أعاد تقدم الحوثيين في اليمن وسيطرتهم على مواقع استراتيجية مطلة على البحر الأحمر وباب المندب رسم جانب مهم من ميزان القوى الإقليمي، بعدما باتت الجماعة المتحالفة مع إيران تملك قدرة أكبر على الضغط على حركة الملاحة وصادرات النفط، في وقت تشهد فيه المنطقة أزمة متصاعدة حول مضيق هرمز.
ويضع هذا التطور السعودية ودول الخليج أمام معادلة أكثر تعقيدًا؛ فإما الاستمرار في تحمل التكاليف الاقتصادية والأمنية المتزايدة، أو البحث عن تفاهمات مباشرة مع إيران لحماية تدفقات الطاقة والتجارة.
الحوثيون يفتحون جبهة ضغط ثانية عند باب المندب
من خلال السيطرة على مواقع تطل على مضيق باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، بات الحوثيون يمتلكون ورقة ضغط إضافية في مواجهة السعودية وحلفائها.
ويكتسب الأمر أهمية أكبر بعدما اضطرت الرياض إلى تحويل جزء من صادراتها النفطية بعيدًا عن مضيق هرمز، في ظل اضطراب حركة الملاحة هناك.
لكن سيطرة الحوثيين قرب البحر الأحمر تعني أن المسار البديل نفسه أصبح معرضًا للضغط والتهديد.
البحر الأحمر يتحول إلى ورقة استراتيجية
يربط باب المندب البحر الأحمر بخليج عدن والمحيط الهندي، وهو ممر رئيسي للتجارة العالمية وشحنات الطاقة.
ومن ثم فإن امتلاك الحوثيين قدرة أكبر على تهديد الملاحة في هذه المنطقة يمنحهم نفوذًا يتجاوز حدود اليمن.
وقال فواز جرجس، المحلل المتخصص في شؤون الشرق الأوسط، إن السيطرة الحوثية على الجزر والمواقع الاستراتيجية قرب باب المندب تمثل تغييرًا كبيرًا في قواعد اللعبة، لأنها تمنح الجماعة نفوذًا جيوسياسيًا واقتصاديًا أكبر في مواجهة السعودية ودول الخليج والولايات المتحدة.

إيران من هرمز والحوثيون من باب المندب
تكمن خطورة التطورات الجديدة في تزامن الضغط في ممرين بحريين شديدي الأهمية.
فبينما تسيطر إيران على جانب رئيسي من معادلة مضيق هرمز، يستطيع الحوثيون ممارسة ضغوط على الملاحة في باب المندب والبحر الأحمر.
ويعني ذلك أن صادرات الطاقة الخليجية قد تواجه ضغوطًا من جهتين في الوقت نفسه.
تهديد أسعار النفط والتضخم العالمي
يرى مسؤولون ومحللون في المنطقة أن استمرار الضغوط على هرمز وباب المندب قد يؤدي إلى ارتفاع أسعار النفط وزيادة تكاليف النقل والتأمين البحري.
ومن شأن ذلك أن ينعكس على التضخم العالمي، خصوصًا إذا انخفضت قدرة دول الخليج على تصدير النفط والغاز بصورة منتظمة.
السعودية أمام معادلة صعبة
كانت الرياض قد حولت جزءًا مهمًا من صادرات النفط إلى موانئ البحر الأحمر بعدما تعطلت حركة الملاحة عبر مضيق هرمز.
لكن المملكة أغلقت لاحقًا خط أنابيب ينقل الخام إلى البحر الأحمر بعد تعرضه لهجوم، ما زاد من تعقيد المشهد.
وأصبح السؤال الرئيسي بالنسبة للسعودية ودول الخليج هو ما إذا كانت المواجهة المفتوحة مع إيران وحلفائها قابلة للاستمرار اقتصاديًا وأمنيًا.
هل يصبح التفاوض مع إيران ضرورة؟
أفادت مصادر في المنطقة بأن ارتفاع تكلفة المواجهة، إلى جانب محدودية التدخل العسكري الأمريكي المباشر، يدفع بعض العواصم الخليجية إلى إعادة تقييم علاقتها مع طهران.
ويشير ذلك إلى تحول محتمل في التفكير الخليجي، من الاعتماد الكامل على واشنطن إلى تبني مسارات تفاوضية مباشرة مع إيران.
ويرى محللون أن القضية لم تعد مرتبطة بالثقة في طهران بقدر ارتباطها بحماية المصالح الاقتصادية واستمرار تدفقات النفط والتجارة.
اجتماع في عُمان بشأن مضيق هرمز
من المنتظر أن يلتقي وزراء خارجية عدد من دول الخليج بنظيرهم الإيراني عباس عراقجي في سلطنة عُمان، ضمن جهود للتوصل إلى ترتيبات بشأن الملاحة في مضيق هرمز.
وبحسب المصادر، من المتوقع مشاركة السعودية وقطر والإمارات والعراق، إلى جانب الكويت، في حين لا يُتوقع حضور البحرين.
السعودية تشارك في المحادثات
من المنتظر أن يمثل السعودية وزير الخارجية الأمير فيصل بن فرحان.
وتستهدف المحادثات بحث آلية مؤقتة لإدارة حركة الملاحة في مضيق هرمز، إلى جانب إمكانية وضع ترتيبات طويلة الأمد.
ويشير هذا التحرك إلى أن الحوار مع إيران أصبح جزءًا أساسيًا من الحسابات الخليجية الجديدة.
