الصين تتحرك لتأمين ناقلاتها في البحر الأحمر
أجرت الصين اتصالات مباشرة مع جماعة الحوثي في اليمن، بهدف الحصول على ضمانات بعدم مهاجمة ناقلات النفط الصينية أثناء إبحارها عبر جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب، وفقًا لما كشفته ستة مصادر مطلعة.
وجاء التحرك الصيني بعد إعلان الحوثيين، في 20 يوليو 2026، فرض ما وصفوه بحصار بحري يستهدف السفن المرتبطة بالموانئ السعودية، في خطوة أدت إلى تصاعد المخاوف الأمنية وتعطيل مسارات عدد من ناقلات النفط والسفن التجارية.
وقالت المصادر، التي كان من بينها مسؤول إيراني كبير، إن بكين طلبت بصورة مباشرة من الحوثيين تقديم تعهدات تسمح لناقلاتها بالعبور دون التعرض لهجمات بالصواريخ أو الطائرات المسيّرة.
وأكدت المصادر أن الاتصالات لم تسفر، حتى الآن، عن اتفاق عام يمنح جميع السفن الصينية ضمانًا دائمًا، وإنما يجري التنسيق بشأن مرور كل ناقلة بصورة منفصلة.
الصين من أوائل الدول التي تواصلت مع الحوثيين
كانت الصين من بين أولى الدول التي بادرت إلى التواصل المباشر مع الحوثيين عقب إعلان الحصار البحري على الموانئ السعودية، بحسب المصادر التي طلبت عدم الكشف عن هويتها بسبب حساسية الملف.
وتركزت الاتصالات على حركة الناقلات الصينية عبر مضيق باب المندب، الواقع عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر، والذي يفصل بين اليمن من الشرق وجيبوتي وإريتريا من الغرب.
ويُعد المضيق ممرًا استراتيجيًا للسفن المتجهة بين المحيط الهندي والبحر الأحمر وقناة السويس، كما تستخدمه ناقلات النفط القادمة من موانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر إلى الأسواق الآسيوية.
وتسعى بكين إلى منع تعطل إمدادات الطاقة القادمة من المنطقة، خصوصًا في ظل الاضطرابات التي أصابت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز وزادت أهمية الموانئ السعودية الواقعة على البحر الأحمر.
لماذا تحتاج الصين إلى نفط ميناء ينبع؟
تعمل الصين على الحفاظ على تدفق النفط الخام من الموانئ السعودية المطلة على البحر الأحمر، وفي مقدمتها ميناء ينبع، لتقليل تأثير نقص الإمدادات الناتج عن تعطل حركة الشحن عبر مضيق هرمز.
وتنقل السعودية كميات من النفط المنتج في شرق المملكة عبر خط أنابيب إلى ينبع، حيث يتم تحميله على الناقلات المتجهة إلى الأسواق العالمية بعيدًا عن مضيق هرمز.
وأدى التصعيد الإقليمي إلى زيادة الاعتماد على هذا المسار، لكنه أصبح بدوره معرضًا للخطر بعد إعلان الحوثيين استهداف السفن التي تحمل أو تفرغ بضائع في الموانئ السعودية.
وبالنسبة إلى الصين، التي تعد من أكبر مستوردي النفط السعودي، فإن تعطل طريق باب المندب قد يؤدي إلى تأخير الشحنات وارتفاع تكاليف النقل والتأمين، فضلًا عن زيادة الضغوط على أمن الطاقة.
موافقات حوثية لكل ناقلة صينية على حدة
قال أحد المصادر إن مسؤولين صينيين حصلوا من الحوثيين على موافقات تسمح بمرور السفن وفق آلية تعتمد على دراسة كل ناقلة بصورة منفصلة.
ولا يعني ذلك وجود اتفاق شامل يضمن سلامة جميع السفن الصينية تلقائيًا، إذ تحتاج كل سفينة إلى تنسيق مسبق قبل عبورها منطقة باب المندب.
وذكر مسؤولان إقليميان، أطلعتهما طهران على تطورات الاتصالات، أن الصين والحوثيين أبلغا الجانب الإيراني بالإجراءات التي اتفقا عليها لتنظيم مرور الناقلات.
وتشير هذه التفاصيل إلى أن إيران كانت على علم بالاتصالات، لكن المصادر لم تقل إن طهران كانت الطرف الذي قاد المفاوضات أو منح الضمانات نيابة عن الحوثيين.

هل السفن الصينية مستثناة من الحصار؟
لا يوجد إعلان رسمي يؤكد استثناء جميع السفن الصينية من تهديدات الحوثيين، إلا أن مرور عدد من الناقلات المتجهة إلى الصين يشير إلى وجود تنسيق عملي لتجنب استهدافها.
وأظهرت بيانات تتبع السفن أن ناقلتين صينيتين عملاقتين تحملان معًا نحو أربعة ملايين برميل من النفط السعودي تمكنتا من الخروج من البحر الأحمر عبر باب المندب في 23 يوليو 2026.
