يخطئ من يتصور أن إعلان مصر استعدادها للمشاركة في الدفاع عن المملكة العربية السعودية كان قرارًا اعتباطيًا، أو استجابة عاطفية لتطورات عسكرية طارئة، أو اندفاعًا نحو حرب جديدة لا يعرف أحد متى تبدأ أو كيف تنتهي.
فالدول الكبرى في وزن مصر لا تتعامل مع القرارات المصيرية باعتبارها ردود أفعال لحظية، ولا تضع قواتها المسلحة في قلب الحسابات الإقليمية دون إدراك لحجم المسؤولية وتعقيدات المشهد.
وفي تقديري، فإن القراءة الأعمق للتحرك المصري لا تتوقف عند حدود الهجمات الحوثية على الأراضي السعودية، بل تمتد إلى مستقبل التوازن الاستراتيجي في المنطقة، ومحاولات إعادة تشكيل منظومة الأمن في الشرق الأوسط، واحتمالات توسع النفوذ الإسرائيلي داخل المجال الأمني العربي.
ومن هنا، فإن السؤال الحقيقي ليس: لماذا أعلنت القاهرة استعدادها للدفاع عن الرياض؟
بل لماذا جاء هذا الإعلان في هذا التوقيت تحديدًا؟ وما الرسالة التي تريد مصر إيصالها إلى القوى الإقليمية والدولية؟
مصر تحملت خسائر قناة السويس.. ولم تجعل الحرب خيارها الأول
من المهم العودة قليلًا إلى الوراء.
فعلى مدار السنوات الماضية، تحمل الاقتصاد المصري خسائر ضخمة نتيجة اضطراب الملاحة في البحر الأحمر، بعد هجمات الحوثيين على السفن التجارية وما ترتب عليها من تحويل مسارات الشحن العالمية بعيدًا عن قناة السويس.
وخسرت مصر مليارات الدولارات من إيرادات القناة، أحد أهم مصادر النقد الأجنبي للاقتصاد الوطني، في وقت كانت تواجه فيه تحديات اقتصادية ومعيشية شديدة التعقيد.
ومع ذلك، لم تتعامل القاهرة مع تلك الخسائر باعتبارها مبررًا كافيًا للاندفاع إلى مواجهة عسكرية مباشرة داخل اليمن.
لقد فضلت مصر، طوال تلك المرحلة، إعطاء الأولوية للحلول السياسية والجهود الدبلوماسية، والسعي إلى حماية الملاحة الدولية دون الانجرار إلى حرب إقليمية مفتوحة.
وهنا تكمن المفارقة التي تستحق التأمل.
إذا كانت مصر لم تختر التصعيد العسكري لمجرد ما أصاب مصالحها الاقتصادية المباشرة، فلماذا رفعت الآن مستوى استعدادها للدفاع عن السعودية؟
من وجهة نظري، تكمن الإجابة في اختلاف طبيعة الخطر.
فالخسائر الاقتصادية، مهما بلغت قسوتها، تظل قابلة للتعامل معها عبر السياسات المالية والاقتصادية والدبلوماسية، أما اختلال موازين الأمن القومي العربي فقد يفرض على دول المنطقة واقعًا استراتيجيًا يصعب تغييره لعقود طويلة.

هل تسعى إسرائيل إلى استغلال الخطر الحوثي للتوسع داخل الخليج؟
هذا هو السؤال الأكثر حساسية في المشهد الراهن.
فالهجمات الحوثية المتكررة على السعودية لا تهدد فقط المنشآت النفطية والمطارات والمدن، وإنما تخلق أيضًا احتياجات أمنية وعسكرية ملحة، قد تدفع إلى البحث عن منظومات دفاعية وشراكات إقليمية ودولية جديدة.
ومن بين الاحتمالات التي ينبغي وضعها في الحسابات الاستراتيجية، أن تتحول هذه الاحتياجات إلى فرصة لتوسيع حضور الصناعات العسكرية والأجهزة الأمنية الإسرائيلية في منطقة الخليج.
وهذا القلق ليس منفصلًا تمامًا عن التطورات الإقليمية.
فقد شهدت السنوات الأخيرة تعاونًا دفاعيًا بين إسرائيل والإمارات العربية المتحدة، شمل صفقات لمنظومات دفاع جوي، فضلًا عن تقارير موثوقة بشأن إرسال منظومات إسرائيلية وأفراد لتشغيلها على الأراضي الإماراتية.
ومن حق كل دولة أن تحدد خياراتها الدفاعية وفقًا لمصالحها السيادية، لكن من حق الدول العربية الأخرى أيضًا أن تناقش التأثيرات الأوسع لهذه الخيارات على التوازن الإقليمي واستقلال القرار الأمني العربي.
