في خطوة تجسد التداخل المتصاعد بين السياسة والرياضة على الساحة الدولية، دعا العضو البارز في البرلمان الفرنسي، إريك كوكريل، عن حزب فرنسا الأبية، الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) إلى اتخاذ قرار جريء: استبعاد الولايات المتحدة الأمريكية من استضافة كأس العالم 2026، وحصر التنظيم في البلدين الشريكين كندا والمكسيك فقط. جاءت هذه الدعوة الصادمة، التي نشرها كوكريل عبر منصة "إكس"، كـ"رد" مباشر على السياسات الدولية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي بدأت إدارته تثير جدلاً عالمياً حاداً. هذه المطالبة تطرح سؤالاً استثنائياً عن إمكانية حرمان أكبر اقتصاد في العالم من تنظيم أكبر حدث رياضي على الكوكب، قبل انطلاقه بأقل من خمسة أشهر فقط.
لائحة اتهامات طويلة: أسباب الدعوة لاستبعاد الولايات المتحدة
قدّم النائب الفرنسي، رئيس اللجنة المالية في البرلمان، سلسلة من الاتهامات الموجهة للإدارة الأمريكية الحالية كأساس لدعوته:
-
العدوانية الخارجية: اتهم الولايات المتحدة بـ "مهاجمة جيرانها" و "التهديد بغزو غرينلاند" (إشارة إلى تصريحات سابقة لترامب)، و "انتهاك القانون الدولي" و "تقويض الأمم المتحدة".
-
سياسات داخلية مثيرة للجدل: توسع في انتقاد سياسات داخلية، منها اتهامات بـ "مهاجمة المعارضة"، و "منع مشجعي نحو 15 دولة من حضور البطولة" (في إشارة محتملة لقوانين الهجرة)، و "التخطيط لحظر جميع رموز مجتمع الميم من الملاعب".
-
التساؤل الأخلاقي: صيغت هذه الاتهامات في سؤال بلاغي صادم: "بجدية، هل يُعقل إقامة كأس العالم في دولة...؟"، معتبراً أن السماح بالاستضافة في ظل هذه السياسات يمس بمصداقية البطولة وقيمها المعلنة.
الاقتراح العملي: إعادة التركيز على كندا والمكسيك
لم يقتصر كوكريل على الانتقاد، بل طرح حلاً عملياً، وإن بدا صعب التنفيذ.
-
البديل المطروح: قال كوكريل: "لا سيما أنه لا يزال من الممكن إعادة التركيز على المكسيك وكندا". وهو اقتراح يفترض قدرة البلدين على استيعاب جميع منشآت ومتطلبات البطولة بمفردهما، وهو أمر لوجستي وتنظيمي ضخم.
-
التوقيت الحرج: تأتي هذه الدعوة في توقيت بالغ الحساسية، مع متبقي أقل من خمسة أشهر على انطلاق النهائيات المقررة بين 11 يونيو و19 يوليو 2026. وهو ما يجعل أي تغيير جذرمكلفًا ومربكًا بدرجة لا تُصدق.
الواقع والاستجابة المتوقعة: هل يستمع الفيفا؟
رغم ضخامة المطالبة، يبدو المشهد العملي بعيدًا جدًا عن تبنيها.
-
استحالة التغيير عمليًا: يُعتبر تغيير مضيفي كأس العالم قبل أشهر من انطلاقه مستبعدًا إلى درجة الاستحالة من الناحية التنظيمية والعقدية والمالية. الاستثمارات في الولايات المتحدة وصلت إلى عشرات المليارات، وتم تخصيص الملاعب والبنى التحتية.
-
موقف الفيفا الثابت: من غير المتوقع أن يُغير الفيفا موقفه، خاصة أن القرار بالاستضافة الثلاثية اتخذ عام 2018 بعد حملة انتخابية. العلاقة بين رئيس الفيفا جاني إنفانتينو وترامب تبدو قوية، كما يتجلى في منح ترامب "جائزة السلام" الفيفاوية خلال قرعة المجموعات في ديسمبر الماضي.
-
الصدى السياسي: تعكس الدعوة تصاعد استخدام الرياضة كأداة للضغط السياسي في الغرب. قد تحظى بتأييد بعض الأصوات المعارضة لترامب في أوروبا، لكنها ستُعتبر على الأرجح مجرد احتجاج رمزي دون تأثير فعلي على أرض الواقع.
دعوة إريك كوكريل، رغم طابعها الرمزي وشبه المستحيل تنفيذيًا، تكشف عن عمق الشرخ السياسي والثقافي الذي تشهده العلاقات عبر الأطلسي، وتسلط الضوء على معضلة جوهرية: إلى أي مدى يجب أن تخضع الأحداث الرياضية العالمية لـ "اختبار القيم" السياسي؟ بينما يستعد العالم لكأس عالم تاريخي بثلاثة مضيفين، تذكّرنا هذه العاصفة أن الملاعب، رغم محاولات عزلتها، لم تعد حصينة ضد زوابع السياسة. الرسالة واضحة: في عصرنا، حتى كرة القدم ليست مجرد لعبة.


