقد كرر مؤخرًا أن إيران أضعف من أي وقت مضى وأن إسرائيل أقوى من أي وقت مضى.

لكن المشكلة أن هذه الرواية تصطدم بواقع تفاوضي مختلف: إسرائيل ليست صاحبة القلم الذي يكتب الاتفاق، وليست الدولة التي ستوقع مع إيران، وليست الطرف الذي يحدد وحده متى تنتهي الحرب.

الأخطر أن نتنياهو بات يواجه ضغطًا من داخل إسرائيل ومن واشنطن معًا. في الداخل، هناك من يسأل عن جدوى الحرب. وفي واشنطن، هناك رئيس أمريكي يريد إغلاق الملف بسرعة قبل أن يتحول إلى ورطة أكبر.


هل باع ترامب نتنياهو؟

السؤال الأكثر تداولًا في التحليلات الإسرائيلية والعربية: هل باع ترامب نتنياهو؟

الإجابة الأدق: ترامب لم “يبع” نتنياهو بقدر ما أعاد ترتيب الأولويات الأمريكية. فالتحالف مع إسرائيل باقٍ، والدعم العسكري والسياسي لا يزال قائمًا، لكن واشنطن في لحظة معينة رأت أن استمرار الحرب لم يعد يخدم مصالحها.

وهنا انكشف الفارق بين الحليف والتابع. إسرائيل توقعت أن تسير واشنطن حتى النهاية وفق سقف تل أبيب، لكن ترامب اختار السقف الأمريكي: لا قنبلة نووية إيرانية، فتح مضيق هرمز، وقف الحرب، ثم تفاوض لاحق.

هذه ليست خيانة بالمعنى الدبلوماسي، لكنها ضربة قاسية لوهم أن واشنطن ستقاتل دائمًا وفق شروط نتنياهو.


الخلاصة السياسية

المشهد الحالي يقول إن إسرائيل نجحت في إلحاق أضرار بإيران، لكنها لم تنجح في انتزاع استسلام سياسي.

إيران تضررت، لكنها بقيت طرفًا قادرًا على التفاوض والمساومة.

ترامب لم يمنح نتنياهو نهاية الحرب التي يريدها، بل اختار نهاية تخدم مصالحه المباشرة.

أما نتنياهو، فوجد نفسه بين نارين: اتفاق أمريكي لا يلبي كل شروطه، ورأي عام داخلي يسأله عن جدوى الحرب وتكلفتها.

وهنا تكمن الصدمة الإسرائيلية الحقيقية: لم تكن المشكلة فقط في بنود الاتفاق، بل في اكتشاف أن القرار النهائي لا يصدر من تل أبيب.


زلزالًا سياسيًا داخل إسرائيل

اتفاق ترامب مع إيران، إذا اكتمل، لن يكون مجرد مذكرة تفاهم بين واشنطن وطهران، بل زلزالًا سياسيًا داخل إسرائيل.

فهو يكشف حدود القوة الإسرائيلية، وحدود نفوذ نتنياهو على البيت الأبيض، وحدود الحرب عندما تصطدم بحسابات الطاقة والاقتصاد والمصالح الأمريكية.

لقد دخلت إسرائيل المواجهة وهي تعتقد أن الضغط العسكري سيمنحها اتفاقًا على مقاسها، لكنها وجدت نفسها أمام اتفاق أمريكي يركز على منع القنبلة وفتح المضيق ووقف النار، لا على تفكيك كل أوراق إيران دفعة واحدة.

وبين غضب تل أبيب وهدوء واشنطن وحذر طهران، يبقى العنوان الأوضح: ترامب قرر إنهاء اللعبة بشروطه، ونتنياهو يكتشف متأخرًا أن الحليف الأكبر قد يصبح، في لحظة المصالح، أكبر مصدر إرباك سياسي.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.