ومع ذلك، يجب التأكيد على أنه لا توجد أدلة معلنة تثبت وجود خطة إسرائيلية محددة لاستغلال الهجمات الحوثية من أجل نشر قوات أو منظومات دفاعية داخل السعودية.
لكن غياب الدليل على خطة بعينها لا يلغي مشروعية التفكير الاستباقي في السيناريوهات المحتملة، خاصة عندما يتعلق الأمر بمستقبل الأمن القومي العربي.
لماذا تختلف السعودية عن غيرها في الحسابات الاستراتيجية المصرية؟
للمملكة العربية السعودية وضع استثنائي في التوازنات العربية والإسلامية، وهو وضع لا يرتبط بالمصالح الاقتصادية وحدها.
فالسعودية تحتضن الحرمين الشريفين، وتمتلك ثقلًا سياسيًا واقتصاديًا ودينيًا كبيرًا، فضلًا عن موقعها الجغرافي الذي يجعل أمنها متداخلًا بصورة مباشرة مع أمن البحر الأحمر والخليج العربي وشبه الجزيرة العربية.
ومن الناحية المصرية، فإن العلاقة مع السعودية تتجاوز العلاقات الثنائية التقليدية.
فاستقرار المملكة يرتبط بأمن الممرات البحرية، والتجارة الدولية، وأسواق الطاقة، والتوازنات السياسية في المنطقة.
ولهذا فإن أي تهديد كبير لأمن السعودية لا يمكن النظر إليه باعتباره شأنًا سعوديًا داخليًا منعزلًا عن محيطه.
كما أن أي تحول جذري في طبيعة الترتيبات الأمنية داخل المملكة قد تكون له آثار بعيدة المدى على مجمل النظام الإقليمي العربي.
ولهذا أرى أن رسالة القاهرة تحمل معنى استراتيجيًا واضحًا: الدفاع عن أمن السعودية ليس موقفًا من أزمة عابرة، وإنما دفاع عن أحد المرتكزات الأساسية لاستقرار المنطقة العربية.
لماذا تحركت مصر لدعم السعودية أمام هجمات الحوثيين؟ صلاح توفيق يحلل الأمن القومي العربي، ومخاطر التدخل في اليمن، ودور البحر الأحمر والضغوط الأمريكية.
🔗 اقرأ المزيد
من النيل إلى الفرات.. المخاوف من المشاريع التوسعية
لا يمكن فصل النقاش حول مستقبل الأمن العربي عن المخاوف التي تثيرها السياسات التوسعية الإسرائيلية، ولا سيما استمرار الاحتلال والاستيطان والحديث داخل بعض الأوساط السياسية والدينية الإسرائيلية عن تصورات جغرافية تتجاوز الحدود الحالية.
ويبرز في هذا السياق تعبير «من النيل إلى الفرات»، الذي يتكرر في الجدل السياسي المرتبط بفكرة «إسرائيل الكبرى».
غير أن الدقة تفرض التمييز بين الشعارات والتصورات التي تتبناها بعض التيارات المتطرفة، وبين وجود مشروع حكومي إسرائيلي رسمي ومثبت للسيطرة على كامل هذه المنطقة.
ومهما اختلفت التفسيرات، فإن الدرس الأهم من وجهة نظري هو أن الدول العربية لا ينبغي أن تنتظر تحول المخاوف إلى وقائع مكتملة قبل أن تعمل على حماية استقلالها السياسي والأمني.
والحماية هنا لا تعني الدعوة إلى الحرب، وإنما بناء منظومة أمن عربية قادرة على ردع الاعتداءات، ومنع فرض الأمر الواقع بالقوة، وحماية سيادة الدول وحدودها المعترف بها دوليًا.
فالأمن العربي لا ينبغي أن يصبح رهينة لمن يملك السلاح أو التكنولوجيا أو القدرة على استغلال الأزمات لفرض نفوذ سياسي وعسكري دائم.
الإعلان المصري دعوة إلى السلام أكثر منه دعوة إلى الحرب
قد يبدو هذا التفسير متناقضًا للوهلة الأولى.
فكيف يكون الاستعداد العسكري رسالة سلام؟
الإجابة تكمن في مفهوم الردع.
فالردع، في جوهره، لا يقوم على الرغبة في استخدام القوة، وإنما على إقناع الأطراف الأخرى بأن استمرار التصعيد قد يقود إلى عواقب لا يرغب أحد في تحملها.
ومن هذا المنطلق، يمكن فهم الاستعداد المصري للدفاع عن السعودية باعتباره رسالة سياسية وعسكرية تستهدف منع اتساع الصراع قبل أن يصبح احتواؤه أكثر صعوبة.
فحين تؤكد دولة بحجم مصر أن أمن السعودية مرتبط بأمنها القومي، فإنها تضع أمام جميع الأطراف حقيقة أن أي تصعيد واسع لن يبقى بالضرورة محصورًا في نطاقه الجغرافي الحالي.