كما أظهر تحليل لبيانات شركة «كبلر» ومنصة «مارين ترافيك» ومجموعة بورصات لندن أن أربع ناقلات على الأقل حملت النفط من موانئ سعودية إلى الصين وعبرت باب المندب منذ إعلان الحصار الحوثي.

موقف وزارة الخارجية الصينية
لم تؤكد وزارة الخارجية الصينية رسميًا إجراء مفاوضات مباشرة مع الحوثيين، لكنها قالت إنها تتابع عن كثب التطورات الأمنية في البحر الأحمر.
وأكدت المتحدثة باسم الوزارة ماو نينغ ضرورة احترام سيادة دول المنطقة وأمنها، والحفاظ المشترك على سلامة وحرية الملاحة في الطرق البحرية الدولية.
ودعت الصين جميع الأطراف المعنية إلى معالجة الصراعات والخلافات من خلال الحوار والتشاور، والعمل على خفض التصعيد في البحر الأحمر.
ولم ترد وزارة النقل الصينية أو المكتب الإعلامي للحوثيين أو وزارة الخارجية الإيرانية على طلبات للتعليق بشأن تفاصيل الاتصالات والضمانات المقدمة للناقلات.
ناقلات صينية تغير مسارها بسبب المخاطر
على الرغم من الاتصالات بين الصين والحوثيين، دفعت المخاوف الأمنية عددًا من ناقلات النفط إلى تغيير مسارها أو التراجع عن دخول البحر الأحمر عبر باب المندب.
وقال مصدران تجاريان صينيان إن ناقلات كانت تستعد لدخول البحر الأحمر قررت تعديل مسارها، بسبب عدم اليقين بشأن سلامة العبور واحتمال تعرضها لهجوم نتيجة خطأ في تحديد هويتها أو ارتباطها بالموانئ السعودية.
وتكشف هذه التحركات أن الضمانات الفردية لم تنهِ المخاطر بالكامل، خصوصًا مع استمرار التهديدات الحوثية واتخاذ شركات الشحن قراراتها بناءً على تقييمات التأمين والأمن البحري.
ناقلتا نيو تشامبيون ونيو برايم تعودان أدراجهما
أظهر تحليل أجرته خدمة «لويدز ليست إنتليجنس»، بالاستناد إلى بيانات منصة «مارين ترافيك»، أن ناقلتي النفط العملاقتين «نيو تشامبيون» و«نيو برايم» عادتا من خليج عدن إلى المياه المفتوحة بدلًا من مواصلة الإبحار نحو البحر الأحمر.
وكان من المقرر أن تتجه الناقلة «نيو تشامبيون» إلى ميناء ينبع لتحميل النفط، بينما كانت «نيو برايم» تحمل شحنة نفط بالفعل عندما غيرت مسارها.
ولم ترد شركة «أسوشيتد ماريتيم»، التي يقع مقرها في هونج كونج وتتولى تشغيل الناقلتين، على طلب للتعليق بشأن أسباب تغيير المسار أو خطط السفينتين اللاحقة.
الحوثيون يحذرون شركات الشحن الدولية
أرسل الحوثيون رسائل عبر البريد الإلكتروني إلى شركات شحن دولية، حذروا فيها من أن السفن قد تتعرض للهجوم حال قيامها بتحميل البضائع أو تفريغها في الموانئ السعودية.
وجاءت التحذيرات ضمن الحصار البحري الذي أعلنته الجماعة في 20 يوليو 2026، والذي استهدف الضغط على السعودية وتوسيع نطاق العمليات البحرية المرتبطة بالحرب الإقليمية.
وأثارت الرسائل مخاوف الشركات من أن يشمل الاستهداف أي سفينة تعاملت مع ميناء سعودي، حتى لو لم تكن مملوكة أو مسجلة لصالح شركة سعودية.
ويزيد ذلك صعوبة تقييم المخاطر، لأن الناقلات قد تغير المالك أو المشغل أو المستأجر خلال فترة قصيرة، بينما يمكن أن تعتمد الجماعات المسلحة على بيانات قديمة بشأن تاريخ السفينة وتحركاتها.
هجمات على ناقلات نفط سعودية
قال الحوثيون إنهم شنوا هجمات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على ناقلتي النفط السعوديتين «إنسيليا» و«ليلى».
وأكدت مصادر في أمن الملاحة البحرية وقوع الهجوم على الناقلة «إنسيليا»، كما أفادت السلطات السعودية باندلاع حريق في مقدمة السفينة، مع سلامة أفراد طاقمها.
لكن لم يتسن التحقق بصورة مستقلة من الهجوم الذي قالت الجماعة إنه استهدف الناقلة «ليلى».
وأدت الهجمات والتهديدات إلى زيادة المخاوف لدى شركات الشحن، خصوصًا بالنسبة إلى السفن التي تحمل النفط من ميناء ينبع أو سبق لها التوقف في موانئ سعودية.
الفرق بين طريق باب المندب والالتفاف حول إفريقيا
تستغرق الرحلة من ميناء ينبع إلى الأسواق الآسيوية عبر جنوب البحر الأحمر ومضيق باب المندب نحو 16 يومًا في المتوسط.
