الجمعة، ٥ يونيو ٢٠٢٦ في ١١:٥٨ ص

كوندوليزا رايس تعود من بوابة إيران.. هل تكتمل خريطة الفوضى الخلاقة؟

تصريحات رايس تشعل ذاكرة الشرق الأوسط

عادت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس إلى واجهة الجدل السياسي من جديد، بعد تصريحات اعتبرت فيها أن الصراع الأخير مع إيران أعاد تشكيل الشرق الأوسط بصورة جوهرية لصالح الولايات المتحدة وإسرائيل، في تقييم بدا لكثيرين امتدادًا لرؤية أمريكية قديمة تعاملت مع المنطقة باعتبارها ساحة قابلة لإعادة الهندسة بالقوة والضغط والتحالفات.

تصريحات رايس لم تمر كتحليل عابر، لأنها صادرة عن واحدة من أبرز وجوه مرحلة أمريكية ارتبطت في الذاكرة العربية بحروب العراق، ومشاريع إعادة تشكيل الشرق الأوسط، ودعم موجات الاضطراب التي وُصفت عربيًا باسم الفوضى الخلاقة، ذلك المصطلح الذي ظل حاضرًا كلما اشتعلت دولة عربية أو تفككت بنية سياسية في المنطقة.

حرب إيران في نظر رايس.. فوز أمريكي إسرائيلي

قدمت كوندوليزا رايس قراءة شديدة الوضوح لنتائج الحرب مع إيران، إذ رأت أن ما جرى مثّل تحولًا تاريخيًا في مصلحة واشنطن وتل أبيب، بعدما خرجت طهران أضعف، وتعرضت أذرعها الإقليمية لضربات موجعة، بينما باتت إسرائيل، وفق رؤيتها، أكثر أمنًا وقوة من أي وقت مضى.

ومن هذه الزاوية، تنظر رايس إلى الحرب باعتبارها فرصة نادرة للرئيس الأمريكي دونالد ترامب لترسيخ نظام إقليمي جديد، يقوم على إضعاف إيران، وتقليص نفوذها، وتقديم المصالح الأمريكية وحلفاء واشنطن في مقدمة المشهد.

لكن السؤال الصادم هنا: هل تتحدث رايس عن استقرار حقيقي للمنطقة، أم عن استقرار أمريكي إسرائيلي فوق أنقاض خصوم واشنطن وشعوب الشرق الأوسط؟

الفوضى الخلاقة.. المصطلح الذي لا يموت

لا يمكن فصل تصريحات رايس عن تاريخها السياسي في المنطقة. فاسمها ارتبط، في الوعي العربي، بفكرة الفوضى الخلاقة، وهي الفكرة التي فهمتها شعوب المنطقة باعتبارها محاولة لإعادة ترتيب الشرق الأوسط عبر تفكيك البنى القديمة وإنتاج خرائط نفوذ جديدة.

ورغم أن المصطلح استخدم في سياقات سياسية وإعلامية مختلفة، فإن نتائجه على الأرض بدت واضحة في عيون كثيرين: دول انهارت، وجيوش تفككت، ومجتمعات دخلت في صراعات طويلة، بينما بقيت المصالح الأمريكية والإسرائيلية هي الأكثر حضورًا في الحسابات النهائية.

من يدفع ثمن إعادة التشكيل؟

حين تتحدث رايس عن شرق أوسط جديد بعد حرب إيران، فإن السؤال ليس فقط: من انتصر؟
بل: من دفع الثمن؟

فالتجارب السابقة في العراق وسوريا وليبيا واليمن أثبتت أن إعادة تشكيل المنطقة لا تتم على الورق فقط، بل تمر عبر الدماء والنزوح والانهيار الاقتصادي وتدمير المؤسسات الوطنية، ثم تأتي القوى الكبرى لاحقًا لتتحدث عن الاستقرار والنظام الجديد.

رايس ترى القوة طريقًا للسلام

بحسب الرؤية التي طرحتها رايس، لم تعد المنطقة بحاجة إلى ما وصفته بالدبلوماسية الضعيفة أو الحروب المفتوحة بلا نهاية، بل إلى قيادة حاسمة تفرض السلام من خلال القوة.

