في وقت يشهد فيه النظام الدولي واحدة من أكثر مراحله اضطرابًا منذ نهاية الحرب الباردة، تتصاعد مؤشرات النهج التصادمي الذي يتبناه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، مع حلفاء تقليديين طالما شكّلوا العمود الفقري للنفوذ الغربي. وبينما تتكاثر التقارير عن توتر علاقته مع قادة أوروبا، كشف ترامب عن خطوة رمزية لكنها شديدة الدلالة، عبر نشر صورة مثيرة للجدل تحمل خريطة موسعة للولايات المتحدة، في تحدٍّ واضح للاعتراضات الدولية.
خريطة تتجاوز الجغرافيا… وتستفز الحلفاء
نشر ترامب عبر منصته الخاصة “Truth Social” صورة تبدو مولدة أو معدلة بالذكاء الاصطناعي، يظهر فيها جالسًا إلى جانب عدد من القادة الأوروبيين، بينما وُضعت بجواره خريطة للولايات المتحدة لا تقتصر على حدودها المعروفة، بل تمتد لتشمل غرينلاند وكندا وفنزويلا.
الصورة، التي أثارت عاصفة من الجدل السياسي والإعلامي، بدت نسخة معدلة من لقطة حقيقية التُقطت خلال زيارة رسمية إلى واشنطن في أغسطس/آب 2025، وشارك فيها كل من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، ورئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين.
ورغم أن الصورة لا تحمل طابعًا رسميًا، فإن توقيتها ومحتواها يعكسان رسالة سياسية متعمدة: واشنطن الجديدة لا تعترف بسقوف النفوذ التقليدية، ولا ترى في اعتراضات الحلفاء عائقًا حقيقيًا أمام طموحاتها.

كندا، فنزويلا، وغرينلاند… مشروع واحد بواجهات مختلفة
منذ عودته إلى البيت الأبيض في يناير/كانون الثاني 2025، لم يتوقف ترامب عن إثارة الجدل بتصريحات غير مسبوقة حول إعادة رسم الخريطة السياسية لأمريكا الشمالية. فقد كرر أكثر من مرة رغبته في ضم كندا لتصبح “الولاية الأمريكية الحادية والخمسين”، وفق ما نقلته مجلة نيوزويك، في طرح قوبل بسخرية رسمية في أوتاوا، لكنه كشف عن عقلية توسعية لا ترى في السيادة الوطنية خطوطًا حمراء.
وفي سياق متصل، سبق لترامب أن نشر صورة أخرى وصف فيها نفسه بـ**“الرئيس المؤقت لفنزويلا”**، وذلك عقب عملية عسكرية أمريكية أدت إلى اعتقال الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، في خطوة اعتبرها مراقبون تجاوزًا فجًا لقواعد القانون الدولي.
لكن غرينلاند تبقى جوهرة المشروع الأكثر حساسية، إذ يبرر ترامب سعيه لضم الجزيرة القطبية – التابعة للدنمارك وتتمتع بحكم ذاتي – بدواعٍ تتعلق بـالأمن القومي الأمريكي، متذرعًا بمخاطر تمدد النفوذ الروسي والصيني في القطب الشمالي.
التهديد بالقوة والعقوبات… دبلوماسية الضغط الأقصى
لم يكتفِ ترامب بالتصريحات، بل ذهب إلى أبعد من ذلك حين رفض استبعاد استخدام القوة العسكرية للسيطرة على غرينلاند، ملوحًا في الوقت نفسه بفرض رسوم جمركية عقابية على الدول الأوروبية التي تعارض خطته، في تصعيد اعتبره دبلوماسيون أوروبيون ابتزازًا سياسيًا واقتصاديًا.
وفي مقابل هذا الخطاب، أعلن قادة الاتحاد الأوروبي تضامنهم الكامل مع الدنمارك وغرينلاند، مؤكدين احترامهم للسيادة الإقليمية ورفضهم لأي تغيير قسري للحدود. غير أن منشورات ترامب الأخيرة تعكس اتساع الفجوة بين واشنطن وبروكسل، وتحول الخلاف من مجرد تباين سياسي إلى صراع إرادات علني.
صور الذكاء الاصطناعي… سياسة بلغة الرموز
لم تتوقف الاستفزازات عند صورة الخريطة الموسعة، إذ تداول أنصار ترامب صورة أخرى مولدة بالذكاء الاصطناعي، يظهر فيها الرئيس الأمريكي إلى جانب نائبه جي دي فانس ووزير الخارجية ماركو روبيو في غرينلاند، بينما يقوم ترامب بغرس العلم الأمريكي في الأرض، بجوار لافتة كُتب عليها:
“غرينلاند – ولاية أمريكية.. تأسست عام 2026”.
ورغم طابعها الدعائي، يرى محللون أن هذه الصور تُستخدم كأداة تهيئة نفسية للرأي العام الأمريكي، واختبار لردود الفعل الدولية، قبل الانتقال إلى خطوات أكثر واقعية.
رد غرينلاند… رفض قاطع بلا مواربة
في مواجهة هذا التصعيد، خرج رئيس وزراء غرينلاند ينس فريدريك نيلسن بتصريح واضح لا يحتمل التأويل، مؤكدًا أن:
“غرينلاند لا ترغب في أن تُحكم من قبل الولايات المتحدة، ولا ترغب في أن تكون جزءًا من الولايات المتحدة”.
تصريح يعكس إجماعًا داخليًا في الجزيرة على رفض الطموحات الأمريكية، ويضع مشروع ترامب أمام معضلة سياسية وأخلاقية، تتجاوز حسابات القوة العسكرية والاقتصادية.
ما وراء الخريطة… عالم يتجه نحو منطق القوة
في المحصلة، لا يمكن قراءة تحركات ترامب الأخيرة بمعزل عن السياق الدولي الأوسع: عالم يشهد تراجعًا لقواعد النظام الليبرالي، وصعودًا لسياسات فرض الأمر الواقع. فالصورة التي نشرها الرئيس الأمريكي ليست مجرد عمل دعائي، بل إعلان نوايا يعكس رؤية ترى في التوسع والسيطرة وسيلة لحماية المصالح، حتى لو جاء ذلك على حساب التحالفات التاريخية.
وبين رفض الحلفاء الأوروبيين، ورفض غرينلاند الصريح، يبقى السؤال مفتوحًا:
هل تمضي واشنطن في مشروعها حتى النهاية، أم تتحول هذه الخرائط الافتراضية إلى أزمة حقيقية تهز استقرار النظام الدولي؟


