بين الحرب والمناورة.. ماذا يريد ترامب من تهديد إيران؟
ليست هي المرّة الأولى التي يُقلق فيها ترامب العالم بضربة وشيكة " مدمّرة كما يُذيع " قبل أن يُعلن إلغائها قبل موعدها " غير المقرّر " بلحظات . وهو بالطبع غير جادّ في ذلك . إذا أردنا أن نجيب عن سبب سلوك ترامب هذا المسلك ؛ علينا أن نجيب عن تساؤلٍٍ حول حاجة ترامب إلى هذه الضربة ؟
لماذا يلوّح ترامب بضربة لا يريد تنفيذها؟
الإجابة تنتطلق من واقع يفيد : بأنّ ترامب عاجز حتى اللحظة عن توجيه ضربة حاسمة لحرب إيران ، كما أنه عاجز عن أخرى تدفع هذه الأخيرة إلى التنازل ؛ طالما كان الأمر كذلك ؛ فينبغي أن نبحث عن فائدةٍ يروم ترامب تحقيقها من إعلانه نيّة توجيه ضربة .
ونحن أمام هذه الحقائق المرافقة لفكرة ترامب ؛ التي تنام كلّما استيقظت في " مخادع الخطر " وهي تنفيذ عمليّة بريّة ، وتشاطرها هذا السرير فكرة تحريك الداخل الإيراني ، نعلم أنّ ترامب لا يعدم وسيلةً بالتفكير في إثارة قلقٍ من نوع آخر ؛ قد يفتح له فُتحة " تسرّ قلبه " حين يفكّر بتنفيذ غزوته البريّة هذه ، وهذا التحريك الداخلي ؛ خارج الأراضي الإيرانيّة ؛ أي في دول الجوار ؛ التي بات الحديث عن سحب القوات الأمريكيّة منها عملاّ يوميّا يرافق تنفيذها على الأرض . كان آخرها دراسة سحب هذه القوّات من الكويت .
هل تسعى واشنطن إلى استدراج إيران خارج حدودها؟
الخطّة السابقة تقتضي : دفع دول الجوار إلى التصادم مع إيران ، بطريقة تدفع إيران للزجّ بعناصرها المقاتلة في معارك أرضيّة ، يمكن معها للجيش الأمريكي تفتيت التمركز العسكريّ الإيراني ، وتشتيت سيطرته ، وكشف تحرّكاته و حقيقة قدراته ، والأهمّ من ذلك ، تلك القوّة السريّة التي يعتمد عليها النظام الإيراني ، لم تصل إليها حتى اللحظة أجهزة استخبارات الولايات المتّحدة ، ومعها إسرائيل .
حتى تطمئنّ أرض المعركة لهذا السيناريو ، ينبغي لترامب أن يدفع بتطميناته إلى الحلفاء ، بأنّ مخاطر هذه المعارك لا تراوح مراحلها الصفريّة ؛ طالما كانت تحت السيطرة العسكريّة المركزيّة لقوّاته ، التي تعمل على تزويد أجهزة الإستخبارات المحيطة بإيران ؛ بمعلوماتٍ تَعمد هي بدورها ؛ إلى تحذير بعضها بعضاً ، من تحرّكات مريبة ؛ تنطلق من أراضيها .
يضمن هذا تناحراً بينها من جهة ، وآخر بين مكوّنات كلِّ منها ، من جهة ثانية ؛ مع ضمان غطاء مالي ، سياسيّ ، و شعبيّ ، سيّما في ظل عجم اكتراث روسيا والصين بألاعيب ترامب هذه .
ليست الخطورة في كلّ ما سبق ؛ إنّها ترتكز في سعي ترامب إلى تهيئة دول الجوار ؛ لإجتياح فصائل و قوّات إيرانيّة أو موالية لها ، في إطار خطّة الاستدراج هذه . قد يُفهم من زاوية كهذه غايات فصائل معيّنة من استهداف دول الجوار ، مع الاحتفاظ بتنبيه يتعلّق بإمكانيّة اختراق إسرائيلي لهذه الفصائل ، قد يكون إلكترونيّاً _ بالإضافة إلى العنصر الشخصي _ على غرار اختراق " البيجر ".ز
تحذيرات السفارات وحدود ميدان المواجهة
تأتي تحذيرات السفارات الأمريكيّة في دول المنطقة ؛ضمن إشارات حدود ميدان فكرة ترامب هذه ، وهي لا تنفصل عن ميدان أكراد سوريا ، التي يسعى أردوغان إلى السيطرة عليهم من خلال السلطة في سوريا ، معتقداّ أنّ ترامب يدعم فعلاً فكرةً كهذه ، ترامب الذي يشيد بأردوغان _ ونتنياهو كذلك _ ليس حبّا ؛ و إنّما نكايةً بأوباما ، يريد من الأكراد التوحّد ، لكن ليس في سوريا ، إنّما في صفّ مجابهة حزب الله ؛ الذي يعني القضاء عليه ضربة لإيران ، علاوة على الإستفادة من أكراد العراق في ذات السياق لضرب إيران بذات الطريقة . ضمن هذا السياق ؛ تُقرأ ضربات يمكن أن توجّه لمليشيا الحوثي ؛ طلبت معها السعوديّة من واشنطن تجنّب استهدافها .
حبل الشدّ هذا بين أردوغان وترامب ؛ لا يقتصر على إدراك ترامب أنّ اردوغان يلعب على كلّ الحبال ، سيّما في العلاقة مع ايران وأذرعها ، خاصّة حماس وحزب الله ، بل يحتلّ مكاناً جيّداً عندما يخصّص ترامب جهود أردوغان " للتسلّل " في فكرته التي نتحدّث عنها ، في مقابل تخصيص نتنياهو " للمجابهة " عندما يحتاج الميدان لها .
الخلاصة : الضربة التي أوقفها ترامب " بقلبه الحنون لمصلحة العالم " لم تكن واردة في باله نهائيّاً ، إلّا في حدود خدمة سياق فكرتنا لو تسنّت لها الفرصة ، لقد كان مُمكنا أن يتحمّل ترامب مسؤوليّة ضربة بسيطة ؛ لتسهيل تدخّل دول الجوار ، ويمكنه معها لجم إسرائيل عن تحرّك " ثائر عبثي " ضدّ اختناق ، فرَضَه ترامب ؛ في مقابل تثبيتها عند موقع عدم القدرة على الحسم ، ولا حتى التحرّك في أيّ اتجاه ؛ يخشى معه ترامب تهوّراً إسرائيليّاً .


