في تحوّل لافت يعكس تغيّر المزاج السياسي والشعبي في كندا، بدأت أوتاوا تتعامل بجدية غير مسبوقة مع سيناريوهات كانت حتى وقت قريب تُعد مستبعدة. فبين تصاعد التوترات الدولية، والتحولات في العلاقة مع الولايات المتحدة، وتنامي المخاطر السيبرانية والمناخية، باتت كندا تضع الاستعداد لأسوأ الاحتمالات في صدارة أولوياتها الأمنية.
وفي هذا السياق، أعلنت رئيسة الأركان الكندية، جيني كارينيان، عن توجه لإنشاء قوة دفاع مدني واسعة، قوامها مئات الآلاف من المتطوعين، تكون قادرة على دعم الجيش في حال وقوع هجوم عسكري أو كارثة طبيعية كبرى.
بحث عن متطوعين من كل فئات المجتمع
من 16 إلى 65 عامًا في خدمة الطوارئ
أكدت الجنرال كارينيان أن الجيش الكندي يبحث عن متطوعين تتراوح أعمارهم بين 16 و65 عامًا، يمتلكون مهارات متنوعة، تشمل:
-
تشغيل المعدات الثقيلة
-
تشغيل الطائرات المسيّرة (الدرون)
-
العمل في مجالات الإنترنت والأمن السيبراني
وقالت في تصريح لافت:
“سنحتاج إلى مشغلي معدات ثقيلة، ومشغلي طائرات دون طيار، وقد نحتاج أيضًا إلى متخصصين في الإنترنت”.
الهدف من هذه الخطة هو إنشاء قوة دفاع مدني تطوعية قد يصل قوامها إلى 400 ألف شخص، تكون قادرة على التدخل السريع في حالات الطوارئ، وتخفيف العبء عن القوات المسلحة النظامية.

هل للأمر علاقة بترامب؟
التوقيت ليس بريئًا
رغم نفي وجود صلة مباشرة بين الخطة الكندية وقيام الرئيس الأميركي دونالد ترامب باعتقال الرئيس الفنزويلي السابق نيكولاس مادورو مطلع يناير، إلا أن التوقيت يثير الكثير من التساؤلات.
فترامب كان قد صرّح مرارًا في العام الماضي بأن من “مصلحة كندا” أن تصبح الولاية الأميركية رقم 51، وهو خطاب قوبل رسميًا بالاستخفاف، لكنه ترك أثرًا عميقًا في دوائر صنع القرار الكندية.
ورغم أن أحدًا لا يتوقع غزوًا أميركيًا لكندا، إلا أن:
-
الثقة السياسية تراجعت
-
والعلاقة مع واشنطن لم تعد كما كانت
-
وأصبحت كندا تفكر بجدية في الاعتماد على نفسها دفاعيًا
تقييم شامل للسيناريوهات
من هجمات إلكترونية إلى صراع أهلي في الجوار
بدأت وزارة الدفاع الوطني الكندية بالفعل في تحديث سيناريوهات الطوارئ، وتشمل:
-
هجمات إلكترونية على البنية التحتية
-
تعطيل إمدادات الطاقة والمياه
-
تدفقات محتملة للمهاجرين من الولايات المتحدة
-
اضطرابات داخلية أو صراع أهلي في الجوار الأميركي
ويقول ماركو مينديسينو، كبير موظفي رئيس الوزراء ووزير السلامة العامة السابق:
“من مسؤولية الحكومة تقييم جميع السيناريوهات والخيارات، بما في ذلك إنشاء قوة دفاع مدني طوعية لدعم القوات المسلحة”.
روسيا والصين في الحسابات الكندية
تهديد من الشمال والفضاء السيبراني
لا تقتصر المخاوف الكندية على الولايات المتحدة وحدها، إذ تراقب أوتاوا عن كثب:
-
التحركات الروسية في القطب الشمالي
-
النشاط البحري الصيني المتزايد
-
محاولات اختراق إلكترونية مستمرة
وتؤكد الجنرال كارينيان أن كندا تتعرض لهجمات سيبرانية بشكل دائم، مضيفة:
“نحن نستعد دائمًا لأسوأ السيناريوهات”.
النموذج الفنلندي.. مصدر إلهام
دفاع مدني شامل وملاجئ تحت الأرض
في نوفمبر 2025، أرسلت كندا فريقًا إلى فنلندا لدراسة نموذجها في الدفاع المدني الشامل، والذي بُني على مدى عقود من التهديدات الروسية.
يعتمد النموذج الفنلندي على:
-
تخزين الغذاء والمياه والأدوية لـ72 ساعة
-
تدريب المدنيين على الإسعافات والإنقاذ
-
ملاجئ قنابل تستوعب 85% من السكان
-
تحويل الملاجئ إلى مرافق حياتية عادية (ملاعب، مسابح، ساونا)
وقد أعجب المسؤولون الكنديون بهذه التجربة، رغم إدراكهم لصعوبة تطبيقها حرفيًا في بلد تبلغ مساحته أكبر من فنلندا بـ30 مرة.

إنفاق عسكري غير مسبوق
59 مليار دولار وخطة طويلة الأمد
يسعى مكتب رئيس الوزراء إلى تغيير المعادلة الدفاعية عبر خطة إنفاق تصل إلى 59 مليار دولار أميركي خلال خمس سنوات، بهدف رفع الإنفاق الدفاعي إلى 5% من الناتج المحلي الإجمالي بحلول 2035.
وسيتركز جزء كبير من هذا الإنفاق في شمال كندا، حيث تتزايد الأنشطة الروسية والصينية في المياه القطبية.
جيش محدود ومهام متزايدة
يضم الجيش الكندي:
-
67 ألف جندي نظامي
-
27 ألف جندي احتياط
وتنتشر مهامه بين:
-
الدفاع عن كندا
-
تعزيز دفاع دول البلطيق في لاتفيا
-
المشاركة في مهام بحرية قرب مضيق تايوان
-
التدخل في الكوارث الطبيعية والحرائق والفيضانات
وقد أثبتت جائحة كورونا عام 2020، عندما تدخل الجيش لرعاية المسنين في أونتاريو وكيبيك، الحاجة إلى قوة مدنية مساندة.

الكنديون يستيقظون من “سبات استراتيجي”
يرى خبراء أن كندا تعيش صحوة دفاعية متأخرة، بعد عقود من الاعتماد شبه الكامل على الولايات المتحدة. ويقول الباحث فيليب لاغاسي من جامعة كارلتون:
“من الصعب على العقل الكندي استيعاب الواقع الجديد”.
لكن المؤشرات تدل على تغيّر المزاج العام، إذ تؤكد الجنرال كارينيان تلقيها طلبات متزايدة من مواطنين يرغبون في المساعدة، حتى من كبار السن، أحدهم قال لها:
“لا أستطيع حمل بندقية، لكن يمكنني المساعدة.. أخبريني كيف”.
إعادة تموضع استراتيجي
ما يجري في كندا ليس تهويلًا إعلاميًا، بل إعادة تموضع استراتيجي في عالم يتسم بعدم الاستقرار. فبين تهديدات عسكرية غير تقليدية، وكوارث طبيعية متزايدة، وتحولات سياسية في الجوار، تبدو كندا مصممة على ألا تكون الحلقة الأضعف.


