حين يتحول الخبر إلى أداة رعب
في واحدة من أكثر الوقائع كاشفية لطبيعة الإعلام الإسرائيلي خلال فترات التوتر الإقليمي، تحولت ناشطة إسرائيلية إلى “قتيلة” على شاشات التلفزيون العبري، بينما كانت في الواقع تشاهد نشرة الأخبار من منزلها.
الواقعة لم تكن مجرد خطأ مهني عابر، بل عكست نمطًا متكررًا من التهويل وصناعة الرعب، الذي تلجأ إليه وسائل إعلام إسرائيلية عند تغطية أحداث حساسة، خاصة تلك المرتبطة بإيران، الخصم الإقليمي الدائم في الخطاب السياسي والأمني لتل أبيب.
القصة الكاملة | «قتيلة» تشاهد خبر وفاتها
دحضت الناشطة الإسرائيلية نويا تسيون ادعاءات بثّتها وسائل إعلام عبرية تحدثت عن مقتلها خلال الاحتجاجات في إيران، مؤكدة أنها كانت في منزلها وتستعد لممارسة الرياضة، بينما تُعرض صورتها على شاشة التلفزيون باعتبارها إحدى الضحايا.
الصدمة لم تكن في انتشار الخبر فقط، بل في صدوره عبر واحدة من أكبر القنوات الإسرائيلية، القناة 12، التي بثت صورة تسيون ضمن نشرة إخبارية، على أنها “يهودية إيرانية قُتلت خلال الاحتجاجات”.
رواية إعلامية بلا تحقق
قالت القناة في تقريرها إن “أربعة إيرانيين من أصل يهودي قُتلوا خلال الاحتجاجات في إيران”، مضيفة أن العدد “قد يكون أكبر”، لكنها بررت غياب التحقق بـ”انقطاع الإنترنت داخل إيران”.
هذه الصيغة، التي تعتمد على الغموض والتخمين، فتحت الباب أمام وسائل إعلام أخرى وصحفيين إسرائيليين لتداول الخبر على نطاق واسع، بل ورفع عدد القتلى إلى خمسة، دون أي تدقيق مستقل أو تأكيد موثوق.
الإعلام يتلقف.. والسوشيال يضخم
ما إن بثت القناة تقريرها، حتى سارعت حسابات إعلامية وصحفية إسرائيلية إلى إعادة نشر الرواية ذاتها عبر منصات التواصل الاجتماعي، في مشهد يعكس دورة تضخيم مغلقة:
قناة تبث → صحفيون يعيدون النشر → سوشيال ميديا تضخم → “حقيقة” تتشكل دون أساس.
هذه الآلية ليست جديدة في الإعلام الإسرائيلي، لكنها تظهر بوضوح أكبر عند تغطية إيران، حيث يمتزج الأمني بالسياسي، ويُقدَّم الخبر غالبًا في إطار يخدم رواية الخطر الداهم.

«أنا في بيتي».. فيديو ينسف الرواية
في المقابل، خرجت نويا تسيون عبر حسابها على منصة تيك توك، في حالة ذهول، لتقول:
«لم أتخيل أبدًا أن يحدث لي هذا… أنا في منزلي، وسأخرج للتمرين بعد نصف ساعة».
الفيديو انتشر بسرعة، ونسف الرواية الإعلامية من جذورها، كاشفًا حجم التسرع، بل والاستهانة، في التعامل مع معلومة خطيرة تتعلق بحياة أشخاص.
محاولة تبرؤ متأخرة
بعد انكشاف الخطأ، حاولت القناة الالتفاف على الفضيحة، فأعادت صياغة القصة بالقول إن “الصور انتشرت على مواقع التواصل ووصلت إلى العالم أجمع، بما في ذلك إسرائيل”، في محاولة لنقل المسؤولية من غرفة الأخبار إلى الفضاء الرقمي.
لكن هذه المحاولة لم تُقنع كثيرين، خاصة أن القناة نفسها هي من بث الصورة أولًا ضمن نشرة رسمية، لا منشورًا عابرًا على منصة غير موثوقة.
دلالة سياسية | لماذا يهوّل الإعلام الإسرائيلي؟
يرى مراقبون أن هذه الواقعة تعكس نمطًا أوسع في الإعلام الإسرائيلي، يقوم على:
-
تضخيم الأخطار المرتبطة بإيران لتكريس صورة العدو غير المستقر.
-
خلق حالة خوف دائم داخل المجتمع الإسرائيلي.
-
دعم الخطاب السياسي والأمني الذي يبرر السياسات التصعيدية.
في هذا السياق، يصبح “الخطأ الإعلامي” جزءًا من منظومة تهويل لا تُراجع إلا بعد انكشافها الفاضح.
نفي قاطع وتفاصيل كاشفة
في حديث لاحق، نفت تسيون أن يكون لها أي أقارب أو معارف في إيران من الأساس، ما يطرح سؤالًا جوهريًا:
كيف وصلت صورتها إلى تقرير عن “يهود إيرانيين” دون تحقق أولي من الهوية أو الخلفية؟
السؤال لا يخص حالة فردية فقط، بل يطال معايير المصداقية في الإعلام العبري خلال الأزمات.
حين يتحول الإعلام إلى أداة خوف
قصة نويا تسيون ليست مجرد زلة مهنية، بل نموذج صارخ لكيف يمكن للإعلام أن يتحول من ناقل للمعلومة إلى صانع للرعب.
وفي لحظة إقليمية شديدة الحساسية، يصبح ثمن هذا التهويل باهظًا، ليس فقط على مستوى الثقة الإعلامية، بل على مستوى الوعي العام، حين تُستبدل الحقائق بالروايات الجاهزة.


