أحمد عز.. من عازف «الدرامز» إلى ملك الحديد وأحد أقوى رجال عصر مبارك.. قصة الصعود والسجن والزيجات المثيرة للجدل
من عازف «درامز» شاب يقف خلف فرق موسيقية في فنادق القاهرة، إلى واحد من أكبر رجال صناعة الصلب في مصر، ثم أحد أقوى رجال الحزب الوطني في سنواته الأخيرة، قبل أن تنقلب الصورة تمامًا عقب ثورة 25 يناير ويدخل السجن وتصدر بحقه أحكام بعشرات السنوات، أُلغي عدد منها لاحقًا وأعيدت محاكمته في قضايا أخرى.
إنها رحلة رجل الأعمال والسياسي المصري أحمد عز، التي امتزج فيها المال بالصناعة والسياسة، وأحاطت بها على مدار عقود عشرات القصص والروايات؛ بعضها موثق، وبعضها الآخر ظل في نطاق ما نقلته الصحف وشهادات السياسيين.
أحمد عز.. ابن ضابط الجيش الذي دخل عالم الحديد
ولد أحمد عز في 12 يناير 1959، وكان والده اللواء المتقاعد عبد العزيز عز، الذي انتقل بعد خروجه من القوات المسلحة إلى العمل في تجارة الحديد ومواد البناء.
وتشير مصادر صحفية مصرية إلى أن والدته عفاف حلاوة تنحدر من عائلة فلسطينية من قطاع غزة.
ومنذ سنوات شبابه كان عز قريبًا من نشاط الأسرة التجاري، خصوصًا تجارة الحديد والخردة في منطقة السبتية بالقاهرة.
لكن المفاجأة أن الشاب الذي أصبح اسمه لاحقًا مرادفًا للحديد في مصر كان لديه عالم آخر مختلف تمامًا.

قبل «ملك الحديد».. أحمد عز عازف درامز
أحب عز الموسيقى، وعزف «الدرامز» في شبابه.
وأكد الفنان الراحل حسين الإمام بنفسه أن عز كان عازفًا هاويًا شارك في فرقته، وأن الموسيقار هاني شنودة كان قد رشحه بعد استعداد عازف الفرقة للسفر إلى الخارج.
ونفى حسين الإمام الرواية التي كانت تقول إن عز كان يعمل لديه مقابل راتب شهري، مؤكدًا أنه كان من أسرة ميسورة وأن مشاركته كانت كهواية.
وارتبط اسمه بفرقة «طيبة» التي أسسها حسين ومودي الإمام، قبل أن يترك الموسيقى ويتجه بصورة كاملة تقريبًا إلى الدراسة ثم الأعمال.
وبذلك فجزئية «أحمد عز كان عازف درامز» حقيقية وموثقة وليست واحدة من الأساطير التي نشأت حول شخصيته.
من الهندسة إلى الصناعة
درس عز الهندسة المدنية في جامعة القاهرة، ثم سافر إلى ألمانيا بعد تخرجه قبل أن يعود إلى مصر ويتوسع تدريجيًا في نشاطه الصناعي.
وفي بداية التسعينيات بدأت النقلة الكبيرة.
وتشير تقارير صحفية إلى حصول مشروعاته خلال 1993 و1994 على تمويلات مصرفية تجاوزت 1.6 مليار جنيه، بالتزامن مع إنشاء مصنع العز لحديد التسليح والتعاقد على خطوط إنتاج جديدة.
وفي الوقت نفسه دخل عز عالم السيراميك من خلال شركة «الجوهرة».
وهنا لم يعد الأمر مجرد ابن لتاجر حديد، وإنما رجل صناعة يبني مجموعة تتوسع بسرعة.
كيف بنى إمبراطورية الحديد؟
واصل عز التوسع في صناعة الصلب، وكانت الخطوة الأهم دخوله مستثمرًا رئيسيًا في شركة الإسكندرية الوطنية للحديد والصلب – الدخيلة عام 1999.
