في مشهد يعكس حجم الارتباك داخل المؤسسات الأمنية الإسرائيلية، تصدرت واقعتان شديدتا الحساسية واجهة الإعلام العبري خلال الساعات الأخيرة؛ الأولى تتعلق باتهام خطير يلاحق شرطيا إسرائيليا بشبهة اغتصاب شريكته السابقة التي تعمل هي الأخرى في الشرطة، والثانية تكشف عن صراع أعمق داخل الدوائر الأمريكية بشأن طبيعة التعاون الأمني والعسكري مع إسرائيل، بعد تسريبات تحدثت عن رفع مستوى التهديد التجسسي المنسوب لتل أبيب إلى درجة “حرجة”.
القضيتان، رغم اختلاف مساريهما، تضعان المؤسسة الأمنية الإسرائيلية تحت ضغط مزدوج: فضيحة داخلية تمس صورة جهاز الشرطة، وأزمة خارجية تطال الثقة في العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة.
شرطي متهم باغتصاب شرطية.. فضيحة داخل جهاز الأمن الإسرائيلي
أفادت صحيفة يديعوت أحرونوت الإسرائيلية بأن الدائرة القضائية للتحقيق مع أفراد الشرطة، المعروفة باسم “ماحاش”، اعتقلت يوم الخميس شرطيا إسرائيليا للاشتباه في اغتصابه شريكته السابقة، وهي شرطية أيضا.
وبحسب ما نقلته الصحيفة العبرية، فإن الواقعة المشتبه فيها حدثت يوم الأحد الماضي، عندما وصلت المشتكية إلى منزل الشرطي خلال فترة مناوبتها، قبل أن تتهمه بتهديدها واحتجازها داخل الشقة والاعتداء عليها جنسيا.
القضية اكتسبت حساسية مضاعفة، ليس فقط لأن طرفيها ينتميان إلى جهاز الشرطة، ولكن لأنها تضرب في قلب الصورة التي تحاول المؤسسات الأمنية الإسرائيلية تسويقها عن الانضباط والرقابة الداخلية.
تمديد اعتقال المشتبه به ونفي كامل من الدفاع
محكمة الصلح في بئر السبع قررت تمديد اعتقال الشرطي المشتبه به حتى يوم غد، على ذمة التحقيقات، في وقت نفى فيه محامي الدفاع الاتهامات المنسوبة إلى موكله.
وخلال جلسة التوقيف، قال الدفاع إن القضية مرتبطة بعلاقة سابقة بين الطرفين، وذهب إلى وصف ادعاءات المشتكية بأنها ناتجة عن “تعلق أو هوس” تجاه موكله، مشيرا إلى أنها تواصلت معه أكثر من مرة قبل وصولها إلى الشقة.
كما زعم المحامي أن اللقاء بدأ أسفل المنزل، ثم انتقل إلى داخل الشقة بناء على رغبة المشتكية، بحسب رواية الدفاع، للتأكد من عدم وجود نساء أخريات داخل المكان.
ومع ذلك، تبقى القضية قيد التحقيق، بينما يظل الاتهام، إذا ثبت، واحدا من أخطر الملفات التي تضرب ثقة الجمهور في جهاز الشرطة الإسرائيلي.

عاصفة ثانية.. تسريبات أمريكية تتهم إسرائيل بتهديد تجسسي “حرج”
وبالتزامن مع هذه الفضيحة الداخلية، كشفت تقارير إعلامية إسرائيلية عن معركة أخرى تدور بعيدا عن الشارع، داخل أروقة الاستخبارات وصنع القرار في الولايات المتحدة.
ووفقا لتحليل نشره المحلل الإسرائيلي الدكتور كوبي بردا، فإن التسريبات التي نشرتها شبكة NBC الأمريكية بشأن قيام وكالة استخبارات الدفاع التابعة للبنتاجون DIA برفع مستوى التهديد التجسسي المنسوب لإسرائيل إلى الدرجة “الحرجة”، ليست مجرد إجراء أمني عابر، بل جزء من صراع سياسي وبيروقراطي يستهدف ضرب العلاقة بين واشنطن وتل أبيب.
ويرى التحليل الإسرائيلي أن هذه التسريبات تمثل ما وصفه بـ”مؤامرة بيروقراطية” تقودها أوساط انعزالية داخل الحزب الجمهوري والمحيط بالرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بهدف تقويض التعاون الأمني والعسكري مع إسرائيل.
