أعادت واقعة الاعتداء على الصحفي محمد فيصل، محرر موقع «بصراحة» الإخباري، داخل مستشفى 6 أكتوبر المركزي، ملف الأمن الإداري بالمستشفيات الحكومية إلى دائرة الاهتمام، وسط تساؤلات حول معايير اختيار أفراد شركات الأمن الخاصة، ومدى تأهيلهم للتعامل مع المرضى وذويهم والصحفيين، خاصة في أوقات الطوارئ والأزمات.
ولم تعد القضية مجرد خلاف بين صحفي وأفراد أمن، بل تحولت إلى مناسبة لطرح أسئلة أوسع حول الرقابة على شركات الحراسة، وحدود صلاحيات أفرادها، ومدى التزامهم بالقانون واحترام كرامة المواطنين.
تفاصيل الاعتداء على صحفي موقع بصراحة بمستشفى 6 أكتوبر
وقعت الأحداث يوم الثلاثاء 20 أكتوبر 2026، أثناء تغطية الصحفي محمد فيصل تداعيات حادث أتوبيس طريق القاهرة–أسيوط الصحراوي الغربي، ومتابعة الحالة الصحية للمصابين داخل مستشفى 6 أكتوبر المركزي بمحافظة الجيزة.
وبحسب ما نشره موقع «بصراحة»، تعرض الصحفي للاعتداء بالضرب والسحل من جانب عدد من أفراد الأمن الإداري، فضلًا عن احتجازه والاستيلاء على هاتفه المحمول.
وأثارت الواقعة حالة من الاستياء داخل الأوساط الصحفية، دفعت نقابة الصحفيين إلى المطالبة بالتحقيق ومحاسبة المسؤولين.
نقابة الصحفيين تطالب بالمحاسبة
أدانت لجنة الحريات بنقابة الصحفيين الواقعة، مؤكدة أن الاعتداء على الصحفيين أثناء أداء واجبهم المهني أمر مرفوض، ويمس حق المواطنين في الحصول على المعلومات.
وطالبت اللجنة باتخاذ الإجراءات القانونية ضد المتورطين، مع إصدار تعليمات واضحة داخل المستشفيات تضمن تنظيم التغطية الإعلامية دون تعطيل العمل الطبي أو الاعتداء على الصحفيين.
وزير الصحة ينهي التعاقد مع شركة الأمن
وفي استجابة رسمية، قرر الدكتور خالد عبدالغفار، وزير الصحة والسكان، إنهاء التعاقد مع شركة الأمن الخاصة المسؤولة عن تأمين المستشفى، عقب الاطلاع على نتائج التحقيقات الأولية.
وأكدت الوزارة رفضها أي تجاوز لفظي أو بدني، مع التشديد على ضرورة احترام العمل الصحفي وحماية خصوصية المرضى وانتظام الخدمات الطبية.
ورحبت لجنة الحريات بالقرار، لكنها شددت على ضرورة استكمال التحقيقات ومحاسبة المتورطين بصورة فردية، إلى جانب معالجة أسباب الأزمة.

أمن المستشفيات تحت المجهر.. من يختار أفراد الحراسة؟
تطرح الواقعة تساؤلًا يتجاوز المستشفى الذي شهد الاعتداء: هل تكفي المعايير الحالية لاختيار أفراد الأمن الإداري داخل المنشآت الطبية؟
فالمستشفى ليس منشأة عادية، بل بيئة إنسانية شديدة الحساسية، تستقبل المرضى والمصابين وذويهم في ظروف قد تتسم بالخوف والتوتر والحزن.
ولهذا، فإن العمل الأمني داخل المستشفيات يحتاج إلى أشخاص يجمعون بين الانضباط وضبط النفس والقدرة على إدارة المواقف الصعبة دون استخدام العنف.
معايير ضرورية لاختيار أفراد أمن المستشفيات
تستدعي هذه الأزمة مراجعة منظومة التعاقد مع شركات الأمن، مع وضع اشتراطات واضحة تشمل:
-
التحقق من الخلفية المهنية والسجل الوظيفي للمتقدمين، وفق القانون.
-
إجراء اختبارات عملية لقياس القدرة على ضبط النفس والتواصل.
-
تدريب العاملين على التعامل الإنساني مع المرضى وذويهم.
-
التأهيل لإدارة الأزمات ومنع تصاعد المشاجرات.
-
توضيح حدود الصلاحيات القانونية لأفراد الأمن الإداري.
-
إنشاء آلية مستقلة لتلقي شكاوى المواطنين والتحقيق فيها.
-
تقييم أداء شركات الأمن بصورة دورية وربط تجديد التعاقد بنتائج التقييم.
ولا تعني هذه المطالب التقليل من أهمية الدور الذي يؤديه أفراد الأمن الملتزمون، وإنما تستهدف حماية المرضى والعاملين والصحفيين ورجال الأمن أنفسهم من الممارسات غير المهنية.
هل تتحمل شركات الأمن وحدها المسؤولية؟
لا ينبغي أن تتوقف المراجعة عند إنهاء التعاقد مع شركة أمن بعينها، بل يجب أن تشمل آليات الإشراف داخل المستشفيات ومدى وجود تعليمات مكتوبة تحدد كيفية التعامل مع الجمهور والصحافة.
كما تبرز الحاجة إلى تحديد المسؤولية الإدارية عن أي تجاوز، والتأكد من وجود رقابة فعلية تضمن عدم تكراره.
فالقرارات التأديبية، مهما بلغت أهميتها، لن تحقق الغرض المطلوب إذا لم تصاحبها إجراءات وقائية وتدريبية مستمرة.
المرضى والصحفيون والأطباء.. الجميع يحتاج إلى الحماية
إن حماية المنشآت الصحية ضرورة لا خلاف عليها، خصوصًا مع تعرض بعض الأطقم الطبية لاعتداءات أثناء العمل.
لكن حماية المستشفى لا تمنح أي فرد حق الاعتداء على المواطنين أو الصحفيين أو احتجازهم خارج الأطر القانونية.
وبالمثل، ينبغي أن يمارس الصحفيون عملهم مع احترام خصوصية المرضى وعدم تعطيل فرق الإسعاف والطوارئ.
إصلاح منظومة الأمن الإداري ضرورة
تكشف واقعة مستشفى 6 أكتوبر أهمية الانتقال من التعامل مع التجاوزات بعد وقوعها إلى بناء منظومة تمنع حدوثها من البداية.
ويبقى السؤال الذي يستحق إجابة واضحة من الجهات المسؤولة: هل تكون واقعة الاعتداء على صحفي «بصراحة» بداية لمراجعة شاملة لاختيار أفراد أمن المستشفيات، أم ينتهي الملف عند إنهاء التعاقد مع الشركة المسؤولة؟
فكرامة المريض والصحفي والطبيب، وكذلك فرد الأمن، ليست مسألة ثانوية، وإنما جزء أساسي من جودة الخدمة الصحية واحترام القانون.