أما في حال تجنب باب المندب، فقد تضطر السفينة إلى الإبحار شمالًا عبر قناة السويس إلى البحر المتوسط، ثم الدوران حول القارة الإفريقية قبل التوجه إلى آسيا، وهي رحلة قد تستغرق نحو 50 يومًا.
ويؤدي المسار الأطول إلى زيادة استهلاك الوقود وتكاليف التشغيل وأجور السفن وأقساط التأمين، إلى جانب تأخير وصول النفط إلى المصافي والمستهلكين.
ويفسر الفارق الكبير بين المسارين حرص الصين على استمرار عبور ناقلاتها من باب المندب، بدلًا من الاعتماد على طرق بديلة أكثر تكلفة وتعقيدًا.
علاقات سابقة بين الصين والحوثيين
قال مصدران مقربان من الحوثيين إن الجماعة حافظت خلال السنوات الماضية على علاقات جيدة مع الصين، وإن التنسيق بين الجانبين كان وثيقًا في بعض الملفات المرتبطة بالملاحة البحرية.
وأضاف المصدران أن التعاون شمل بصورة خاصة شحنات النفط المتجهة من السعودية إلى الصين، وهي تجارة تحرص بكين على استمرارها رغم التوترات الإقليمية.
وسبق أن مرت سفن مرتبطة بالصين عبر البحر الأحمر خلال موجات سابقة من الهجمات الحوثية، إلا أن بعض السفن الصينية تعرضت بدورها لحوادث أو تهديدات، ما أظهر أن رفع العلم الصيني لا يوفر وحده حماية مضمونة.
وتفسر هذه التجارب توجه بكين إلى طلب ضمانات مباشرة ومسبقة بدلًا من الاعتماد على تصريحات عامة بشأن عدم استهداف السفن الصينية.
ما تأثير الاتصالات الصينية على الملاحة؟
قد تؤدي الترتيبات المنفصلة بين الصين والحوثيين إلى توفير قدر من الحماية للناقلات الصينية، لكنها لا تحل أزمة الملاحة في البحر الأحمر بصورة شاملة.
فشركات الشحن من دول أخرى لا تزال تواجه تهديدات مرتبطة بتعاملاتها مع السعودية أو الولايات المتحدة أو حلفائهما، كما أن نظام الموافقات لكل سفينة قد يؤدي إلى تمييز بين الناقلات وفق جنسيتها أو وجهتها.
وقد يثير حصول الصين على معاملة خاصة تساؤلات بشأن حرية الملاحة الدولية، ومشروعية اضطرار الشركات أو الدول إلى التفاوض مع جماعة مسلحة لضمان المرور عبر مضيق دولي.
كما قد يدفع نجاح الترتيبات الصينية دولًا وشركات أخرى إلى فتح قنوات اتصال منفصلة، بدلًا من الاعتماد على قوة بحرية دولية موحدة لحماية جميع السفن.
باب المندب يتحول إلى ساحة نفوذ دولية
تكشف الاتصالات الصينية المباشرة مع الحوثيين عن تحول مضيق باب المندب إلى ساحة تتداخل فيها مصالح الطاقة والتجارة العالمية مع الصراعات الإقليمية.
فالصين تسعى إلى حماية وارداتها النفطية، والسعودية تعتمد على موانئ البحر الأحمر لتجاوز اضطرابات مضيق هرمز، بينما يستخدم الحوثيون موقعهم الجغرافي للضغط على السفن والدول المرتبطة بالمملكة والولايات المتحدة.
وفي الوقت نفسه، أظهرت بيانات «كبلر» ارتفاع عدد السفن العابرة لباب المندب إلى 39 سفينة بضائع في 28 يوليو 2026، وهو أعلى مستوى خلال أسبوع، رغم استمرار المخاطر والتهديدات.
ويشير ذلك إلى أن حركة الملاحة لم تتوقف بالكامل، لكنها أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على التقييمات الأمنية اليومية والضمانات والاتصالات السياسية.
هل تنجح الصين في حماية جميع ناقلاتها؟
لا تزال قدرة الصين على توفير حماية مستمرة لجميع ناقلاتها غير واضحة، في ظل اعتماد الترتيبات الحالية على موافقات فردية لكل سفينة.
وقد تستطيع بكين تأمين مرور الناقلات المعروفة مسبقًا والمتجهة مباشرة إلى الموانئ الصينية، لكن أي تغيير في الملكية أو التشغيل أو الوجهة قد يثير خلافًا حول هوية السفينة ومدى استفادتها من الضمانات.
كما أن مرور السفينة دون استهداف من الحوثيين لا يلغي بقية المخاطر الأمنية المرتبطة بالحرب الإقليمية أو الألغام أو الهجمات التي قد تنفذها جهات أخرى.
ويبقى نجاح الاتصالات مرهونًا باستمرار التنسيق بين بكين والحوثيين، وبقدرة الطرفين على تجنب الأخطاء وسوء الفهم في منطقة تشهد تحركات عسكرية متسارعة.