ومن هذه المرحلة بدأت ملامح الإمبراطورية التي عرفت لاحقًا باسم «حديد عز».
وأصبح الرجل صاحب حضور ضخم في سوق الصلب المصري، فيما رافقت هذا الصعود اتهامات سياسية وإعلامية بالاحتكار والاستفادة من النفوذ.
لكن من المهم هنا الفصل بين الاتهامات والنتائج القضائية؛ إذ حصل عز في يونيو 2013 على حكم بالبراءة في قضية احتكار الحديد، ولذلك لا يصح صحفيًا وصفه اليوم بأنه «أُدين باحتكار سوق الحديد».
من الحديد إلى السياسة
مع بداية الألفية الجديدة انتقل عز بقوة إلى المجال السياسي.
دخل مجلس الشعب عام 2000، ثم صعد سريعًا داخل الحزب الوطني الديمقراطي، وأصبح من أبرز الشخصيات المرتبطة بجناح جمال مبارك.
ووصل إلى منصب أمين التنظيم بالحزب الوطني، كما ترأس لجنة الخطة والموازنة بمجلس الشعب.
ومع تراجع نفوذ عدد من رموز «الحرس القديم»، أصبح عز واحدًا من أبرز وجوه الجيل الجديد داخل الحزب.
وكان من بين أبرز من خسروا مواقعهم التنظيمية لصالح صعود عز السياسي كمال الشاذلي، أحد أقدم وأقوى رجال الحزب الوطني.
لكن التعبير بأن عز «خلص على كمال الشاذلي» يصلح كلغة شعبية أو عنوان مثير، وليس كتوصيف خبري دقيق.
هل كان أحمد عز الرجل الثاني بعد جمال مبارك؟
لا يوجد ترتيب رسمي من هذا النوع، لكن نفوذه السياسي في السنوات الأخيرة من حكم مبارك كان استثنائيًا.
فقد جمع بين الثروة الضخمة والنفوذ داخل الحزب وسيطرته التنظيمية على كتلته البرلمانية وقربه من جمال مبارك.
ولهذا أصبح في المخيلة السياسية المصرية أحد أبرز رموز التداخل بين المال والسلطة في العقد الأخير من حكم حسني مبارك.
لكن المحطة التي ستظل مرتبطة باسمه أكثر من أي شيء آخر كانت انتخابات مجلس الشعب عام 2010.
انتخابات 2010.. اللحظة التي سبقت الانفجار
كان أحمد عز أمين تنظيم الحزب الوطني أثناء انتخابات مجلس الشعب 2010، التي انتهت بسيطرة كاسحة للحزب الحاكم وإقصاء شبه كامل للمعارضة.
وأصبحت الانتخابات لاحقًا واحدة من أبرز الأمثلة التي يستشهد بها عند الحديث عن انسداد المجال السياسي قبل ثورة يناير.
لكن عز نفسه نفى أنه زور الانتخابات.
وفي ظهوره الإعلامي عام 2015 قال إن الدولة كانت المسؤولة عن إدارة العملية الانتخابية، وإنه إذا حدث تزوير فالمسؤولية تقع على أجهزة الدولة، كما اعتذر عن حالة الغضب التي خلقتها النتائج.
وهذه نقطة مهمة جدًا إذا كان التقرير سيُنشر صحفيًا: يمكن القول إن انتخابات 2010 ارتبطت سياسيًا باسم أحمد عز وتعرضت لاتهامات واسعة بالتزوير، لكن لا يصح صياغة الأمر باعتباره اعترافًا منه بتزويرها.

هل حذره عمر سليمان: «إنت كده بتهد البلد»؟
هذه واحدة من أشهر الحكايات المتداولة عن تلك المرحلة، لكنها ليست موثقة بما يكفي لنقدم الحوار الوارد في النص باعتباره حقيقة تاريخية مؤكدة.
أحمد عز نفسه تناول هذه القصة في 2015، وقال إن الرواية المتعلقة بموقف عمر سليمان من انتخابات 2010 نقلها مصطفى بكري، وإنه لم ير تسجيلًا أو دليلًا يثبت الكلام المنسوب إلى سليمان.
