انتشال مئات الجثث من تحت أنقاض غزة.. الأمم المتحدة تحذر من أدلة محتملة على «جرائم حرب»
أعاد انتشال مئات الجثث والرفات البشرية من تحت أنقاض المباني المدمرة في قطاع غزة ملف العمليات العسكرية الإسرائيلية إلى واجهة التحقيقات الدولية، بعدما قال مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك، اليوم الثلاثاء 15 سبتمبر 2026، إن الاكتشافات الجديدة تثير مجددًا مخاوف من احتمال ارتكاب جرائم حرب.
وتزداد حساسية القضية مع إعلان الدفاع المدني الفلسطيني انتشال رفات أكثر من 630 شخصًا منذ نوفمبر 2025، بينما تشير تقديرات فلسطينية إلى أن أكثر من 8 آلاف شخص ربما ما زالوا تحت الأنقاض.
عائلات بأكملها تظهر من تحت الركام
قال تورك إن عمليات البحث تكشف رفات أشخاص يبدو أن بعضهم ينتمي إلى عائلات كاملة، وإن بين الضحايا أعدادًا كبيرة من النساء والأطفال.
واعتبر أن ما يظهر الآن يؤكد أسوأ مخاوف أسر ظلت لسنوات تبحث عن أقاربها المفقودين.
لكن الأخطر في تصريحات المسؤول الأممي هو اعتقاده بأن ما عُثر عليه حتى الآن ربما يمثل جزءًا صغيرًا فقط من الحجم الحقيقي للمأساة، في ظل الدمار الواسع الذي لحق بأحياء كاملة في القطاع.
لماذا عاد الحديث عن جرائم الحرب؟
يربط تورك الاكتشافات الجديدة بتقرير سابق أصدرته الأمم المتحدة عام 2024 بشأن عدد من الضربات الإسرائيلية على مبانٍ سكنية ومواقع مدنية خلال الأسابيع الأولى للحرب.
وخلص ذلك التحقيق إلى وجود أسباب تدعو إلى القلق من احتمال عدم احترام بعض الهجمات لقواعد القانون الدولي الإنساني. والاكتشافات الجديدة لا تمثل في حد ذاتها حكمًا قضائيًا بأن جرائم حرب وقعت بالفعل، لكنها قد توفر معلومات وأدلة تحتاج إلى التحقيق والحفظ والفحص الجنائي.
وهذا التفريق ضروري: الأمم المتحدة تتحدث عن مخاوف وشبهات تستوجب التحقيق، وليس عن حكم قضائي نهائي بإدانة إسرائيل في كل حالة من الحالات المكتشفة.

61 مليون طن من الأنقاض
حجم المهمة أمام فرق الإنقاذ هائل.
فوفق تقديرات الأمم المتحدة، خلفت الحرب نحو 61 مليون طن من الأنقاض والحطام في غزة، وقد تستغرق عملية إزالتها نحو سبع سنوات.
وتقول فرق الدفاع المدني الفلسطيني إنها انتشلت أكثر من 630 جثة ورفاتًا منذ نوفمبر 2025، بينما لا يزال آلاف المفقودين تحت المباني المدمرة.
وهذا يعني أن إزالة الأنقاض لم تعد مجرد عملية لإعادة الإعمار، وإنما أصبحت أيضًا عملية بحث عن مفقودين ومقابر محتملة ومسرحًا قد يحتوي على أدلة جنائية.
الأمم المتحدة تحذر من ضياع الأدلة
لهذا السبب طالب تورك بالسماح للمحققين الدوليين بالوصول إلى جميع أنحاء قطاع غزة للمساعدة في جمع الأدلة وحفظها، خاصة مع وجود إجراءات قانونية دولية تبحث سلوك أطراف الحرب.
وكانت المقررة الأممية الخاصة المعنية بالأراضي الفلسطينية فرانشيسكا ألبانيزي قد شددت كذلك على ضرورة جمع الأدلة والتعرف على رفات الضحايا قبل إزالة الأنقاض بالكامل.
وهذه المسألة قد تصبح شديدة الأهمية مستقبلًا؛ فإزالة مبنى مدمر بالجرافات قبل توثيق موقع الجثث وبقايا الذخائر وطبيعة الدمار قد تؤدي إلى فقدان مواد يمكن أن تساعد المحققين في إعادة بناء ما حدث.
اتهام للجرافات الإسرائيلية
ووجه تورك اتهامًا آخر لإسرائيل يتعلق بالمناطق التي ما زالت قواتها موجودة فيها، قائلًا إن عمليات الهدم والتجريف مستمرة في بعض المواقع دون مراعاة كافية لاحتمال وجود جثث تحت الأنقاض.
ولم ترد السلطات الإسرائيلية فورًا على هذه الاتهامات، بحسب رويترز.
لماذا يصعب التعرف على الجثث؟
المشكلة لا تتوقف عند الوصول إلى الأنقاض.
قال أجيت سونجاي، ممثل مكتب الأمم المتحدة لحقوق الإنسان في الأراضي الفلسطينية المحتلة، إن القيود الإسرائيلية المفروضة على دخول معدات، بينها أدوات فحص الحمض النووي والحفارات، تعرقل عمليات البحث وانتشال الجثث وتحديد هويات الضحايا.
وأضاف أن بعض الفرق الفلسطينية تضطر في حالات إلى الحفر بين الركام بأيديها.
