الجمعة، ٩ يناير ٢٠٢٦ في ٠٧:١٢ م

ترامب يسخر من أسلافه ويعيد كتابة التاريخ على طريقته

 

رؤساء أمريكا السابقون بين التهكم والتمجيد الانتقائي في خطاب الرئيس الأمريكي

لم يتوقف الرئيس الأمريكي دونالد ترامب منذ عودته إلى المشهد السياسي عن مهاجمة الرؤساء السابقين للولايات المتحدة، مستخدمًا أسلوبًا ساخرًا يجمع بين التهكم العلني وإعادة تفسير التاريخ بما يخدم رؤيته السياسية وشعاره الأشهر: «لنجعل أمريكا عظيمة مجددًا».

لكن السؤال الذي ظل يلاحق ترامب منذ دخوله الحياة السياسية لم يجد إجابة ثابتة حتى اليوم: متى كانت أمريكا عظيمة بالفعل في نظر ترامب؟
إجابته، كما يبدو، تتغير بتغير أولوياته السياسية.


من الحرب العالمية الثانية إلى قرن التوسع

«العظمة» وفق المزاج السياسي

في بداياته السياسية، روّج ترامب لفكرة أن الولايات المتحدة بلغت ذروة عظمتها خلال الحرب العالمية الثانية، حين خرجت قوة عظمى بلا منافس.
غير أن خطاب ولايته الثانية يشير، وفق تحليل صحيفة واشنطن بوست، إلى تحوّل لافت:
ترامب بات ينظر بإعجاب إلى مرحلة التوسع الأمريكي في القرن التاسع عشر، حين كانت القوة تُقاس بالأرض، والهيمنة تُفرض بالقوة لا بالدبلوماسية.

وتقول الصحيفة إن جزءًا كبيرًا من سياسات ترامب الحالية يعكس عقلية رؤساء تلك المرحلة، الذين لم يترددوا في توسيع النفوذ الأمريكي خارج الحدود.

Portrait of James Monroe - Wikipedia


تهكم على الرؤساء… وتمجيد حين يخدم الهدف

مفارقة ترامب التاريخية

المفارقة أن ترامب، المعروف بازدرائه العلني لأسلافه، لم يُبدِ إعجابًا إلا بثلاثة رؤساء فقط، وجمع بينهم عامل واحد:
التوسع… بالقوة أو بالقرار.

وفي مشهد لافت يعكس سخريته من الإرث الرئاسي، علّق ترامب بعد عملية فنزويلا قائلًا:

«مبدأ مونرو مهم… لكننا تجاوزناه بكثير… هل يسمونه الآن مبدأ دونرو؟»

عبارة قصيرة لكنها تختزل سخرية ترامب من التاريخ الرئاسي نفسه، ومحاولته وضع اسمه في قلب العقيدة الجيوسياسية الأمريكية.

   Gilbert Stuart - James Monroe - American - The Metropolitan Museum ...


جيمس مونرو.. عقيدة قديمة بنكهة ترامب

يُعرف الرئيس الأمريكي الخامس جيمس مونرو بعقيدته الشهيرة التي هدفت إلى منع التدخل الأوروبي في نصف الكرة الغربي.
لكن ترامب أعاد إحياء هذا المبدأ بروح هجومية، معتبرًا أنه لم يعد كافيًا.

وفي وثيقة استراتيجية الأمن القومي، أكدت إدارة ترامب نيتها «تفعيل مبدأ مونرو بنسخته الترامبية»، في إشارة واضحة إلى توسيع الهيمنة الأمريكية سياسيًا وعسكريًا.

وبعد عملية فنزويلا، قال ترامب بنبرة واثقة:

«لن يشكك أحد في الهيمنة الأمريكية في نصف الكرة الغربي… هذا لن يحدث».

  James Monroe | National Portrait Gallery


أندرو جاكسون.. الشعبوية التي يعشقها ترامب

يُعد أندرو جاكسون من أكثر الرؤساء إثارة للجدل في التاريخ الأمريكي، بسبب سياساته التوسعية وتهجيره القسري للسكان الأصليين.
ورغم هذا الإرث الدموي، فإن ترامب لا يُخفي إعجابه به.

خلال ولايته الأولى، علّق ترامب صورة جاكسون في المكتب البيضاوي، وامتدح ما وصفه بـ«شجاعته في مواجهة النخب»، قائلاً:

«لقد فعل ما فعله بقلب وطني… وكان واحدًا من أعظم رؤسائنا».

ترامب يرى في جاكسون نموذجًا لـالشعبوية الصدامية، وخفض الجهاز الفيدرالي، واستخدام الرسوم الجمركية، وهي سياسات أعاد إحياءها بقوة.


ماكينلي.. رجل الأعمال الذي انتهى اغتيالًا

أما ويليام ماكينلي، الرئيس الخامس والعشرون، فقد وجد فيه ترامب صورة قريبة من ذاته:
رجل أعمال، مؤمن بالرسوم الجمركية، وقاد أمريكا نحو التوسع عبر الحرب الإسبانية-الأمريكية.

وفي أول أيام ولايته الثانية، أعاد ترامب تسمية أعلى قمة في ألاسكا باسم «جبل ماكينلي»، متحديًا قرار باراك أوباما بإعادتها إلى اسمها الأصلي.

وفي خطاب تنصيبه، قال ترامب:

«ماكينلي جعل أمريكا غنية… كان رجل أعمال بالفطرة».

      Trump's Oval Office makeover


التاريخ كأداة سياسية

بين السخرية والانتقاء

في المحصلة، لا يتعامل ترامب مع التاريخ كرواية متكاملة، بل كمخزن سياسي:

  • يسخر من الرؤساء الذين يرمزون للدبلوماسية والليبرالية

  • ويمجّد من جسّدوا القوة، التوسع، والهيمنة

ترامب لا يهاجم الماضي فقط… بل يعيد تشكيله على مقاسه، مستخدمًا السخرية كسلاح سياسي، والتاريخ كذريعة لسياسات الحاضر.

وفي عالم ترامب، العظمة ليست لحظة تاريخية
بل قرار يُتخذ من المكتب البيضاوي.