لذلك لا أنصح بنشر الحوار:
«أنت كده بتهد الدنيا... لو قفلت عليهم الشباك هيتكلموا في الشارع».
ولا الرد المنسوب لعز باعتبارهما حوارًا موثقًا.
الأدق: «وتداولت لاحقًا روايات عن اعتراض عمر سليمان على طريقة إدارة انتخابات 2010 وتحذيره من تداعياتها، وهي روايات شكك عز نفسه في صحة ما نُسب إليه فيها».
سقوط النظام.. وسقوط عز معه
بعد اندلاع ثورة 25 يناير، انهار النفوذ السياسي الذي بناه عز خلال سنوات بسرعة هائلة.
وفي فبراير 2011 صدر قرار بمنعه من السفر وتجميد أمواله، ثم جرى حبسه على ذمة عدد من قضايا الفساد المالي.
وبدأت سلسلة طويلة من الأحكام وإعادة المحاكمات.
فصدر ضده حكم بالسجن 10 سنوات في قضية تراخيص الحديد، كما صدر حكم آخر وصل إلى 37 عامًا في قضية أسهم الدخيلة، بالإضافة إلى حكم بالسجن 7 سنوات في قضية غسل الأموال.
لكن هذه الأحكام لم تكن نهاية المسار القضائي؛ إذ ألغت محكمة النقض عددًا من الأحكام وأمرت بإعادة المحاكمات.
ولهذا فإن عبارة «حُكم عليه بـ54 سنة» تحتاج إلى شرح: هي ناتج جمع أحكام صدرت في مراحل مختلفة، وليست حكمًا نهائيًا واحدًا بالسجن 54 عامًا ظل قائمًا.
250 مليون جنيه كفالات
ومن أكثر الأرقام إثارة في رحلة عز القضائية قيمة الكفالات المرتبطة بقرارات إخلاء سبيله.
فقد بلغ إجمالي الكفالات في عدة قضايا نحو 250 مليون جنيه، وليس كفالة واحدة بهذا الرقم.
ومن ثم فعبارة «دفع كفالة 250 مليون جنيه» تحتاج أيضًا إلى هذا التصحيح.
وبعد السجن.. عاد إلى إمبراطورية الحديد
على الرغم من سقوط نفوذه السياسي، لم تختف أعمال عز الصناعية.
ظلت المجموعة الصناعية قائمة، ومع مرور السنوات عاد اسمه إلى الظهور بصورة أكبر كرجل صناعة، بينما أصبح حضوره السياسي المباشر أقل بكثير من فترة الحزب الوطني.
وهذه ربما واحدة من أغرب مفارقات قصته: الإمبراطورية السياسية سقطت في أسابيع، لكن الإمبراطورية الصناعية نجت.
زيجات أحمد عز.. من ابنة نقيب الأشراف إلى شاهيناز النجار
الجانب الشخصي من حياة أحمد عز كان بدوره مادة مستمرة للصحافة.
وتوجد هنا نقطة تحتاج إلى تصحيح في النص الأصلي.
المصادر القضائية والصحفية الموثوقة في 2011 أكدت أسماء ثلاث زوجات على الأقل: خديجة أحمد كامل ياسين، وعبلة فوزي، وشاهيناز النجار. فجهاز الكسب غير المشروع استدعى شاهيناز وعبلة للتحقيق بشأن الثروات، بينما ذكرت التحقيقات أن خديجة كانت خارج البلاد آنذاك.
أما الروايات الصحفية التي تتحدث عن زواج رابع سابق فتوجد بالفعل، لكنها متضاربة في هوية الزوجة وترتيب الزيجات؛ ولذلك الأفضل عدم تقديم تفاصيل الزوجة الرابعة كحقيقة مؤكدة دون وثيقة.