هذه العبارة تبدو جذابة في الخطاب الأمريكي، لكنها شديدة الخطورة في الذاكرة العربية.
فالسلام من خلال القوة، في التجربة الشرق أوسطية، كان غالبًا يعني ضرب دولة، أو حصار شعب، أو فرض شروط سياسية واقتصادية تخدم الطرف الأقوى لا الطرف الأعدل.

سلام أم إخضاع؟

المشكلة في هذا النوع من الخطاب أنه يخلط بين السلام والإخضاع.
فإذا كانت إيران قد ضعفت، وإذا كانت إسرائيل قد أصبحت أقوى، وإذا كانت واشنطن قادرة على رسم نظام جديد، فهل يعني ذلك أن المنطقة أصبحت أكثر أمنًا؟ أم أنها فقط أصبحت أكثر خضوعًا لموازين قوة لا تراعي مصالح الشعوب؟

السلام الحقيقي لا يقوم فقط على شلل خصم أو تفوق حليف، بل على عدالة سياسية وتوازن مصالح واحترام سيادة الدول. أما السلام الذي يولد من القصف والعقوبات والانهيارات، فهو غالبًا هدنة مؤقتة تنتظر انفجارًا جديدًا.

إسرائيل في قلب المعادلة

تصريحات رايس تجعل إسرائيل الرابح الأبرز من الحرب مع إيران، إذ ترى أن ضرب طهران ووكلائها منح تل أبيب هامش أمان أوسع، وقلّص التهديدات التي كانت تحيط بها من عدة جبهات.

وهنا تتضح طبيعة الرؤية الأمريكية التقليدية للشرق الأوسط: أمن إسرائيل أولًا، ثم تُرتب بقية الملفات حوله.
فحين تصبح قوة إسرائيل معيارًا لنجاح الحرب، يصبح من المشروع أن يسأل العرب: أين موقع أمن الشعوب العربية من هذه المعادلة؟ وأين مكان حقوق الفلسطينيين؟ وأين حدود السيادة الوطنية للدول التي تحولت إلى ساحات صراع بالوكالة؟

إيران الضعيفة.. فرصة أم قنبلة مؤجلة؟

ترى رايس أن ضعف إيران يمنح ترامب فرصة لصياغة نظام إقليمي جديد. لكن إضعاف دولة بحجم إيران لا يعني بالضرورة انتهاء الخطر، بل قد يفتح الباب أمام موجات جديدة من الفوضى.

فالدول الكبيرة عندما تُضغط بقوة قد تتراجع، لكنها قد تلجأ أيضًا إلى أدوات غير مباشرة، أو تتحول ساحاتها الداخلية والإقليمية إلى بؤر اضطراب. وما حدث في أكثر من دولة بالمنطقة يثبت أن تفكيك الخصوم لا ينتج دائمًا استقرارًا، بل قد يخلق فراغًا تتصارع عليه الميليشيات والقوى الخارجية.

هل تعلمت واشنطن من العراق؟

التجربة العراقية لا تزال المثال الأكبر. فقد دخلت الولايات المتحدة العراق تحت شعارات كبرى، وانتهت البلاد إلى سنوات من الفوضى، وصعود تنظيمات متطرفة، وانقسام سياسي ومذهبي، ونفوذ إيراني أوسع مما كان قبل الحرب.

لذلك، عندما تقول رايس إن لحظة إيران قد تصنع استقرارًا دائمًا، فإن ذاكرة المنطقة لا تستطيع تصديق هذه الوعود بسهولة. فالشعوب لا تقيس السياسة بالبيانات، بل بالنتائج.

ترامب أمام لحظة ترتيب جديدة

تعتقد رايس أن ترامب يمتلك الآن القوة اللازمة لصياغة نظام جديد في الشرق الأوسط، بعدما تراجعت طموحات إيران النووية، وضعفت قبضتها على المنطقة، وتعرضت أذرعها الإقليمية لضربات مؤثرة.

ومن منظور واشنطن، تبدو هذه لحظة مثالية: خصم ضعيف، حليف إسرائيلي أقوى، وأسواق طاقة تبحث عن استقرار، ودول عربية تخشى الانزلاق إلى حرب أوسع.

لكن هذا الترتيب الجديد، إذا جاء من أعلى وبقوة السلاح فقط، قد يتحول إلى وصفة جديدة للفوضى، لأن المنطقة لا تحتاج إلى خرائط تُرسم في واشنطن بقدر ما تحتاج إلى تسويات عادلة تنبع من مصالح شعوبها ودولها.

