الاثنين، ٣ أغسطس ٢٠٢٦ في ٠١:٢٣ ص

عندما تتحول زيادة الأسعار إلى «إنجاز».. تصريحات عبثية تصب في مصلحة من؟

زيادة أسعار الكهرباء.. عندما يعرف المسؤول أن الناس لا تصدق تصريحاته

منذ الإعلان عن زيادة أسعار الكهرباء في مصر، انطلقت تصريحات بعض المسؤولين لتشرح للمواطنين «جمال الزيادة»، وكيف أنها تصب في مصلحتهم وتحافظ على استدامة الخدمة وتدعم الاقتصاد الوطني واببتدع المصريين مصطلح ساخر علي الطريقة المصرية وهو الصب في المصلحة

وانا لا اعرف بالضبط صاحب تصريح الصبفي المصلحة الذي تحول نكتة ساخرة اجتاجت مواقع التواصل الأجتماعي عن كل تحرك في اسعار الخدمات العامة .

 ولا يستطيع أحد ان  ينكر أن إدارة قطاع الكهرباء تفرض حسابات اقتصادية معقدة، تشمل تكلفة الوقود والإنتاج والنقل والتوزيع والصيانة. كما لا يمكن تجاهل الأعباء المالية التي تتحملها الدولة للحفاظ على استمرار الخدمة. لكن المشكلة الحقيقية ليست في شرح أسباب القرار، بل في محاولة تقديم زيادة الأسعار وكأنها منفعة مباشرة للمواطن الذي سيدفعها من دخله المحدود.

المواطن يستطيع أن يتفهم القرارات الصعبة عندما تُعرض عليه بوضوح وصدق، لكنه يرفض أن يُطلب منه الاحتفال بعبء جديد، أو الاقتناع بأن ارتفاع فاتورته الشهرية يمثل مكسبًا شخصيًا له.

لماذا نصر على تجميل القرارات المؤلمة؟

تطبيق زيادة بمتوسط 12% على معظم شرائح الاستهلاك المنزلي، مع تثبيت الشريحة الأولى، يعني ببساطة أن شريحة واسعة من المواطنين ستتحمل أعباء إضافية. ويمكن للحكومة أن تشرح الضرورات الاقتصادية التي دفعتها إلى ذلك، وأن تقدم الأرقام والحسابات والحلول المتاحة، من دون اللجوء إلى عبارات دعائية لا تتناسب مع الواقع الذي يعيشه الناس.

أسعار الكهرباء الجديدة ترتبط، بحسب التبريرات المعلنة، بارتفاع تكلفة الوقود ومستلزمات التشغيل والالتزامات المالية لشركات الإنتاج والنقل والتوزيع، مع استمرار دعم عدد من الشرائح. وهذه أسباب يمكن مناقشتها وتقييمها، لكن لا ينبغي استخدامها لتحويل زيادة السعر إلى «خبر سعيد» للمستهلك. 

هذه النوعية من التصريحات العبثية تحتاج إلى وقفة أعمق؛ لأنها لا تقنع المواطن، بل توسع المسافة بينه وبين المسؤول، وتجعله يشك حتى في التصريحات التي قد تكون صحيحة.

المواطن لا يرفض الحقيقة لكنه يرفض الاستخفاف بعقله

المصريون يدركون أن بلادهم تواجه تحديات اقتصادية، ويعرفون أن الأزمات الإقليمية وارتفاع أسعار الوقود وتراجع قيمة العملة تؤثر في تكلفة الخدمات. لذلك لا يحتاج المواطن إلى خطاب يتعامل معه باعتباره عاجزًا عن الفهم.

ما يحتاجه الناس هو مسؤول يقول بوضوح: اضطررنا إلى زيادة أسعار الكهرباء لهذه الأسباب، وهذه قيمة التكلفة الحقيقية، وهذا ما تتحمله الدولة، وهذه الإجراءات المقررة لحماية محدودي الدخل، وهذه خطتنا حتى لا تتكرر الزيادة سريعًا.

هذا الخطاب، حتى لو كان مؤلمًا، أكثر احترامًا للمواطن من محاولة إقناعه بأن زيادة فاتورته الشهرية جاءت لمصلحته.

الخطر ليس في القرار وحده

قد يتحمل المواطن قرارًا اقتصاديًا صعبًا إذا فهم ضرورته ووجد من يعترف بتأثيره عليه. لكن الخطر يبدأ عندما يشعر بأن المسؤول لا يكتفي بتحميله العبء، بل يطالبه أيضًا بتصديق رواية لا تتفق مع تجربته اليومية.

وهنا نقترب من مرحلة شديدة الخطورة: أن يتحدث المسؤول وهو يعلم أن الناس لا تصدقه، وأن يستمع المواطن وهو يعلم أن ما يسمعه لا يعبر عن الواقع، وأن يعرف الطرفان ذلك ثم يستمر المشهد كما لو أن شيئًا لم يحدث.

عند هذه النقطة يفقد الخطاب الرسمي وظيفته، وتتآكل الثقة العامة، ويتحول كل تصريح جديد إلى مادة للسخرية بدلًا من أن يكون وسيلة للشرح والإقناع.

هل حان وقت عودة الوزير السياسي؟

تدفعنا أزمة الخطاب الحكومي إلى التفكير بجدية في ضرورة اختيار وزراء يمتلكون الحس السياسي، ولا تقتصر كفاءتهم على الخبرة الفنية والإدارية.

اعتمدت مصر خلال سنوات طويلة على وزراء تكنوقراط، كل منهم متخصص في مجاله، وهي فكرة تبدو منطقية من الناحية النظرية؛ فوزارة الكهرباء تحتاج إلى خبير في الطاقة، ووزارة الصحة تحتاج إلى صاحب خبرة طبية وإدارية، والوزارة الاقتصادية تحتاج إلى متخصص في الاقتصاد والمال.