خديجة كامل ياسين.. ابنة نقيب الأشراف
كانت خديجة أحمد كامل ياسين من أبرز زيجات عز، وهي ابنة أحمد كامل ياسين، نقيب الأشراف الأسبق.
وأنجب عز منها ابنتيه عفاف وملك؛ وهو ما تؤكده أيضًا مستندات وتحقيقات الكسب غير المشروع المنشورة آنذاك.
لكن هنا توجد مفاجأة في النص المتداول:
القول إن زواجه من ابنة نقيب الأشراف جعل أحمد عز تلقائيًا «من نسل الرسول» غير صحيح من ناحية النسب؛ فالزواج لا ينقل النسب أصلًا.
والقصة الحقيقية أكثر إثارة.
فقد دار جدل بالفعل حول امتلاك عز شهادة نسب إلى الأشراف، لكن نقيب الأشراف السيد الشريف دافع عن صحة تسجيل نسبه، وقال إن عز كان مسجلًا بالنقابة منذ فترة سابقة على توليه منصبه السياسي. وفي المقابل انتشرت اتهامات بأن علاقته بنقيب الأشراف السابق ساعدته في الحصول على الشهادة، وهي اتهامات لم يثبتها أصحابها بدليل قاطع.
إذن العنوان الأدق ليس «تزوج من نسل الرسول فأصبح من نسله»، وإنما: «تزوج ابنة نقيب الأشراف.. والجدل لاحقه حول شهادة نسبه إلى آل البيت».
عبلة فوزي والابن الوحيد
الزوجة الأخرى هي عبلة فوزي، التي ارتبط اسمها بعز لسنوات.
وتذكر المصادر الصحفية المنشورة عقب الثورة أنها أنجبت منه ابنه أحمد، بينما أنجب من خديجة ابنتيه عفاف وملك.
وهكذا أصبح لأحمد عز ثلاثة أبناء معروفين في المصادر المنشورة: عفاف وملك وأحمد.
شاهيناز النجار.. زواج هز البرلمان
أما أشهر زيجاته إعلاميًا فكانت من النائبة السابقة وسيدة الأعمال شاهيناز النجار.
كانت شاهيناز عضوًا بمجلس الشعب، وأثار زواجها من أحد أقوى رجال المجلس والحزب الحاكم ضجة سياسية واجتماعية واسعة، ثم استقالت من عضوية البرلمان.
وتداولت الصحافة وقتها أرقامًا ضخمة بشأن الزواج، من بينها 25 مليون جنيه مهرًا وخاتم ألماس بمليون جنيه أو أكثر.
لكن هذه الأرقام مصدرها تقارير صحفية قديمة وليست عقد الزواج المنشور، ولذلك يجب أن نقول «بحسب ما تداولته الصحافة وقتها» لا أن نقدمها كرقم موثق رسميًا.
من «الدرامز» إلى الحديد ثم البرلمان والسجن
ربما يصعب العثور على شخصية اقتصادية مصرية خلال العقود الأخيرة جمعت كل هذه التحولات في مسيرة واحدة.
شاب يعزف الدرامز مع حسين الإمام، ثم مهندس يدخل تجارة أسرته، فصاحب مصانع سيراميك وحديد، ثم مستثمر رئيسي في الدخيلة، وبعدها رجل أعمال واسع النفوذ، ثم نائب وأمين تنظيم الحزب الحاكم وأحد أقرب السياسيين إلى دائرة جمال مبارك.
وبعد سنوات في قمة النفوذ، جاءت ثورة يناير لتضعه خلف القضبان وتفتح أمامه سلسلة من المحاكمات والأحكام، قبل أن تُلغى أحكام وتُعاد محاكمات وتنتهي ملفات أخرى بمسارات قانونية مختلفة.
لذلك فإن قصة أحمد عز ليست فقط قصة «ملك الحديد».
إنها أيضًا قصة نموذج كامل من عصر مبارك: رأس المال الذي دخل السياسة، والسياسة التي فتحت أبواب النفوذ، ثم اللحظة التي سقط فيها النظام وبقيت المصانع.