العرب بين فوضى الماضي وخريطة المستقبل

الأخطر في تصريحات رايس أنها تعيد فتح سؤال عربي قديم: هل ما يسمى بإعادة تشكيل الشرق الأوسط كان مشروعًا لإصلاح المنطقة، أم لتفكيكها وإعادة توجيهها بما يخدم واشنطن وتل أبيب؟

من العراق إلى الربيع العربي، ومن ليبيا إلى سوريا واليمن، تبدو الصورة قاسية. شعوب خرجت تطلب الإصلاح، فدخلت بعض الدول في دوامات انهيار. قوى خارجية رفعت شعارات الديمقراطية، ثم تركت المجتمعات تواجه الحروب الأهلية والجوع والنزوح.

ولهذا، فإن أي حديث جديد عن نظام إقليمي يولد من الحرب يجب أن يُقرأ بحذر شديد، لأن التجربة علمت العرب أن الشعارات الكبيرة قد تخفي وراءها مصالح قاسية.

الفوضى ليست ربيعًا دائمًا

لا أحد ينكر أن الشعوب العربية كانت تحمل مطالب حقيقية في العدالة والحرية والكرامة. لكن ما جرى بعد ذلك كشف كيف يمكن للقوى الخارجية أن تركب الموجة، وتعيد توجيه الغضب الشعبي، وتحوّل لحظة الأمل إلى مشروع استنزاف طويل.

وهنا يصبح الحديث عن رعاية واشنطن لموجات الفوضى في المنطقة ليس مجرد اتهام سياسي، بل قراءة في النتائج التي عاشتها دول عربية كاملة: انهيار مؤسسات، صعود جماعات مسلحة، تدخلات أجنبية، اقتصاد محطم، وملايين اللاجئين.

هل تعني هزيمة إيران استقرار العرب؟

قد يعتقد البعض أن إضعاف إيران مكسب مباشر للعرب، خاصة للدول التي عانت من تدخلات طهران ووكلائها. وهذا جانب لا يمكن تجاهله. فسياسات إيران الإقليمية ساهمت في إشعال أزمات كثيرة، ودفعت المنطقة إلى صراعات مذهبية وأمنية طويلة.

لكن الخطأ أن يتحول إضعاف إيران إلى تفويض مفتوح لأمريكا وإسرائيل لإعادة رسم المنطقة وحدهما.
فالأمن العربي لا يجب أن يكون تابعًا لهزيمة طرف أو انتصار طرف آخر، بل يجب أن يقوم على مشروع عربي مستقل يحمي الدول من الهيمنة الإيرانية ومن التوظيف الأمريكي الإسرائيلي في الوقت نفسه.

قراءة صادمة في خطاب رايس

خطاب كوندوليزا رايس يكشف أن واشنطن لا تزال تفكر في الشرق الأوسط بمنطق الخرائط الكبرى: خصوم يجب إضعافهم، حلفاء يجب تقويتهم، وأنظمة يجب ترتيبها، وملفات يجب إدارتها بما يحفظ النفوذ الأمريكي.

لكن ما يغيب عن هذه القراءة هو الإنسان العربي نفسه، المواطن الذي يدفع ثمن كل مواجهة، وكل تجربة هندسة سياسية، وكل موجة فوضى تُباع للعالم تحت عنوان التغيير.

عقل أمريكي قديم جديد يرى الشرق

تصريحات كوندوليزا رايس عن حرب إيران ليست مجرد تحليل سياسي من وزيرة خارجية سابقة، بل نافذة على عقل أمريكي قديم جديد يرى الشرق الأوسط كرقعة شطرنج. فحين تحتفي رايس بإضعاف إيران وقوة إسرائيل وفرصة ترامب لصياغة نظام جديد، تعود إلى الذاكرة العربية سنوات الفوضى الخلاقة، والربيع العربي، وتفكك دول، وضياع شعوب بين الشعارات والمصالح.

قد تكون إيران خرجت أضعف، وقد تكون إسرائيل خرجت أقوى، وقد ترى واشنطن في ذلك فوزًا تاريخيًا. لكن السؤال الذي يجب أن يبقى حاضرًا عربيًا: هل هذا الفوز يصنع استقرارًا حقيقيًا للمنطقة، أم يفتح فصلًا جديدًا من الفوضى التي يدفع ثمنها العرب وحدهم؟

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.