لكن السؤال الذي يجب طرحه هو: هل نجح الوزير التكنوقراطي وحده في حل الأزمات التي يعاني منها المواطن؟ وهل تكفي الخبرة الفنية لإدارة وزارة تتعامل قراراتها يوميًا مع ملايين البشر؟

الإجابة التي تكشفها التجربة هي أن التخصص وحده لا يكفي. فقد يكون الوزير خبيرًا بارعًا في مجاله، لكنه يفتقر إلى القدرة على قراءة المزاج العام، أو توقع ردود الأفعال، أو فهم التأثير الاجتماعي والسياسي للقرار قبل صدوره.

الوزير ليس مديرًا تنفيذيًا فقط

الوزارة ليست شركة خاصة، والوزير ليس مديرًا تنفيذيًا يعمل بعيدًا عن المجتمع. فكل قرار يتخذه قد يؤثر في أسعار السلع، ومستوى معيشة الأسر، واستقرار الأسواق، وثقة المواطنين في الحكومة.

لذلك يحتاج الوزير إلى حس سياسي واجتماعي يمكّنه من رؤية الصورة كاملة، لا مجرد قراءة الأرقام الموجودة في التقارير.

الوزير السياسي لا ينتظر وقوع الأزمة حتى يبدأ في التعامل معها، بل يمتلك القدرة على استشعار مخاطرها مبكرًا، ويعرف متى يتحدث، وماذا يقول، وكيف يشرح القرار، وما البدائل التي ينبغي دراستها قبل تحميل المواطن أعباء جديدة.

الحس السياسي لا يعني الخطابة

المقصود بالوزير السياسي ليس ذلك الذي يجيد إطلاق الشعارات أو الظهور أمام الكاميرات، وإنما الوزير الذي يفهم المجتمع ويعرف أن للقرارات الفنية نتائج سياسية واجتماعية.

هو الذي يدرك أن زيادة جنيه واحد في خدمة أساسية قد تبدو رقمًا صغيرًا في الموازنة، لكنها تصبح عبئًا كبيرًا عندما تُضاف إلى زيادات الطعام والدواء والمواصلات والإيجارات ومصروفات التعليم.

وهو أيضًا الذي يعرف أن طريقة إعلان القرار قد تكون أحيانًا في أهمية القرار نفسه، وأن الاعتراف بصعوبة الأوضاع لا ينتقص من هيبة الدولة، بل يعزز ثقة المواطن فيها.

سنوات في المنصب دون اكتساب الحس السياسي

للأسف، عمل وزراء كثيرون في مناصبهم لسنوات طويلة، لكنهم لم يتمكنوا من اكتساب الحس السياسي المطلوب، وظل بعضهم يتعامل مع الأزمات باعتبارها معادلات فنية منفصلة عن حياة المواطنين.

يعرض الوزير أرقام التكلفة والدعم والعجز، بينما ينظر المواطن إلى راتبه الذي لم يعد يكفي، وفاتورته التي ارتفعت، واحتياجات أسرته التي تتزايد. وبين جدول الوزير وبيت المواطن تضيع الحقيقة التي يجب أن تجمع الطرفين.

ولذلك لا ينبغي أن يكون معيار نجاح الوزير هو قدرته على ضبط الموازنة أو تنفيذ المشروعات فقط، بل يجب أن يشمل تقييم أثر قراراته في المجتمع، ومدى قدرته على حماية الفئات الأضعف، ونجاحه في بناء الثقة وشرح الحقائق.

المطلوب وزير خبير وسياسي في الوقت نفسه

لا تعني الدعوة إلى اختيار وزراء سياسيين الاستغناء عن الخبرة الفنية أو فتح الباب أمام غير المتخصصين. المطلوب هو وزير يجمع بين الكفاءة الفنية والوعي السياسي والاجتماعي.

نحتاج إلى متخصص يعرف تفاصيل قطاعه، لكنه في الوقت نفسه يفهم الناس، ويقدر قدرتهم على التحمل، ويتوقع النتائج قبل وقوعها، ويمتلك شجاعة قول الحقيقة.

كما نحتاج إلى مسؤول لا يكتفي بالدفاع عن القرار بعد صدوره، بل يشارك في صياغته ويسأل قبل إقراره: من سيدفع الثمن؟ وهل توجد بدائل؟ وكيف نحمي الأسر الأقل دخلًا؟ وما التأثير المتوقع في التضخم والأسواق؟

لا تطلبوا من المواطن الاحتفال بالفاتورة

يستطيع المسؤول أن يقول إن زيادة أسعار الكهرباء كانت ضرورية، ويقدم أدلته وأرقامه، ويتحمل مسؤوليته السياسية عنها. لكن ليس من حقه أن يطلب من المواطن النظر إلى الفاتورة المرتفعة باعتبارها هدية أو إنجازًا.

الناس لا تريد المستحيل، وإنما تريد الصراحة والاحترام. وإذا كان القرار مؤلمًا، فقولوا إنه مؤلم. وإذا كان ضروريًا، فاشرحوا ضرورته. وإذا كانت هناك تضحيات مطلوبة، فأعلنوا بوضوح كيف ستتوزع هذه التضحيات، ومن سيتحمل النصيب الأكبر منها.

أما الاستمرار في تجميل الأزمات وتزيين الأعباء، فلن يحل مشكلة ولن يقنع مواطنًا. وقد يدفعنا إلى أخطر ما يمكن أن تواجهه أي حكومة: أن تفقد كلمات مسؤوليها قيمتها قبل أن تصل إلى آذان الناس