الإمارات وإيران.. رسائل تهدئة
وفي سياق التحركات السياسية، أعلن الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان أنه أجرى محادثات وصفها بالجيدة مع ولي عهد أبوظبي الشيخ خالد بن محمد بن زايد آل نهيان على هامش قمة دولية في نيودلهي.
وقال بزشكيان إن الجانبين اتفقا على تجاوز خلافات الماضي والنظر في كيفية بناء مستقبل مشترك.
وتعكس هذه التصريحات اتجاها نحو إبقاء قنوات الاتصال بين طهران ودول الخليج مفتوحة.
الجغرافيا تفرض إيران على معادلة الخليج
تكشف التطورات الحالية حقيقة استراتيجية يصعب تجاهلها؛ وهي أن الموقع الجغرافي لإيران يجعلها طرفًا أساسيًا في أمن الطاقة والملاحة في الخليج.
فإيران تقع بمحاذاة أحد أهم طرق تصدير النفط في العالم، ما يمنحها تأثيرًا مباشرًا على حركة السفن والطاقة.
وبغض النظر عن الخلاف السياسي بين طهران وعواصم الخليج، يظل وجود إيران عنصرًا لا يمكن استبعاده من أي ترتيبات أمنية مستقبلية.

تقدم الحوثيين يكشف استراتيجية إيران التدريجية
يرى محللون أن تقدم الحوثيين لا يمثل تطورًا منفصلًا عن الاستراتيجية الإقليمية الأوسع لإيران.
وقال أليكس فاتانكا، من معهد الشرق الأوسط، إن دول الخليج قد تجد نفسها مضطرة إلى التوصل إلى تفاهمات مباشرة مع طهران، خصوصًا إذا لم تستطع واشنطن إنهاء الصراع سريعًا.
وأضاف أن بعض الدول الخليجية قد تتجه إلى اتباع دبلوماسية موازية تقلل تدريجيًا اعتمادها الكامل على الولايات المتحدة.
الحوثيون من صنعاء إلى البحر الأحمر
يعود الصراع بين الحوثيين والسعودية إلى سنوات طويلة سبقت المواجهة الحالية بين الولايات المتحدة وإيران.
وسيطر الحوثيون على صنعاء عام 2014، قبل أن تتدخل السعودية عسكريًا في اليمن في العام التالي ضمن تحالف إقليمي.
ورغم سنوات من الغارات الجوية والمعارك، نجحت الجماعة في الحفاظ على قدراتها العسكرية وتطويرها.
الحوثيون يتحولون إلى أقوى حلفاء إيران الإقليميين
برز الحوثيون خلال السنوات الأخيرة بوصفهم أحد أكثر حلفاء إيران قدرة على العمل العسكري المباشر.
واستخدمت الجماعة موقع اليمن الاستراتيجي للتأثير في الملاحة بالبحر الأحمر وباب المندب، ما منحها أهمية تتجاوز حدود الصراع اليمني.
وقال آرون ديفيد ميلر، المفاوض الأمريكي السابق، إن الحوثيين لا يمثلون مجرد حليف تقليدي لطهران، إذ يستطيعون تحويل الجغرافيا إلى سلاح والتأثير في الاقتصاد العالمي وأسواق النفط.
«لعبة شطرنج» إيرانية في المنطقة
وصف مسؤول إقليمي السياسة الإيرانية بأنها أقرب إلى لعبة شطرنج تعتمد على التحرك التدريجي بدل استخدام جميع أوراق الضغط في وقت واحد.
وأوضح أن طهران تحاول الاحتفاظ بعدة أدوات للتأثير، مع استخدام كل ورقة في اللحظة التي تحقق فيها أكبر مكسب سياسي أو اقتصادي.
وأشار إلى أن الحوثيين يمثلون حاليًا أحد أبرز حلفاء إيران الذين ما زالوا يتمتعون بقدرات عملياتية كبيرة.
واشنطن تدفع الخليج لإعادة حساباته
في الوقت نفسه، يرى مسؤولون خليجيون أن الضغوط الاقتصادية التي تفرضها الولايات المتحدة على إيران تحقق تأثيرًا على طهران، لكنها تخلق أيضًا نتائج غير مقصودة.
ومن بين هذه النتائج دفع بعض شركاء واشنطن في الخليج إلى التساؤل عن مدى استدامة المواجهة الطويلة مع إيران.
وقد يؤدي ذلك إلى إعادة صياغة السياسة الأمنية الخليجية بحيث تجمع بين الشراكة مع الولايات المتحدة والتفاهم المباشر مع طهران.
باب المندب وهرمز يعيدان رسم مستقبل المنطقة
تكشف التطورات الأخيرة أن الصراع لم يعد يدور فقط حول السيطرة على الأراضي أو النفوذ السياسي، وإنما حول التحكم في شرايين التجارة والطاقة العالمية.
فمن مضيق هرمز إلى باب المندب، تستطيع إيران وحلفاؤها ممارسة ضغوط تمتد آثارها إلى أسواق النفط والاقتصاد العالمي.
وفي المقابل، تجد السعودية ودول الخليج نفسها أمام خيارات أكثر تعقيدًا: الاستمرار في المواجهة وتحمل تكلفتها، أو بناء تفاهمات جديدة مع إيران تضمن قدرًا من الاستقرار للملاحة والطاقة.