لكن نجاح الردع يتطلب أن يرتبط بضوابط واضحة، وأن يظل الهدف النهائي هو وقف الهجمات وحماية المدنيين وتهيئة الظروف لتسوية سياسية في اليمن.
فالسلام الحقيقي لا يصنعه ضعف الإرادة، كما لا تصنعه المغامرات العسكرية، وإنما تصنعه القدرة على منع الاعتداء مع إبقاء أبواب السياسة مفتوحة.
الجيش المصري.. القوة في خدمة الدولة والسلام
من الخطأ اختزال دور الجيش المصري في فكرة الدخول إلى الحروب أو الانتصار في المعارك.
فالقيمة الاستراتيجية لأي جيش وطني تكمن أيضًا في قدرته على حماية حدود الدولة، وردع التهديدات، ومنع الحروب قبل اندلاعها.
والجيش المصري، بما يمتلكه من تاريخ عسكري ومؤسسات وقدرات، يمثل أحد أهم أدوات حماية الأمن القومي المصري.
وفي رؤيتي، فإن أعظم اختبار لهذه القوة ليس مجرد امتلاك القدرة على القتال، وإنما امتلاك الانضباط والحسابات الدقيقة التي تضمن ألا تُستخدم القوة إلا في إطار الضرورة والمصلحة الوطنية والشرعية الدستورية.
ومصر التي خاضت الحروب وخبرت تكاليفها الإنسانية والاقتصادية، تعرف أن الحرب ليست نزهة، وأن قرارات إرسال القوات خارج الحدود يجب ألا تكون مفتوحة أو غامضة أو بعيدة عن الرقابة المؤسسية.
ولهذا فإن النقاش البرلماني بشأن التفويض العسكري لا ينتقص من جدية الموقف المصري، بل يمثل جزءًا مهمًا من مسؤولية اتخاذ قرار بهذه الخطورة.
إن حماية الأمن القومي العربي لا تتعارض مع حماية أرواح الجنود المصريين، كما أن مساندة السعودية لا تستوجب بالضرورة الانخراط في حرب برية طويلة داخل اليمن.
فالدعم الدفاعي يمكن أن يتخذ صورًا متعددة، ويجب أن يخضع كل خيار لتقدير دقيق للمخاطر والعوائد والالتزامات.
ترامب يتوقع قبول السعودية مساعدة إسرائيل ضد الحوثيين ويعيد طرح اتفاقيات إبراهيم. تحليل للضغوط الأمريكية والإسرائيلية وحسابات الرياض وموقف فلسطين.
🔗 اقرأ المزيد
السعودية خط أحمر.. ولكن السلام يظل الهدف الأكبر
أعتقد أن أهم ما ينبغي فهمه من الموقف المصري هو أن أمن السعودية ليس قضية بعيدة عن الحسابات المصرية.
فالعلاقات بين القاهرة والرياض، رغم ما قد يطرأ عليها من اختلافات في بعض الملفات، ترتكز على مصالح استراتيجية عميقة ومصير إقليمي مشترك.
وحماية السعودية من الهجمات لا يجب أن تتحول إلى حرب على الشعب اليمني، الذي دفع بالفعل ثمنًا إنسانيًا فادحًا خلال سنوات الصراع.
كما أن مواجهة النفوذ الإسرائيلي أو أي نفوذ خارجي آخر لا تكون بالشعارات وحدها، بل بقدرة الدول العربية على بناء تحالفاتها الدفاعية ومؤسساتها الاقتصادية والتكنولوجية المستقلة.
وأرى أن جوهر الرسالة التي يمكن أن تحملها القاهرة اليوم هو أن الأمن القومي العربي لا يجوز أن يبقى مكشوفًا أمام الصراعات الإقليمية، وأن مستقبل المنطقة يجب أن يُصاغ بإرادة شعوبها ودولها، لا تحت ضغط الصواريخ ولا من خلال استغلال الأزمات.
ولذلك فإن عبارة «السعودية خط أحمر» ينبغي ألا تُقرأ بوصفها إعلانًا عن حرب قادمة، بل بوصفها تأكيدًا أن حماية السيادة العربية ومنع اتساع الصراع مسؤولية مشتركة.
وإذا نجحت هذه الرسالة في تعزيز الردع وفتح الطريق نحو التهدئة، فإنها تحقق ما يفترض أن تسعى إليه أي سياسة أمنية رشيدة: حماية الأوطان دون إشعال حروب جديدة.
فالقوة التي تنجح في منع الحرب، وتحمي أرواح المدنيين وسيادة الدول، قد تحقق ما هو أبقى من أي انتصار عسكري مؤقت.





