ارحموا المصريين من مهرجان التصريحات العبثية
مؤسف للغاية أن يخرج على المصريين نائب مُعيّن بمجلس الشيوخ، يُفترض أنه يدرك طبيعة المجتمع الذي يمثله وحجم التحديات الاقتصادية التي يواجهها، ليعلن أنه يعيش بالكاد بدخل يصل إلى نحو عشرة ملايين جنيه سنويًا.
والأكثر إثارة للدهشة أن تخرج فنانة زميلة له لتؤيد حديثه، وتعلن أنه لا يمكن العيش بأقل من هذا المبلغ، ثم تتساءل في عبارة صادمة: «أنتم تريدوننا أن نموت مبكرًا؟».
وبالطبع، الأعمار بيد الله وحده، ولا يستطيع المال أو الشهرة أو المنصب أن يمنح الإنسان دقيقة واحدة إضافية عندما يحين الأجل، ولم يشفع المال يومًا لصاحبه أمام ملك الموت، كما لم يكن الفقر سببًا في الانتقاص من قيمة الإنسان أو كرامته.
لكن القضية هنا ليست في حق أي شخص في امتلاك المال أو الاستمتاع بما كسبه بصورة مشروعة، وإنما في توقيت هذه التصريحات وطريقة طرحها، والناس الذين تُلقى هذه الكلمات على مسامعهم.
من يعيش بالكاد فعلًا؟
عندما يقول شخص يحصل على ما يقارب مليون جنيه شهريًا إنه يعيش بالكاد، فماذا يقول المواطن الذي لا يتجاوز دخله عشرة آلاف جنيه في الشهر؟
بل ماذا يقول العامل الذي يحصل على أقل من ذلك، ويقضي أيامه بين فواتير الكهرباء والمياه والغاز، ومصروفات المدارس، وأسعار الدواء، وإيجار المسكن، وتكاليف الانتقال والطعام؟
وماذا يقول صاحب المعاش الذي ينتظر اليوم الأول من كل شهر ليحصل على جنيهات محدودة، يوزعها بين العلاج والطعام والاحتياجات الأساسية، قبل أن تنتهي خلال أيام قليلة؟
إن عبارة «نعيش بالكاد» لا يمكن فصلها عن واقع المجتمع الذي تُقال فيه. وقد تكون عشرة ملايين جنيه غير كافية لطبيعة حياة شديدة الرفاهية، لكنها بالنسبة إلى ملايين المصريين تمثل ثروة لا يستطيعون حتى تخيل امتلاكها.
فجوة بين الكلمات وحياة الناس
ليست المشكلة في اختلاف مستويات الدخول؛ فالمجتمعات بطبيعتها تضم الغني والفقير ومتوسط الحال، ولكل إنسان حقه في العمل والنجاح وتحسين مستوى معيشته.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول الثراء إلى شكوى علنية أمام أشخاص يعانون لتوفير الضروريات، وكأن أصحاب الملايين يعيشون الأزمة نفسها التي يعيشها الموظف البسيط أو الأرملة أو صاحب المعاش.
هناك فرق كبير بين أن يشكو شخص من ارتفاع تكلفة نمط حياته، وبين أن يدعي أنه لا يستطيع العيش رغم امتلاكه دخلًا يعادل دخول مئات الأسر.
ما فائدة هذه التصريحات الآن؟
السؤال الذي يجب طرحه بوضوح: ما الفائدة العامة من إخبار المواطنين بأن عشرة ملايين جنيه سنويًا لا تكفي للعيش؟
هل تطمئن هذه الكلمات الناس؟ هل تمنحهم أملًا؟ هل تقدم حلًا لمشكلة؟ هل تساعد الحكومة أو البرلمان على فهم الأزمة الاقتصادية؟
الإجابة، للأسف، أنها لا تفعل شيئًا من ذلك.
بل على العكس، قد تثير الغضب والإحباط، وتعمق شعور قطاعات واسعة من المواطنين بأن بعض الشخصيات العامة تعيش في عالم منفصل تمامًا عن واقعهم.
