تشهد منطقة شرق البحر المتوسط تحركات دبلوماسية جديدة، بعدما أعلنت اليونان إجراء مشاورات مع مصر بشأن إمكانية توسيع اتفاقية ترسيم الحدود البحرية بين البلدين شرقًا باتجاه قبرص، في خطوة تأتي عقب مصادقة مجلس النواب الليبي على اتفاقية بحرية مثيرة للجدل مع تركيا.
ويعيد هذا التطور ملف الحدود البحرية وحقوق التنقيب عن الغاز الطبيعي إلى واجهة الصراع الإقليمي، وسط تمسك القاهرة وأثينا ونيقوسيا بحقوقها البحرية، ورفضها الاتفاق الموقع بين أنقرة وطرابلس عام 2019.
مصر واليونان تبحثان توسيع المنطقة الاقتصادية الخالصة
كشف وزير الخارجية اليوناني جورجوس جيرابيتريتيس أن أثينا والقاهرة تناقشان إمكانية توسيع نطاق اتفاقية تحديد المنطقة الاقتصادية الخالصة الموقعة بينهما عام 2020، لتشمل مناطق إضافية شرقي البحر المتوسط باتجاه قبرص.
وأكد الوزير اليوناني أن أي توسع محتمل سيجري وفقًا للقانون الدولي واتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، بما يضمن احترام الحقوق البحرية للدول المعنية.
وشدد على قوة العلاقات الاستراتيجية بين مصر واليونان، مشيرًا إلى وجود تفاهم مشترك بشأن التطورات الأخيرة.
ولم يُعلن حتى الآن التوصل إلى اتفاق جديد أو تحديد جدول زمني نهائي للمفاوضات، إذ لا يزال الأمر في إطار المشاورات السياسية والفنية.
مصر ترفض الاتفاق البحري بين تركيا وليبيا
جاء التحرك المصري اليوناني عقب مصادقة مجلس النواب الليبي، ومقره شرق البلاد، يوم الثلاثاء 20 أكتوبر، على مذكرة التفاهم البحرية التي وقعتها تركيا مع حكومة الوفاق الوطني الليبية السابقة عام 2019.
وأعلنت وزارة الخارجية المصرية رفضها القاطع لهذه الخطوة، مؤكدة أن الاتفاق لا يرتب أي آثار قانونية بالنسبة للقاهرة، وأنه يتعارض مع أحكام القانون الدولي للبحار.
واعتبرت مصر أن المذكرة تمس حقوقها السيادية في المنطقة الاقتصادية الخالصة والجرف القاري، مؤكدة احتفاظها بحق اتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مصالحها وفق القانون الدولي.
من جانبها، ترى اليونان أن الاتفاق التركي الليبي يتجاهل الحقوق البحرية المرتبطة بجزر يونانية، وفي مقدمتها جزيرة كريت.
لماذا تتمسك مصر واليونان بترسيم الحدود نحو قبرص؟
تكتسب المنطقة الاقتصادية الخالصة أهمية استراتيجية واقتصادية، لأنها تمنح الدولة حقوقًا سيادية تتعلق باستكشاف الموارد الطبيعية واستغلالها، بما في ذلك النفط والغاز والثروات البحرية.
وكانت مصر واليونان قد وقعتا اتفاقًا جزئيًا لترسيم حدودهما البحرية عام 2020، في خطوة عززت التعاون بينهما في شرق المتوسط.
ويفتح بحث توسيع الاتفاق شرقًا الباب أمام استكمال تحديد مناطق الاختصاص البحري، وتقليل احتمالات تداخل المطالبات بين الدول.
كما يرتبط الملف بمشروعات نقل الطاقة والربط الكهربائي واستكشاف الغاز، وهي قطاعات أصبحت جزءًا مهمًا من التنافس الاقتصادي والسياسي في المنطقة.
تركيا تتمسك باتفاقيتها مع ليبيا
في المقابل، ترفض أنقرة الاعتراضات المصرية واليونانية، وتؤكد أن الاتفاق البحري مع ليبيا مشروع ومتوافق مع القانون الدولي.
واعتبر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أن مصادقة البرلمان الليبي تؤكد اتفاقًا قائمًا بالفعل من وجهة النظر التركية.
ويكشف تضارب المواقف استمرار الخلاف القانوني والسياسي بشأن كيفية تحديد المناطق البحرية وحقوق الجزر في شرق البحر المتوسط.
كما أن مصادقة البرلمان الليبي تمثل تحولًا سياسيًا لافتًا، بعدما كانت السلطات في شرق ليبيا ترفض الاتفاق عند توقيعه عام 2019.
هل تتجه أزمة شرق المتوسط إلى تصعيد جديد؟
لا تعني المشاورات المصرية اليونانية بالضرورة وقوع مواجهة عسكرية، لكنها تشير إلى دخول الخلاف البحري مرحلة دبلوماسية جديدة.
وقد أعلنت اليونان تحركها لدى الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبي، بينما جددت قبرص اعتراضها على الاتفاق التركي الليبي.
ويظل مستقبل الأزمة مرتبطًا بنتائج المفاوضات واحترام الحقوق البحرية، فضلًا عن قدرة الأطراف على تجنب خطوات أحادية تزيد التوتر.
وبين تمسك مصر واليونان بحقوقهما الاقتصادية، وإصرار تركيا وليبيا على اتفاقهما، يبقى شرق البحر المتوسط أمام اختبار جديد قد يؤثر في مستقبل استثمارات الغاز والتحالفات الإقليمية خلال المرحلة المقبلة.






