اغتيال رجل دين سني بارز في إيران.. هل هناك محاولة لإشعال فتنة داخلية بعد الحرب؟
دخلت إيران، الاثنين 14 سبتمبر 2026، على خط تطور أمني شديد الحساسية بعد مقتل مولوي يوسف كوركيج، أحد رجال الدين السنة البارزين في جنوب شرق البلاد، برصاص مسلحين مجهولين، في واقعة قد تتجاوز أبعادها الجريمة الجنائية العادية إلى رسائل سياسية وطائفية شديدة الخطورة.
وكشفت وكالة أنباء الجمهورية الإسلامية الإيرانية الرسمية "إرنا" أن كوركيج قُتل برصاص مسلحين مجهولين، بينما نقلت عن مسؤول محلي وصفه بأنه كان ناشطًا في مواجهة "العناصر المثيرة للانقسام والصهيونية"، وهو ما يشير إلى أن الرجل كان قريبًا من خطاب الدولة الإيرانية ومؤيدًا لها.
وحتى الآن، لم تعلن أي جماعة مسؤوليتها عن الهجوم، ولم تكشف السلطات الإيرانية هوية المنفذين أو دوافعهم، ما يجعل أي حديث قاطع عن الجهة التي تقف وراء الاغتيال سابقًا لأوانه.
من هو مولوي يوسف كوركيج؟
بحسب الإعلام الإيراني، كان مولوي يوسف كوركيج رجل دين سنيًا بارزًا في جنوب شرق إيران.
واللافت في الرواية الرسمية ليس فقط مكانته الدينية، وإنما وصف أحد المسؤولين المحليين له بأنه كان ناشطًا ضد "الانقسام" و"الصهيونية"، وهي صياغة تحمل دلالة سياسية واضحة في السياق الإيراني الحالي.
فهذا الوصف يضع الرجل في موقع مختلف عن رجال دين معارضين للنظام، ويشير إلى أنه كان أقرب إلى التيار السني المتعاون مع الدولة الإيرانية أو الداعم لمواقفها العامة.
وهنا تزداد حساسية عملية الاغتيال.
لماذا يمثل اغتياله تطورًا حساسًا؟
إيران دولة ذات أغلبية شيعية، لكنها تضم أقليات سنية كبيرة، خصوصًا في المناطق الحدودية.
وأي استهداف لشخصية دينية سنية بارزة يمكن أن يحمل تأثيرًا يتجاوز الضحية نفسها، خاصة إذا بدأ تداول روايات طائفية أو سياسية متعارضة حول دوافع العملية.
ومن هنا، فإن أخطر سيناريو ليس فقط وقوع اغتيال، بل تحويله إلى شرارة للاستقطاب بين السنة والشيعة أو بين الدولة ومكونات محلية في المناطق الحدودية.
هل هناك محاولة لإثارة فتنة طائفية؟
هذا الاحتمال مطروح تحليليًا، لكنه لم يثبت حتى الآن.
فلا توجد حتى اللحظة جهة أعلنت مسؤوليتها، ولا توجد أدلة منشورة تربط الاغتيال بمخطط طائفي منظم.
لكن اختيار شخصية دينية سنية مؤيدة للدولة، وفي توقيت تشهد فيه إيران ضغوطًا عسكرية وأمنية كبيرة، يجعل فرضية محاولة ضرب التماسك الداخلي واحدة من الاحتمالات التي ستنظر إليها الأجهزة الإيرانية بجدية.
والأهم أن استهداف رجل دين سني محسوب على الخط الرسمي يمكن أن يكون أكثر تأثيرًا من استهداف شخصية حكومية مباشرة، لأن العملية قد تخلق توترًا داخل بيئة اجتماعية ودينية حساسة.

التوقيت بعد الحرب يزيد حساسية العملية
يأتي الاغتيال في لحظة إقليمية شديدة الاضطراب.
فإيران لا تزال منخرطة في مواجهة واسعة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، فيما شهد الخليج ومضيق هرمز خلال الأيام الأخيرة هجمات متبادلة واضطرابات كبيرة في الملاحة والطاقة.
وفي مثل هذه الظروف، تصبح الجبهة الداخلية شديدة الأهمية.
فالدول التي تخوض صراعًا خارجيًا تحاول عادة منع انتقال الضغوط إلى الداخل عبر احتجاجات أو انقسامات أو مواجهات طائفية.