فالمواطن الذي يحسب ثمن كل رغيف خبز وعلبة دواء لا يحتاج إلى سماع شكوى شخص يحصل على ملايين الجنيهات، ولا يحتاج صاحب المعاش الذي يختار بين العلاج والطعام إلى من يخبره بأن المليون جنيه شهريًا لا يكفي.
مسؤولية النائب أكبر من غيره
الأمر يصبح أكثر حساسية عندما تصدر هذه الكلمات عن عضو في مجلس الشيوخ، لأن النائب ليس مجرد شخصية عامة تتحدث عن حياتها الشخصية، وإنما يشغل موقعًا سياسيًا وتشريعيًا يفرض عليه مسؤولية مضاعفة.
ومن حق النائب أن يكون ثريًا، ومن حقه أن يتحدث عن دخله، لكن عليه أيضًا أن يدرك أن كلماته تُقاس بموقعه ومسؤوليته وتأثيرها في المواطنين.
هل يعرف النائب كيف يعيش الناس؟
المواطن لا ينتظر من النائب أن يشرح له صعوبة الحفاظ على مستوى معيشة فاخر، بل ينتظر منه أن يناقش كيفية تحسين الأجور والمعاشات، وضبط الأسعار، وتطوير الخدمات الصحية والتعليمية.
ينتظر الناس من ممثليهم أن يشعروا بمعاناتهم، لا أن يعرضوا أمامهم معاناة مختلفة تمامًا تتعلق بالحفاظ على نمط إنفاق لا يستطيع المواطن العادي الاقتراب منه.
وعندما يصف شخص يمتلك ملايين الجنيهات حياته بأنها حياة «بالكاد»، فإنه يرسل رسالة بالغة القسوة إلى ملايين المواطنين: إن ما تعتبرونه دخلًا جيدًا أو حلمًا بعيدًا لا يكفي حتى للعيش من وجهة نظرنا.
أصحاب المعاشات ينتظرون أول الشهر
هناك في مصر ملايين من أصحاب المعاشات، أفنوا أعمارهم في العمل وخدمة مؤسسات الدولة والمجتمع، ثم أصبحوا ينتظرون بداية كل شهر للحصول على معاشاتهم.
وغالبية هؤلاء من كبار السن الذين يحتاجون إلى أدوية شهرية وفحوص طبية وعلاج مستمر، فضلًا عن احتياجاتهم اليومية.
وقد يجد أحدهم نفسه مضطرًا إلى حذف دواء من قائمة علاجه، أو تأجيل زيارة الطبيب، أو الاعتماد على مساعدة أبنائه، لأن المعاش لا يغطي جميع الاحتياجات.
أي رسالة تصل إليهم؟
ماذا يشعر صاحب المعاش عندما يسمع أن شخصًا يحصل على عشرة ملايين جنيه سنويًا يعيش بالكاد؟
هل يشعر أن أزمته مفهومة؟ أم يشعر أن هناك من لا يرى معاناته أصلًا؟
إن الكلمات ليست مجرد أصوات تنتهي بعد دقائق، بل قد تتحول إلى جرح اجتماعي عميق، خصوصًا عندما تصدر عن شخصيات يُفترض أنها تعرف حالة المجتمع وتحترم مشاعر أفراده.
لسنا ضد الأغنياء أو نجاح المشاهير
من الضروري التأكيد أن انتقاد هذه التصريحات لا يعني التحريض ضد الأغنياء أو الاعتراض على نجاح الفنانين ورجال الأعمال والشخصيات العامة.
فمن حق كل إنسان أن يجني ثمار عمله وموهبته واستثماراته، ما دام ذلك في إطار القانون، ومن حقه أن يختار مستوى المعيشة الذي يناسب دخله.
لكن الثراء يفرض أيضًا قدرًا من المسؤولية الاجتماعية والوعي بطريقة الحديث أمام الجمهور.
ليس مطلوبًا من الثري أن يعتذر عن ثرائه، لكنه مطالب بألا يحول رفاهيته إلى مأساة يعرضها أمام الفقراء.
ارحمونا من التصريحات العبثية
لقد أصبح المواطن المصري يعيش وسط مهرجان يومي من التصريحات العبثية؛ تصريح يصدمه، وآخر يثير غضبه، وثالث يشعره بأن من يتحدثون إليه لا يعرفون شيئًا عن حياته.
