تتصاعد التكهنات بشأن مستقبل المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران من جهة أخرى، مع تداول تقارير تتحدث عن إعداد سيناريوهات عسكرية جديدة تستهدف منشآت حيوية وقدرات عسكرية إيرانية، في وقت لا تزال فيه الجهود الدبلوماسية مستمرة لمحاولة احتواء التوترات ومنع اندلاع مواجهة جديدة.
وبحسب ما أوردته صحيفة «نيويورك تايمز»، نقلًا عن مسؤولين أمريكيين وأشخاص مطلعين على المناقشات، أعدت القوات الأمريكية والإسرائيلية خططًا محددة لهجمات محتملة ضد إيران، قد تشمل المنشآت النووية والبنية التحتية للطاقة وترسانة الصواريخ والطائرات المسيرة.
وتشير المعلومات المنشورة إلى أن السيناريوهات المطروحة تتضمن احتمال تنفيذ عملية عسكرية قصيرة ومكثفة، وسط تدريبات وتحركات عسكرية متزايدة بين الجانبين، بالتزامن مع استمرار الضغوط على طهران بشأن برنامجها النووي والتطورات المرتبطة بمضيق هرمز.
ورغم هذه الاستعدادات، لا يوجد تأكيد رسمي معلن بأن قرار شن هجوم جديد قد اتُخذ بالفعل، إذ تظل الخطوة المحتملة مرتبطة بحسابات سياسية وعسكرية معقدة، في مقدمتها موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، وتطورات المفاوضات، والظروف السياسية داخل إسرائيل.
خطط عسكرية جديدة ضد إيران.. ماذا كشفت نيويورك تايمز؟
ذكرت صحيفة «نيويورك تايمز» أن الولايات المتحدة وإسرائيل أعدتا خططًا لشن ضربات جديدة ضد إيران، استنادًا إلى تصريحات مسؤولين أمريكيين وأشخاص مطلعين على المناقشات المتعلقة بالخيارات العسكرية المطروحة.
وبحسب التقرير، قد يرتبط توقيت أي تحرك عسكري محتمل بمرحلة ما بعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس الأمريكي، في حين تتواصل الاستعدادات العسكرية والتدريبات المشتركة تحسبًا لاحتمالات التصعيد.
كما أشار التقرير إلى لقاء جمع وزير الدفاع الأمريكي بيت هيغسيث برئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في إسرائيل خلال الأسبوع الجاري، لبحث احتمال تنفيذ ضربات جديدة ضد طهران.
لكن وجود خطط عسكرية واستعدادات لتنفيذها لا يعني بالضرورة أن الهجوم أصبح وشيكًا أو أن القرار السياسي النهائي قد صدر، إذ تظل الخيارات المطروحة خاضعة لتقديرات واشنطن وتل أبيب بشأن أهداف أي عملية محتملة وتداعياتها الإقليمية.
ما الأهداف المحتملة لأي هجوم أمريكي إسرائيلي على إيران؟
بحسب المعلومات التي أوردتها «نيويورك تايمز»، تتضمن السيناريوهات العسكرية المطروحة أربعة مجالات رئيسية، تجمع بين المنشآت الحيوية والقدرات العسكرية الإيرانية، بما قد يضع الاقتصاد الإيراني وأدوات الردع العسكرية في دائرة الاستهداف إذا تقرر تنفيذ عملية جديدة.
1- منشآت الطاقة.. ورقة ضغط على الاقتصاد الإيراني
تأتي البنية التحتية للطاقة ضمن الأهداف المحتملة التي يجري بحثها، في ظل تقديرات بأن استهداف هذا القطاع قد يفرض أعباء اقتصادية إضافية على إيران، ويؤثر في قدرتها على إدارة مواردها الحيوية.
ووفقًا للتصورات التي تناولها التقرير، قد يكون الهدف من توسيع نطاق الضربات إلحاق مزيد من الضغوط بالاقتصاد الإيراني، بما قد يدفع طهران إلى إعادة تقييم موقفها في المفاوضات المتعلقة بالملفات الخلافية مع واشنطن.
ومع ذلك، فإن استهداف منشآت الطاقة قد يحمل تداعيات تتجاوز حدود إيران، نظرًا إلى أهمية قطاع الطاقة في المنطقة وتأثير أي تصعيد واسع النطاق في أسواق النفط والغاز وحركة التجارة الدولية.
2- المنشآت النووية.. الملف الأبرز في المواجهة
يظل البرنامج النووي الإيراني أحد أهم أسباب الخلاف بين واشنطن وطهران، كما يمثل محورًا رئيسيًا في الحسابات الأمنية الإسرائيلية.
