.
في عدد مارس 1986 من مجلة الهلال، كتب الأديب الكبير يوسف القعيد قراءة تأملية حول معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته الثامنة عشرة، طرح فيها أسئلة جوهرية عن طبيعة المعرض، ودوره، ومستقبله الثقافي
يرى القعيد أن معرض القاهرة الدولي للكتاب يُعد أقدم مشروع ثقافي، ليس في مصر وحدها، بل في الوطن العربي كله، وربما في العالم الثالث أيضًا. ويشير إلى أنه ثالث معرض كتاب على مستوى العالم من حيث النشأة، وكان – آنذاك – مقبلًا على «سن الرشد» بعد ثلاثة أعوام. ويؤكد أن المعرض كائن حي، لا يمكن أن يتحول من معرض عادي إلى معرض خاص ومتميز بقرار إداري مفاجئ، بل عبر تراكم الخبرة والزمن
شهدت تلك الدورة مشاركة 17 دولة عربية وكانت الأولى في فترة الدكتور (هيكل) وزير الثقافة، كما كانت الأولى مع تولي الدكتور سمير سرحان رئاسة الهيئة المصرية العامة للكتاب. وتميزت كذلك بحضور لافت لكبار الكُتاب، من بينهم نجيب محفوظ، ويوسف إدريس، وسعد الدين وهبة، وهو ما أسهم في انتقال المعرض من مجرد سوق للكتاب إلى مظاهرة ثقافية حقيقية. هذا التحول انعكس على ازدياد أعداد الرواد، ودفع عددًا من الناشرين إلى المطالبة بمد فترة انعقاد المعرض
ويتوقف القعيد عند الدور الثقافي المصاحب للمعرض في دوراته السابقة، حيث كانت تُقام ندوات تناقش قضايا الطفل، والجديد في عالم ماكينات الطباعة، وأنواع الورق والأحبار، وهي عناصر أساسية في صناعة الكتاب، وبدونها لا يصل المنتج الثقافي إلى القارئ. غير أن هذه الملامح – بحسب رؤيته – بدأت تختفي منذ نقل المعرض من أرض المعارض بالجزيرة إلى أرض المعارض في مدينة نصر

ويقترح القعيد آلية بسيطة لتعميق التواصل مع الجمهور، تتمثل في توزيع استمارة لاستطلاع رأي القارئ عند دخول المعرض، تُسترد عند الخروج، لقياس مدى رضا الزائر عما عُرض عليه من كتب. كما يشير إلى وجود مسابقة لأفضل الكتب المعروضة في السابق، لكنها توقفت مع مرور الوقت
وعن جمهور المعرض، يلفت القعيد إلى أن الأعداد التي تحضر تتجاوز الآلاف، غير أن نسبة من يقصدون الكتاب ذاته تظل محدودة. ويعبر عن قلقه من تراجع فعل القراءة، رغم الرواج الظاهر في البيع والشراء. ويأسف لأن الكتب الأكثر مبيعًا غالبًا ما تكون كتب الحظ والتنجيم والجنس وعلوم الخوارق، بينما تأتي الكتب الثقافية والفكرية في مراتب متأخرة
ويختتم يوسف القعيد رؤيته بالتأكيد على أن معرض القاهرة الدولي للكتاب مشروع ثقافي ضخم وعظيم، يمتلك ماضيًا مشرقًا ومتألقًا، وأن المسؤولية تقع على عاتق الجميع لجعل مستقبله في عظمة وجمال وقوة ماضيه. فالمعرض – في نظره – مشروعنا المشترك، وأملنا المتجدد، وصلتنا الأساسية بالقارئ… تلك الصلة التي تتجدد عامًا بعد عام