وبدلًا من أن تكون تصريحات المسؤولين والنواب والشخصيات العامة مصدرًا للطمأنينة والثقة، أصبحت في أحيان كثيرة مصدرًا للتوتر والاستفزاز.
الكلمات قد تصنع اليأس
المجتمعات لا تعيش بالقرارات الاقتصادية وحدها، بل تعيش أيضًا بالإحساس بالعدالة والاحترام والتقدير.
وعندما يشعر المواطن بأن معاناته محل سخرية أو تجاهل، أو أن الشخصيات العامة تعتبر الملايين حدًا أدنى للعيش، فإن ذلك قد يزيد شعوره باليأس وانعدام العدالة.
لذلك يحتاج الخطاب العام إلى ضبط اجتماعي وأخلاقي، لا بمعنى تقييد حرية التعبير، وإنما بمعنى أن يدرك المتحدث أثر كلماته ومسؤوليته أمام المجتمع.
راعوا مشاعر الناس
قبل أن تخرج أي شخصية عامة لتتحدث عن صعوبة حياتها، عليها أن تنظر إلى حال المواطنين الذين ستصل إليهم تصريحاتها.
عليها أن تتذكر العامل الذي يستيقظ قبل شروق الشمس، والموظف الذي يقترض لإكمال الشهر، والأم التي تحذف احتياجاتها من قائمة المشتريات حتى توفر لأطفالها، وصاحب المعاش الذي ينتظر أول الشهر لشراء الدواء.
وعليها أن تسأل نفسها: هل ما سأقوله ضروري؟ وهل سيضيف شيئًا؟ وهل يمكن أن يصيب الناس بالإحباط أو يشعرهم بالإهانة؟
المشكلة ليست في المبلغ بل في الحس الاجتماعي
قد يرى شخص أن عشرة ملايين جنيه لا تكفي احتياجاته والتزاماته، وقد تكون لديه مصروفات لا يعرفها الآخرون، لكن المشكلة ليست في حساباته الشخصية.
المشكلة في افتقاد الحس الاجتماعي عند طرح هذه الحسابات أمام المواطنين باعتبارها نموذجًا لصعوبة الحياة.
فصعوبة الحياة الحقيقية يعيشها من لا يعرف كيف سيوفر طعام الغد، لا من يناقش كيفية تمويل مستوى رفاهيته الحالي.
ويعيشها المريض الذي لا يجد ثمن العلاج، والأب الذي يعجز عن سداد المصروفات، والشاب الذي يعمل في وظيفتين ليؤسس حياته، لا من يحصل على ملايين الجنيهات ثم يعلن أنه يعيش بالكاد.
كلمة لا بد منها
ارحمونا يرحمكم الله من هذه التصريحات التي لا تقدم حلًا، ولا تمنح أملًا، ولا تراعي مشاعر المواطنين.
احتفظوا بتفاصيل إنفاقكم ومستوى معيشتكم لأنفسكم، وتذكروا أن هناك من يستمع إليكم وهو يحمل همّ الطعام والعلاج والإيجار ومستقبل أبنائه.
ليس عيبًا أن تكونوا أثرياء، وليس جريمة أن تعيشوا كما تريدون، لكن من المؤلم أن تحولوا ملايينكم إلى شكوى أمام من لا يمتلك إلا جنيهات محدودة ينتظرها من أول الشهر إلى أوله.
المواطن المصري لا يحتاج إلى مزيد من الاستفزاز، بل يحتاج إلى خطاب يحترم عقله ومعاناته، ويمنحه شعورًا بأن من يتحدثون إليه يعيشون معه في الوطن نفسه، حتى لو لم يعيشوا الظروف نفسها.
كفانا مهرجانًا للتصريحات العبثية، واضبطوا كلماتكم قبل أن تزيدوا وجع الناس؛ فالكلمة مسؤولية، ومن لا يستطيع أن يخفف عن المواطنين، فعلى الأقل لا يضاعف آلامهم. ويصمت بملاينة