ولهذا، تظل المنشآت النووية ضمن الأهداف المحتملة التي تتناولها السيناريوهات العسكرية المطروحة، بالتزامن مع استمرار الضغوط الأمريكية الرامية إلى تحقيق تقدم في المفاوضات المتعلقة بالبرنامج النووي.
ويعكس استمرار طرح هذا الخيار حجم التعقيدات التي تحيط بالملف، خصوصًا في ظل المخاوف من أن يؤدي تعثر المسار الدبلوماسي إلى زيادة احتمالات اللجوء إلى القوة العسكرية.
وفي المقابل، قد يؤدي استهداف المنشآت النووية إلى تداعيات أمنية وسياسية واسعة، ويزيد صعوبة التوصل إلى تسوية تفاوضية، فضلًا عن احتمالات اتساع نطاق المواجهة في المنطقة.
3- ترسانة الصواريخ الإيرانية.. ضمن حسابات التصعيد
تتضمن السيناريوهات المطروحة أيضًا ترسانة الصواريخ الإيرانية، التي تمثل أحد المكونات الرئيسية للقدرات العسكرية لطهران، وتحتل مكانة مهمة في الحسابات الأمنية لكل من الولايات المتحدة وإسرائيل.
ويأتي إدراج هذه القدرات ضمن الأهداف المحتملة في إطار التركيز على الأدوات العسكرية التي يمكن أن تعتمد عليها إيران في الرد على أي هجوم تتعرض له.
لكن استهداف الصواريخ الإيرانية، إذا تقرر تنفيذه، قد يفتح الباب أمام ردود عسكرية متبادلة، خاصة إذا اعتبرت طهران أن الضربات تهدف إلى إضعاف قدرتها على الردع أو تقليص خياراتها الدفاعية والهجومية.
ومن ثم، فإن التعامل مع هذا الملف لا يرتبط فقط بالأهداف العسكرية المباشرة، بل يتصل أيضًا بتقديرات الطرفين بشأن احتمالات توسع المواجهة وتكلفتها.
4- الطائرات المسيرة.. عنصر آخر في الحسابات العسكرية
تأتي الطائرات المسيرة الإيرانية ضمن قائمة الأهداف المحتملة، في ظل اعتماد طهران عليها باعتبارها أحد مكونات قدراتها العسكرية.
ويعكس إدراجها في السيناريوهات المطروحة اهتمامًا محتملًا بالحد من القدرات التي قد تستخدمها إيران في أي مواجهة جديدة، إلى جانب الصواريخ والمنشآت النووية ومصادر الطاقة.
وفي حال استهداف هذه القدرات، ستظل طبيعة الرد الإيراني المحتمل أحد العوامل المؤثرة في مسار الأحداث، خصوصًا إذا امتدت المواجهة إلى مواقع أو مصالح مرتبطة بالولايات المتحدة وإسرائيل في المنطقة.
هل يحسم ترامب قرار شن هجوم جديد على إيران؟
يمثل موقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عاملًا أساسيًا في تحديد ما إذا كانت الخطط العسكرية المطروحة ستتحول إلى عملية فعلية أم ستظل في إطار الاستعداد والضغط السياسي.
وأشارت «نيويورك تايمز» إلى أن ترامب رفض في مناسبات سابقة خططًا للعودة إلى عمليات قتالية واسعة النطاق، بما في ذلك خلال الشهر الجاري، عندما كانت القوات الأمريكية والإسرائيلية، بحسب التقرير، قريبة من تنفيذ هجوم.
ويكشف ذلك عن وجود فارق بين الجاهزية العسكرية واتخاذ القرار السياسي، إذ لا يعني إعداد الخطط وتكثيف التدريبات أن واشنطن حسمت موقفها بشأن الدخول في مواجهة جديدة.
وتشمل الحسابات الأمريكية المحتملة تقدير تكلفة التصعيد، ومدى إمكانية تحقيق الأهداف المعلنة، واحتمالات تعرض المصالح الأمريكية في المنطقة للخطر، فضلًا عن فرص الوصول إلى نتائج عبر التفاوض بدلًا من استخدام القوة.
وفي الوقت نفسه، أفاد التقرير بأن قدرات عسكرية أمريكية كبيرة يُتوقع أن تكون جاهزة بالكامل بحلول أوائل نوفمبر، وهو ما يعكس استمرار الاستعداد لاحتمالات مختلفة، دون أن يمثل بحد ذاته دليلًا على صدور قرار نهائي بالهجوم.
