ي مشهد يعكس عمق الاستقطاب السياسي في الولايات المتحدة، قدّر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أنه قد يواجه إجراءات عزل للمرة الثالثة في تاريخ رئاسته، في حال خسر الحزب الجمهوري سيطرته على مجلس النواب الأمريكي خلال انتخابات التجديد النصفي المقبلة.
تصريحات ترامب لم تأتِ في فراغ، بل تزامنت مع الذكرى السنوية الخامسة لأحداث اقتحام مبنى الكابيتول، ومع تحركات رسمية مثيرة للجدل تهدف – بحسب منتقديه – إلى إعادة صياغة الرواية التاريخية لتلك الأحداث، في خطوة أعادت فتح جراح سياسية لم تلتئم بعد.
تحذير صريح من العزل
أمام مشرعين جمهوريين في مركز كينيدي للفنون الأدائية بواشنطن، مساء الثلاثاء، أطلق ترامب تحذيرًا مباشرًا من عواقب خسارة الانتخابات، قائلًا:
«سيجدون سببًا لعزلي، وسأُعزل».
وجاء هذا التصريح في وقت تتزايد فيه مخاوف الحزب الجمهوري من فقدان أغلبيته الضئيلة في مجلس النواب، وهي أغلبية باتت مهددة بفعل الانقسامات الداخلية والغيابات المتكررة، ما قد يمنح الديمقراطيين فرصة لإعادة فتح ملفات العزل.
إعادة كتابة رواية اقتحام الكابيتول
بالتزامن مع تصريحات ترامب، اتخذت الإدارة الأمريكية خطوات غير مسبوقة لإعادة تقديم رواية رسمية لأحداث 6 يناير/كانون الثاني 2021.
فقد نشر البيت الأبيض صفحة جديدة على موقعه الرسمي، تُحمِّل شرطة الكابيتول والحزب الديمقراطي ونائب الرئيس السابق مايك بنس مسؤولية أعمال الشغب.
واتهمت الصفحة بنس بـ«الجبن» و«التخريب» لرفضه منع التصديق على نتائج انتخابات 2020، كما زعمت – في رواية أثارت غضبًا واسعًا – أنه لم يفقد أي ضابط إنفاذ قانون حياته خلال الأحداث، متجاهلة إصابة نحو 140 ضابطًا واستخدام المتظاهرين وسائل عنف متعددة، إضافة إلى الوفيات التي سُجلت لاحقًا.
ووصف زعيم الأقلية في مجلس الشيوخ تشاك شومر هذا الطرح بأنه «مخزٍ وحقير»، معتبرًا أنه محاولة لتزييف التاريخ.
عفو شامل يثير الجدل
في خطوة مكملة، أصدر ترامب عفوًا شاملًا عن نحو 1600 شخص متهمين على صلة بأحداث 6 يناير، بينهم قادة جماعات متطرفة وأشخاص أدينوا بالاعتداء على ضباط الشرطة.
ورأى معارضون أن هذه الخطوة تمثل تصعيدًا سياسيًا خطيرًا قد يُستخدم كأحد مبررات أي محاولة عزل مستقبلية.
أزمة الأغلبية الجمهورية في مجلس النواب
على الصعيد التشريعي، تقلصت الأغلبية الجمهورية إلى حدٍّ حرج، ما زاد من تعقيد مهمة رئيس المجلس مايك جونسون، خاصة بعد وفاة النائب دوغ لامالفا واستقالة مارجوري تايلور غرين.
واعترف ترامب نفسه بصعوبة إدارة مجلس بأغلبية لا تتجاوز صوتين فقط، في ظل غياب بعض النواب بسبب خوضهم سباقات انتخابية.
العزل في التاريخ الأمريكي: سوابق ودروس
لم يكن الحديث عن عزل رئيس أمريكي أمرًا استثنائيًا في التاريخ السياسي للولايات المتحدة، بل شهدت البلاد محطات مفصلية:
أندرو جونسون (1868)
كان أندرو جونسون أول رئيس يُحال إلى العزل، بعد صراع حاد مع الكونغرس عقب الحرب الأهلية. نجا جونسون من الإدانة في مجلس الشيوخ بفارق صوت واحد فقط.
ريتشارد نيكسون (1974)
في فضيحة «ووترغيت»، واجه ريتشارد نيكسون إجراءات عزل شبه مؤكدة، ما دفعه إلى الاستقالة قبل تصويت الكونغرس، ليكون الرئيس الأمريكي الوحيد الذي استقال من منصبه.
بيل كلينتون (1998)
تم عزل بيل كلينتون في مجلس النواب بتهم الحنث باليمين وعرقلة العدالة، لكنه بُرِّئ في مجلس الشيوخ وأكمل ولايته.
دونالد ترامب (2019 و2021)
دخل ترامب التاريخ كأول رئيس يُعزل مرتين:
-
الأولى بسبب قضية أوكرانيا.
-
الثانية على خلفية التحريض على أحداث 6 يناير.
وفي المرتين، برّأه مجلس الشيوخ.
هل يصبح العزل الثالث سابقة؟
يرى محللون أن العزل الثالث – إن حدث – سيكون سابقة غير مسبوقة في التاريخ الأمريكي، وقد يفتح الباب أمام أزمة دستورية وسياسية عميقة، خصوصًا في ظل انقسام شعبي حاد، وتراجع الثقة بالمؤسسات.
ويرتبط تحقق هذا السيناريو بعاملين رئيسيين:
-
نتائج انتخابات التجديد النصفي وسيطرة أي حزب على مجلس النواب.
-
قدرة الديمقراطيين على توحيد صفوفهم وتقديم مبررات قانونية وسياسية مقنعة.
مرحلة سياسية حساسة
بين تحذيرات ترامب، وتحركات إدارته لإعادة صياغة أحداث مفصلية، وتآكل الأغلبية الجمهورية، تبدو الولايات المتحدة مقبلة على مرحلة سياسية شديدة الحساسية.
ويبقى السؤال مفتوحًا: هل تتحول مخاوف ترامب إلى واقع تاريخي جديد، أم ينجح مرة أخرى في الإفلات من شبح العزل؟