ولهذا فإن أي حادث أمني يستهدف شخصية دينية بارزة يمكن أن يُقرأ من منظور أوسع يتعلق بـ الحرب النفسية ومحاولات إنهاك الدولة من الداخل.
هل فشلت الحرب الخارجية فاتجه الصراع إلى الداخل؟
لا توجد أدلة تسمح حاليًا بالقول إن اغتيال كوركيج كان نتيجة مباشرة لـ"فشل الحرب" أو أنه جزء من خطة خارجية مؤكدة.
لكن من الناحية الاستراتيجية، نقل الضغط من الجبهة العسكرية إلى الداخل الإيراني سيكون خيارًا منطقيًا لأي خصم يسعى إلى إضعاف طهران دون الدخول في مواجهة تقليدية مفتوحة.
وتشمل أدوات هذا النوع من الصراع:
اغتيال شخصيات مؤثرة، استهداف مناطق ذات حساسيات قومية أو مذهبية، إثارة اضطرابات أمنية، دعم مجموعات انفصالية أو مسلحة، أو نشر روايات تهدف إلى زيادة الانقسام المجتمعي.
لكن الربط بين حادث كوركيج وأي من هذه الأدوات يحتاج إلى أدلة استخباراتية أو تحقيق رسمي لم تظهر حتى الآن.
واقعة ثانية خلال أيام
ويكتسب الحادث أهمية إضافية عند وضعه بجانب اغتيال رجل دين سني آخر قبل أيام في غرب إيران.
ففي 9 سبتمبر، أفادت تقارير بمقتل رجل الدين السني الشيخ محمد نزهتي في محافظة أذربيجان الغربية، بعد هجوم مسلح على منزله.
وفي تلك الواقعة، تحدثت تقارير عن اتهامه بالتعاون مع الحرس الثوري، ونُسب الهجوم إلى جماعة كردية مسلحة وفق مصادر نقلتها وسائل إعلام.
ولا توجد حتى الآن معلومات تثبت وجود رابط مباشر بين الحادثين، لكن وقوع اغتيالين لشخصيتين سنيتين خلال فترة قصيرة يستحق الانتباه أمنيًا.
هل يجري استهداف رجال الدين السنة المؤيدين لطهران؟
هذه فرضية مهمة لكنها ما زالت بحاجة إلى إثبات.
فالجامع بين الحالتين هو أن كلا الرجلين وُصف بأنه قريب أو متعاون مع مؤسسات الدولة الإيرانية.
إذا تكرر هذا النمط، فقد يكون الهدف ليس استهداف السنة بصفتهم الطائفية، وإنما استهداف شخصيات سنية تؤدي دورًا في احتواء التوتر بين الدولة والمجتمعات المحلية.
وفي هذه الحالة، سيكون الهدف المحتمل هو ضرب قنوات التواصل بين الحكومة والأقليات، وليس مجرد تنفيذ اغتيالات فردية.
جنوب شرق إيران نقطة شديدة الحساسية
المناطق الجنوبية الشرقية من إيران لها خصوصية أمنية وجغرافية.
فهي مناطق حدودية بعيدة نسبيًا عن المركز، وتوجد فيها تركيبة مذهبية وقومية مختلفة عن قلب إيران، كما شهدت عبر السنوات نشاط جماعات مسلحة واحتجاجات وتوترات مع السلطات.
ولهذا فإن اغتيال شخصية دينية بارزة هناك يمكن أن تكون له تداعيات أكبر من حادث مماثل في منطقة أكثر استقرارًا.
سيناريوهات من يقف خلف الاغتيال
في غياب نتائج التحقيق، يمكن الحديث عن عدة احتمالات فقط دون الجزم بأي منها.
الاحتمال الأول أن يكون الهجوم مرتبطًا بجماعة مسلحة محلية معارضة للدولة.
الاحتمال الثاني أن يكون مرتبطًا بصراع داخلي أو خلافات محلية.
الاحتمال الثالث أن يكون جزءًا من محاولة أوسع لزعزعة الاستقرار في المناطق ذات الأغلبية السنية.
أما السيناريو الأخطر، فهو وجود دعم أو توجيه خارجي بهدف خلق ضغط داخلي متزامن مع الحرب الإقليمية.
لكن حتى الآن، لا يوجد دليل معلن يؤكد أيًا من هذه السيناريوهات.
