أعادت أعمال إنشاء السفارة الأمريكية الدائمة في القدس الجدل بشأن ملكية الأراضي التي سيُقام عليها المشروع، بعدما أظهرت مشاهد مصورة حركة شاحنات وجرافات وعمليات حفر في الموقع المخصص للمقر الجديد جنوبي المدينة، وسط اعتراضات فلسطينية تستند إلى وثائق تاريخية تؤكد ملكية عائلات مقدسية لأجزاء من الأرض قبل عام 1948.
وتثير هذه التطورات تساؤلات بشأن الحقوق القانونية للمالكين الأصليين، ومدى تأثير المضي في المشروع على الوضع السياسي والقانوني لمدينة القدس.
تحركات ميدانية في موقع السفارة الأمريكية بالقدس
أظهرت المشاهد المتداولة آليات ثقيلة وشاحنات تنفذ أعمالًا ميدانية داخل الموقع المخصص لإنشاء مجمع السفارة الأمريكية الدائم، المعروف باسم مجمع ألنبي، جنوبي القدس.
وتأتي الأعمال عقب سلسلة من القرارات الإسرائيلية والأمريكية التي انتهت بتخصيص الأرض لإقامة المجمع الدبلوماسي، رغم اعتراضات ورثة فلسطينيين يقولون إن العقارات تعود إلى عائلاتهم.
من الموافقة على المخطط إلى تخصيص الأرض
بحسب محافظة القدس والوثائق المنشورة حول المشروع، مر مخطط السفارة بعدة مراحل رئيسية.
قُدم المخطط إلى جهات التخطيط الإسرائيلية في فبراير 2021، وحصل على الموافقة في 29 سبتمبر 2023، قبل تأكيده في 17 أبريل 2024.
وفي 24 مارس 2026، وافقت الحكومة الإسرائيلية على تخصيص الأرض للمقر الدائم للسفارة، ثم وقعت الولايات المتحدة وإسرائيل اتفاق التخصيص رسميًا في الأول من يوليو 2026.
وثائق تكشف ملكية فلسطينية لأرض السفارة
تمثل ملكية الأرض إحدى أبرز القضايا المثارة حول المشروع، إذ تشير وثائق أرشيفية إلى أن أجزاء من الموقع كانت مملوكة لعائلات فلسطينية مقدسية قبل نكبة عام 1948.
وتشمل العائلات التي وردت أسماؤها في السجلات التاريخية الخالدي والخليلي وحبيب ورزاق وقليبو، إلى جانب أرض مرتبطة بوقف ذري لعائلة الشيخ محمد الخليلي.
وتوضح الوثائق أن بعض الأراضي كانت مؤجرة خلال الانتداب البريطاني لاستخدامها ضمن منشآت عسكرية، قبل انتقال السيطرة عليها إلى السلطات الإسرائيلية.
قانون أملاك الغائبين ومصادرة الأراضي
تعود جذور النزاع إلى عام 1950، عندما استخدمت السلطات الإسرائيلية قانون أملاك الغائبين لوضع اليد على ممتلكات فلسطينيين نزحوا أو أصبحوا لاجئين عقب حرب 1948.
وبموجب هذا القانون، سُجلت الأراضي المعنية باسم الدولة الإسرائيلية، بينما يتمسك ورثة المالكين الأصليين بحقوقهم التاريخية والقانونية فيها.
ويرى المعترضون أن نقل الأرض إلى الاستخدام الدبلوماسي لا يلغي حقوق الملكية التي تثبتها الوثائق القديمة.
اعتراضات فلسطينية على بناء السفارة الأمريكية
سبق أن تقدم المركز القانوني لحقوق الأقلية العربية في إسرائيل «عدالة» باعتراضات نيابة عن ورثة المالكين الفلسطينيين، مطالبًا بوقف المشروع ومراجعة مشروعية استخدام الأراضي المصادرة.
وأكد المركز أن وثائق محفوظة في الأرشيف الإسرائيلي تتضمن أدلة على ملكية فلسطينية خاصة للموقع.
في المقابل، اعتبرت الجهات التخطيطية الإسرائيلية أن الدولة هي المالكة المسجلة للأرض، ورفضت الاعتراضات المقدمة ضمن الإجراءات التخطيطية.
دولار واحد مقابل 99 عامًا
أثار اتفاق تخصيص الأرض اهتمامًا واسعًا بعدما كشفت تفاصيله عن منح الولايات المتحدة حق الانتفاع بالموقع بموجب عقد يمتد 99 عامًا، مقابل دولار واحد.
ووصفت الحكومة الإسرائيلية الاتفاق بأنه خطوة تاريخية تعزز العلاقات الاستراتيجية بين البلدين، بينما اعتبرت جهات حقوقية فلسطينية أن المضي فيه يتجاهل مطالب المالكين الأصليين.
السفارة الأمريكية ومستقبل القدس
ترتبط القضية بقرار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب عام 2017 الاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل، ونقل السفارة الأمريكية إليها عام 2018.
ورغم هذه الخطوة، يظل الوضع النهائي للقدس إحدى القضايا الأساسية غير المحسومة في النزاع الفلسطيني الإسرائيلي، فيما تعتبر الأمم المتحدة القدس الشرقية أرضًا فلسطينية محتلة.
ومع استمرار الأعمال في موقع السفارة الجديدة، يعود ملف ملكية الأراضي الفلسطينية إلى الواجهة، وسط تساؤلات حول مستقبل الاعتراضات القانونية وحقوق العائلات المقدسية.
وتبقى القضية مفتوحة على مسارين متوازيين: تقدم المشروع الدبلوماسي على الأرض، واستمرار مطالبة الفلسطينيين بحقوقهم التاريخية في الأراضي المخصصة له.