إسرائيل لم ترد فورًا على هذه الاتهامات المحددة، بينما سبق لوحدة تنسيق أعمال الحكومة في المناطق «كوغات» أن بررت قيودًا على بعض المواد بإمكانية استخدامها لأغراض عسكرية.
إسرائيل ترفض اتهامات استهداف المدنيين
في المقابل، ترفض إسرائيل بصورة متكررة الاتهامات بأنها تتعمد استهداف المدنيين، وتقول إن عملياتها في غزة نُفذت وفق القانون الدولي وإنها اتخذت إجراءات لتقليل الخسائر بين المدنيين.
كما تتهم إسرائيل حركة حماس بالعمل من مناطق مدنية مكتظة واستخدام المدنيين دروعًا بشرية، وهو اتهام تنفيه حماس.
وبحسب الأرقام الإسرائيلية، أدى هجوم حماس والجماعات الفلسطينية في 7 أكتوبر 2023 إلى مقتل نحو 1200 شخص وأسر 251 رهينة.
وفي الجانب الفلسطيني، تقول السلطات الصحية في غزة إن الحملة العسكرية الإسرائيلية أودت بحياة أكثر من 73 ألف فلسطيني.
وقف إطلاق النار لم ينهِ الضربات
دخل وقف إطلاق النار الذي توسطت فيه الولايات المتحدة حيز التنفيذ في أكتوبر 2025، منهيا القتال واسع النطاق، لكنه لم يوقف جميع الضربات الإسرائيلية.
ومنذ ذلك الحين يتبادل الطرفان الاتهامات بانتهاك الاتفاق.
وهذا يجعل عملية انتشال الجثث وإزالة الأنقاض أكثر تعقيدًا، خصوصًا في المناطق التي ما زالت تشهد نشاطًا عسكريًا أو تخضع لقيود على الوصول.

أنقاض غزة تتحول إلى ملف أدلة
أخطر ما في التطورات الجديدة أنها تغير طبيعة ملف الأنقاض.
خلال الحرب كان الركام يُنظر إليه أساسًا باعتباره نتيجة للدمار الهائل وأزمة إنسانية وإعادة إعمار. أما الآن، فكل مبنى تبدأ فرق الإنقاذ في إزالته يمكن أن يحتوي على رفات مفقودين، أو بقايا ذخائر، أو معلومات تساعد على تحديد طبيعة الهجوم الذي دمر المبنى.
ومن هنا يأتي إصرار الأمم المتحدة على دخول محققين دوليين قبل إزالة مساحات واسعة من الركام.
فالتحقيق في ضربة حدثت قبل عامين أو ثلاثة يحتاج إلى إعادة بناء دقيقة للواقعة: أين كان المدنيون؟ ما الهدف العسكري المفترض؟ ما نوع السلاح المستخدم؟ ما حجم الضرر المتوقع؟ وهل كانت هناك احتياطات ممكنة لتقليل الخسائر؟
وجود الجثث ومواقعها داخل المبنى يمكن أن يصبح جزءًا من هذه الصورة.
8 آلاف مفقود قد يغيرون حجم الملف
إذا كانت التقديرات الفلسطينية بشأن وجود أكثر من 8 آلاف شخص تحت الأنقاض قريبة من الواقع، فإن عمليات البحث قد تستمر لفترة طويلة جدًا.
كما أن العثور على مئات أو آلاف الجثث الإضافية قد يؤدي إلى مراجعة بعض أرقام ضحايا الحرب، لأن المفقودين الذين لم يُعثر عليهم سابقًا قد يتم التعرف عليهم تدريجيًا.
لكن الرقم 8 آلاف يظل في الوقت الراهن تقديرًا للسلطات الفلسطينية، وليس حصيلة لجثث تم العثور عليها والتحقق منها.
هل الجثث دليل على جريمة حرب؟
ليس وحدها.
وجود مدنيين قتلى تحت مبنى دمرته غارة لا يكفي قانونيًا بمفرده لإثبات جريمة حرب.
لكن الموقع، وعدد الضحايا، وهويتهم، وطبيعة الهدف، والسلاح المستخدم، والمعلومات التي كانت متاحة للقوات وقت تنفيذ الهجوم، ومدى التناسب بين الخسائر المدنية المتوقعة والميزة العسكرية المتوقعة، كلها قد تدخل في التحقيق.
ولهذا تستخدم الأمم المتحدة صياغة دقيقة: الاكتشافات تعيد إثارة المخاوف بشأن احتمال وقوع جرائم حرب، وليس أنها أثبتتها بالفعل.
من الأنقاض إلى المحاكم؟
هذا هو البعد الذي يجعل التطورات الحالية تتجاوز الجانب الإنساني.
تورك أشار صراحة إلى وجود إجراءات قانونية جارية تتناول السلوك خلال الحرب، وطالب بتمكين المحققين الدوليين من الوصول إلى القطاع للمساعدة في حفظ الأدلة.
وبالتالي فإن السباق في غزة لم يعد فقط بين إزالة الأنقاض وإعادة الإعمار، وإنما بين إزالة الركام والحفاظ على ما قد يوجد داخله من أدلة قبل اختفائها.
ولهذا قد تصبح طريقة التعامل مع ملايين الأطنان من الحطام واحدة من أهم قضايا مرحلة ما بعد الحرب.