لماذا قد يكون رجل دين سني هدفًا استراتيجيًا؟
الشخصيات الدينية المحلية تتمتع أحيانًا بنفوذ لا تمتلكه المؤسسات الرسمية.
فهي تستطيع التأثير في المجتمع، وتهدئة التوترات، ونقل رسائل الدولة، أو منع تحول الخلافات المحلية إلى مواجهات واسعة.
ومن ثم، فإن استهداف رجل دين تربطه علاقة جيدة بالحكومة يمكن أن يؤدي إلى فراغ داخل المجتمع المحلي، ويزيد من مساحة الحركة أمام الجماعات الأكثر تشددًا أو المعارضة للدولة.
إيران تواجه حربًا من نوع مختلف
المشهد الإقليمي الحالي يُظهر أن الحرب لم تعد تعتمد فقط على الصواريخ والطائرات.
هناك أيضًا صراع على الممرات البحرية، وضغوط اقتصادية، وحرب معلومات، وعمليات أمنية غير معلنة.
وخلال الأيام الأخيرة، شهدت المنطقة تصعيدًا شمل هجمات على سفن وبنية تحتية للطاقة، إضافة إلى استمرار الصراع حول مضيق هرمز.
وفي هذا السياق، تصبح قدرة إيران على حماية جبهتها الداخلية عنصرًا أساسيًا في قدرتها على مواصلة المواجهة الخارجية.
الرسالة الإيرانية الأولية
وصف المسؤول المحلي كوركيج بأنه كان ناشطًا ضد "العناصر المثيرة للانقسام والصهيونية" ليس تفصيلًا عابرًا.
هذه الصياغة قد تكون بداية لتفسير رسمي يضع الاغتيال في سياق مواجهة مع قوى تسعى إلى زعزعة الاستقرار.
لكن من المهم انتظار نتائج التحقيق قبل اعتبار هذا التوصيف دليلًا على هوية المنفذين.

هل ينجح الاغتيال في إشعال فتنة؟
يتوقف ذلك بدرجة كبيرة على طريقة تعامل السلطات والقيادات الدينية المحلية مع الحادث.
إذا تمكنت الحكومة من الكشف سريعًا عن الجناة وتقديم رواية مدعومة بالأدلة، فقد تحد من انتشار الشائعات.
أما إذا بقيت هوية المنفذين مجهولة لفترة طويلة، فقد تظهر روايات متنافسة تحاول كل جهة استخدامها سياسيًا أو طائفيًا.
وهنا يصبح الغموض نفسه عنصر خطر.
قراءة أوسع: الحرب تنتقل إلى الأعصاب الداخلية
يمكن النظر إلى العملية، إذا ثبت ارتباطها بالصراع الإقليمي، باعتبارها جزءًا من مرحلة جديدة لا يكون الهدف فيها هزيمة الجيش الإيراني مباشرة، وإنما رفع كلفة الحرب داخليًا.
فإثارة اضطرابات في المناطق الحدودية أو استهداف شخصيات مجتمعية مؤثرة قد تجبر طهران على توزيع مواردها الأمنية بين الجبهة الخارجية والجبهة الداخلية.
وهذا النوع من الاستنزاف يمكن أن يكون أكثر فاعلية على المدى الطويل من المواجهة العسكرية التقليدية.
شخصية تواجه "الانقسام والصهيونية"
مقتل مولوي يوسف كوركيج يمثل حادثًا أمنيًا مهمًا ليس فقط لأنه رجل دين سني بارز، وإنما لأن الإعلام الإيراني قدمه باعتباره شخصية تواجه "الانقسام والصهيونية" ومؤيدة للدولة.
حتى الآن، لا توجد معلومات مؤكدة عن منفذي الاغتيال أو دوافعهم، ولم تعلن أي جهة مسؤوليتها.
لكن التوقيت، ومكان العملية، وهوية الضحية، ووقوع حادث مشابه لرجل دين سني آخر قبل أيام، كلها عوامل تجعل الأجهزة الإيرانية تنظر إلى إمكانية وجود محاولة لاستغلال الانقسامات الداخلية بجدية.
لذلك فإن العنوان التحليلي الأدق ليس الجزم بأن هناك "محاولة لإثارة الفتنة"، وإنما:
«اغتيال رجل دين سني بارز في إيران.. هل بدأت محاولات نقل الحرب إلى الداخل وإثارة الانقسام؟»