توقيت حساس قبل قانون دفاعي مهم
الأكثر إثارة في الأزمة، بحسب التحليل، أن التسريب جاء في توقيت بالغ الحساسية، بالتزامن مع مناقشات الكونغرس الأمريكي لاعتماد “المادة 224” ضمن قانون ميزانية الدفاع الوطني للسنة المالية 2027.
وتستهدف هذه المادة تعميق التعاون التكنولوجي والعسكري بين الولايات المتحدة وإسرائيل، خصوصا في مجالات الذكاء الاصطناعي، والأمن السيبراني، وأنظمة الدفاع الصاروخي، والتصدي للطائرات المسيرة.
من هنا، ترى أوساط إسرائيلية أن رفع مستوى التحذير من التجسس الإسرائيلي قد يستخدم كذريعة سياسية لتعطيل هذا المسار، أو على الأقل تقييد تدفق التكنولوجيا العسكرية الحساسة إلى تل أبيب.
تل أبيب تخشى “لغمًا موقوتًا” داخل واشنطن
بحسب القراءة الإسرائيلية، فإن بقايا تيارات بيروقراطية واستخباراتية داخل واشنطن، مرتبطة بأسماء عرفت بمواقفها الانعزالية والرافضة للتصعيد مع إيران، تحاول تحويل ملف التجسس إلى “لغم موقوت” يضغط على البيت الأبيض والكونغرس.
الهدف، وفق هذا التصور، ليس فقط التشكيك في إسرائيل كشريك أمني، بل خلق حاجز سياسي وقانوني أمام استمرار التعاون التكنولوجي والعسكري المتقدم بين البلدين.
وهنا تبدو الأزمة أكبر من مجرد تقرير استخباراتي، لأنها تمس جوهر العلاقة التي قامت لعقود على الثقة الأمنية المطلقة بين واشنطن وتل أبيب.
ملف المسيحيين يزيد النار اشتعالًا
ولم تتوقف الأزمة عند حدود الاستخبارات. فقد أشار التقرير إلى أن التيار الانعزالي في واشنطن استغل أيضا ملف حماية المجتمعات المسيحية في الشرق الأوسط لإحراج إسرائيل أمام القاعدة المسيحية الصهيونية داخل الولايات المتحدة.
وجاء ذلك في ظل تصرفات وصفها التقرير بأنها “خرقاء وغير مسؤولة” لبعض عناصر الجيش الإسرائيلي في جنوب لبنان، بعدما اتهموا بالإساءة إلى رموز مسيحية، إلى جانب حوادث الاعتداء والبصق من جانب متشددين يهود على رجال دين مسيحيين وسياح في القدس المحتلة.
هذه الوقائع، بحسب التقرير، أدت إلى مشادات ومكالمات عاصفة بين ترامب ونتنياهو، خاصة مع استمرار العمليات العسكرية الإسرائيلية وتزايد الضغط داخل الدوائر المحافظة الأمريكية.
إسرائيل تتحرك لإنقاذ صورتها أمام العالم المسيحي
وأمام تصاعد الأزمة، سارعت وزارة الخارجية الإسرائيلية إلى تعيين السفير جورج ديك مبعوثا خاصا للعالم المسيحي، في محاولة لاحتواء الغضب المتصاعد ووقف حملات التحريض السياسي والرقمي التي تستهدف صورة إسرائيل لدى الجماعات المسيحية المؤثرة في الولايات المتحدة.
الخطوة تعكس خشية إسرائيلية واضحة من خسارة أحد أهم أعمدة الدعم السياسي في واشنطن، وهو دعم المجموعات المسيحية الصهيونية، التي طالما شكلت رافعة انتخابية وسياسية قوية لأي إدارة أمريكية داعمة لتل أبيب.
فضائح متلاحقة وصورة أمنية مهزوزة
بين شرطي متهم باغتصاب شرطية داخل جهاز الأمن، وتسريبات أمريكية ترفع التهديد التجسسي الإسرائيلي إلى مستوى خطير، تجد إسرائيل نفسها أمام أزمة مركبة تضرب الداخل والخارج في وقت واحد.
ففي الداخل، هناك سؤال ثقيل عن مدى قدرة المؤسسات الأمنية على محاسبة أفرادها وحماية المنتسبين إليها. وفي الخارج، هناك شكوك متزايدة حول الثقة الأمريكية في إسرائيل كشريك أمني كامل.
وإذا كانت تل أبيب تحاول احتواء كل أزمة على حدة، فإن تزامن هذه الملفات يكشف عن مشهد أوسع: مؤسسات أمنية إسرائيلية تحت الضغط، وتحالف استراتيجي لم يعد محصنا بالكامل من الشكوك، والفضائح، وحسابات السياسة الأمريكية الداخلية.