الانتخابات الإسرائيلية وتأثيرها في حسابات نتنياهو
لا تقتصر حسابات التصعيد المحتمل على الجانب العسكري، بل تمتد إلى المشهد السياسي الداخلي في إسرائيل، خاصة مع الانتخابات المقررة في 27 أكتوبر، وفقًا لما ورد في التقرير.
وبحسب التحليلات التي تناولتها الصحيفة، قد تؤثر نتائج الانتخابات في قدرة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على اتخاذ قرارات عسكرية كبيرة، إذ إن خسارته قد تضعه أمام وضع سياسي أكثر تعقيدًا، مع احتمال تحوله إلى رئيس حكومة تصريف أعمال.
ويرى بعض المحللين أن احتمال تنفيذ عملية عسكرية مشتركة مع الولايات المتحدة قد يتحول إلى ورقة ضغط سياسية، يمكن أن يستخدمها نتنياهو لدفع خصومه إلى الانضمام إلى حكومة وحدة وطنية تتولى إدارة تداعيات الحرب.
ويستند هذا الطرح إلى تجربة سابقة أعقبت هجوم حركة حماس على إسرائيل في 7 أكتوبر 2023، عندما تشكلت حكومة وحدة وطنية ضمت شخصيات من المعارضة، وشاركت في إدارة القرارات المتعلقة بالحرب والأمن القومي.
ومع ذلك، تظل هذه التقديرات في إطار التحليل السياسي، ولا تعني أن الانتخابات ستؤدي بالضرورة إلى قرار عسكري، إذ تتداخل الاعتبارات الانتخابية مع الحسابات الأمنية والاستراتيجية في تحديد الموقف الإسرائيلي.
مضيق هرمز والبرنامج النووي.. ملفان يزيدان تعقيد الأزمة
يتزامن الحديث عن الخيارات العسكرية مع استمرار الخلافات المتعلقة بالبرنامج النووي الإيراني والسيطرة على مضيق هرمز، وهو ما يزيد تعقيد المشهد السياسي والأمني بين الأطراف المعنية.
ويمثل مضيق هرمز ممرًا بحريًا استراتيجيًا لحركة التجارة العالمية وإمدادات الطاقة، ولذلك فإن أي تصعيد يؤثر في الملاحة عبره قد تكون له تداعيات تتجاوز المنطقة، لتصل إلى أسواق النفط والاقتصاد العالمي.
كما يظل الملف النووي أحد أبرز نقاط الخلاف بين واشنطن وطهران، وسط مساعٍ أمريكية للضغط من أجل إحراز تقدم في المفاوضات، ومخاوف من أن يؤدي استمرار الجمود إلى زيادة احتمالات المواجهة.
وتضع هذه الملفات الأطراف أمام معادلة معقدة؛ فالتصعيد العسكري قد يفرض ضغوطًا إضافية، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى ردود انتقامية وتوسيع دائرة الصراع، بينما يظل المسار الدبلوماسي خيارًا لتجنب هذه التداعيات.
هل تتجه المنطقة إلى حرب جديدة أم تنجح الدبلوماسية؟
رغم التقارير المتعلقة بإعداد خطط عسكرية جديدة، لا يزال المسار الدبلوماسي حاضرًا في المشهد، بالتزامن مع استمرار الاستعدادات العسكرية والضغوط السياسية على إيران.
ويتوقف مستقبل الأزمة على مجموعة من العوامل، أبرزها القرار النهائي للإدارة الأمريكية، وتطور المفاوضات بشأن البرنامج النووي، والموقف الإيراني من الضغوط المطروحة، إلى جانب الحسابات السياسية داخل إسرائيل.
كما أن أي هجوم محتمل قد يثير مخاوف من ردود متبادلة واتساع نطاق المواجهة، بما يضع أمن المنطقة واستقرار أسواق الطاقة والملاحة الدولية أمام تحديات جديدة.
وفي ضوء ما نشرته «نيويورك تايمز»، تعكس الخطط المتداولة استعدادًا أمريكيًا إسرائيليًا لسيناريوهات التصعيد، لكنها لا تمثل إعلانًا رسميًا عن بدء هجوم جديد على إيران.
وبين التحركات العسكرية والجهود الدبلوماسية، يبقى القرار النهائي مرهونًا بتقديرات سياسية وأمنية لم تُحسم بعد، وسط ترقب لما ستسفر عنه المفاوضات والتطورات الإقليمية خلال الفترة المقبلة.






