رباعي الرعب.. الكهرباء والمياه والغاز والاتصالات في مواجهة جيب المواطن
يرى كثير من المصريين أن هناك ما يشبه صراعًا غير معلن بين شركات الكهرباء والمياه والغاز، ومعها قطاع الاتصالات، وكأن كل جهة تتنافس مع الأخرى على اقتطاع أكبر جزء ممكن من دخل المواطن، الذي أصبح مطالبًا كل شهر بتوزيع مرتبه بين فواتير لا تتوقف عن الارتفاع.
والحقيقة أن المواطن لم يعد ينظر إلى هذه الخدمات باعتبارها مجرد التزامات شهرية عادية، بل أصبحت تمثل عبئًا ثقيلًا يهدد ميزانية الأسرة، خاصة في ظل الزيادات الكبيرة في الأسعار، وثبات دخول قطاعات واسعة من المواطنين أو ارتفاعها بمعدلات لا تتناسب مطلقًا مع حجم القفزات التي شهدتها تكلفة الخدمات الأساسية.
الكهرباء تحتاج إلى دخل خاص
في حالة الكهرباء، أصبح شحن كارت العداد وحده يحتاج إلى ميزانية مستقلة، بل وربما إلى دخل خاص به بعيدًا عن باقي مصروفات المنزل.
المواطن يشحن الكارت، وبعد أيام قليلة يفاجأ بانتهاء الرصيد، فيعيد الشحن مرة أخرى، دون أن يفهم في أحيان كثيرة تفاصيل الشرائح أو الخصومات أو الرسوم التي تُسحب من قيمة الشحن.
وبدلًا من أن يشعر المواطن بأن العداد مسبق الدفع يساعده على التحكم في استهلاكه، تحول الأمر عند البعض إلى حالة من القلق المستمر: هل سيكفي الرصيد حتى نهاية الأسبوع؟ وهل ستنقطع الكهرباء في وقت لا يملك فيه أموالًا لإعادة الشحن؟
المياه والغاز ليسا أفضل حالًا
ولم تكن فواتير المياه والغاز أفضل كثيرًا، فالشكاوى مستمرة من ارتفاع بعض الفواتير، وعدم وضوح طريقة احتساب الاستهلاك، ووجود فروق كبيرة أحيانًا بين شهر وآخر، رغم تأكيد المواطنين أن معدلات استخدامهم لم تتغير.
وهكذا يجد المواطن نفسه محاصرًا بين فاتورة كهرباء تحتاج إلى الشحن أكثر من مرة، وفاتورة مياه قد تأتي بأرقام غير متوقعة، وفاتورة غاز تضاف إلى سلسلة الالتزامات التي لا تنتهي.
الاتصالات.. ادفع مقابل خدمة لا تستخدمها
أما قطاع الاتصالات، فله حكاية أخرى تحتاج إلى وقفة جادة.
فالمواطن يدفع اشتراك التليفون الأرضي شهريًا أو بصورة دورية، رغم أن عددًا كبيرًا من المواطنين لا يستخدمون الهاتف الأرضي من الأساس، لكنهم مضطرون إلى دفع الاشتراك حتى لا تنقطع عنهم خدمة الإنترنت.
وهنا يطرح المواطن سؤالًا بسيطًا ومنطقيًا: لماذا أدفع ثمن خدمة لا أستخدمها، فقط لأنني أحتاج إلى خدمة أخرى؟
إنني أبحث عن وصف مناسب لهذا الأمر فلا أجد. هل هو اشتراك إجباري؟ أم ربط بين خدمتين لا يملك المواطن حرية الفصل بينهما؟ أم أنها تكلفة إضافية فُرضت عليه لأنه لا يمتلك بديلًا آخر للحصول على الإنترنت المنزلي؟
في كل الأحوال، لا يبدو من العدل أن يتحمل المواطن ثمن خدمة لا يستفيد منها، بينما احتياجه الحقيقي يقتصر على الإنترنت فقط.
شكاوى من «رباعي الرعب»
الكهرباء والمياه والغاز والاتصالات أصبحت في نظر كثير من المواطنين بمثابة «رباعي الرعب»، ليس لأن الناس ترفض دفع مقابل ما تستهلكه، وإنما لأنها تريد فاتورة عادلة وواضحة تتناسب مع مستوى الدخل الحقيقي.
المواطن لا يطالب بالحصول على الخدمات مجانًا، ولا يرفض تحمل مسؤوليته عن الاستهلاك، لكنه يريد أن يعرف ماذا يدفع، ولماذا يدفع، وكيف جرى احتساب المبلغ المطلوب منه.
كما يريد أن يجد جهة تستمع إلى شكواه وتفحصها بجدية، بدلًا من أن يظل يدور بين أرقام خدمة العملاء والفروع والمكاتب، دون الوصول إلى حل حقيقي.
غياب البعد الاجتماعي خطر كبير
أخطر ما في هذه الأزمة هو تراجع مراعاة البعد الاجتماعي عند تسعير الخدمات الأساسية.
فلا يمكن التعامل مع الكهرباء والمياه والغاز والاتصالات باعتبارها سلعًا ترفيهية يستطيع المواطن الاستغناء عنها عند ارتفاع سعرها. هذه خدمات تمس تفاصيل الحياة اليومية، ولا يستطيع أي بيت مصري الاستمرار من دونها.
وعندما تستحوذ الفواتير الأساسية على نسبة كبيرة من دخل الأسرة، يضطر المواطن إلى تقليل الإنفاق على الطعام أو العلاج أو التعليم أو احتياجات أبنائه، وهنا تتحول المشكلة من مجرد ارتفاع في الأسعار إلى خطر اجتماعي حقيقي.
مراعاة البعد الاجتماعي لا تعني إهدار موارد الشركات أو تقديم الخدمات بخسارة، لكنها تعني وضع نظام تسعير عادل، وشرائح أكثر واقعية، وحماية أصحاب الدخول المنخفضة، ومراجعة الرسوم الإضافية، وإعلان تفاصيل الفواتير بصورة يفهمها المواطن.
هل نؤذن في مالطة؟
لقد أصبحت شكاوى المواطنين من ارتفاع فواتير الخدمات الأساسية تتكرر كل يوم، لكن الخوف أن نكون كمن يؤذن في مالطة، فلا يسمع أحد ولا يتحرك أحد، وتستمر المشكلة حتى تصبح أمرًا واقعًا يجب على المواطن قبوله دون اعتراض.
لكن هذه الأزمة لا يجوز تجاهلها، لأنها لم تعد شكوى فردية أو حالة استثنائية، وإنما أصبحت مصدر قلق لملايين المواطنين في مصر، خاصة بعد القفزات الكبيرة في أسعار الكهرباء والمياه والغاز وخدمات الاتصالات.
السؤال الذي يحتاج إلى إجابة واضحة هو: هل تستمر هذه الأوضاع وتظل شكوى المواطن بلا استجابة؟ أم تتحرك الجهات المسؤولة لوضع حلول عادلة توازن بين تكلفة تقديم الخدمة وقدرة المواطن على الدفع؟
المطلوب ليس مسكنات مؤقتة ولا تصريحات تطمينية، وإنما مراجعة شاملة لمنظومة تسعير الخدمات، وإلغاء أي رسوم غير مبررة، وفصل الخدمات التي لا توجد ضرورة حقيقية لربطها ببعضها، مع توفير آليات واضحة وسريعة لفحص شكاوى المواطنين.
فالمواطن المصري لم يعد قادرًا على تحمل المزيد من المفاجآت داخل الفواتير، ولم يعد مقبولًا أن يتحول دخله الشهري إلى غنيمة تتقاسمها شركات الخدمات الأساسية، بينما يقف هو في نهاية الشهر حائرًا: كيف يدبر احتياجات أسرته بعد سداد نصيب «رباعي الرعب»؟


