الحوثيون يضربون السعودية والخليج يؤجل الحوار مع إيران.. هل تتجه المنطقة إلى حرب أوسع؟
دخل التصعيد الإقليمي في الشرق الأوسط مرحلة أكثر خطورة، بعدما أعلنت جماعة الحوثي في اليمن شن هجوم واسع بالصواريخ والطائرات المسيرة على أهداف عسكرية في جنوب السعودية، بالتزامن مع تأجيل اجتماع خليجي كان مقررًا مع إيران في سلطنة عمان لبحث أزمة مضيق هرمز.
وجاء التصعيد في توقيت شديد الحساسية، إذ تحاول دول الخليج احتواء تداعيات الحرب مع إيران ومنع انتقالها إلى مسار أكثر اتساعًا، بينما تتزايد المخاطر التي تواجه منشآت الطاقة والممرات البحرية الرئيسية من هرمز شرقًا إلى باب المندب غربًا. وتؤكد رويترز أن الهجوم الحوثي الجديد وتأجيل المحادثات الخليجية الإيرانية أثارا مخاوف متزايدة بشأن اتساع نطاق الحرب وتهديد إمدادات الطاقة العالمية.
عشرات الصواريخ والمسيرات على خميس مشيط
قال الحوثيون إنهم أطلقوا عشرات الصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه قاعدة عسكرية في خميس مشيط جنوب السعودية، مدعين استهداف حظائر للطائرات وأنظمة رادار ومدارج ومستودعات ذخيرة.
وقالت الجماعة إن العملية جاءت ردًا على الغارات الجوية السعودية الأخيرة في اليمن.
في المقابل، أعلنت السلطات السعودية حالات إنذار في خميس مشيط وعدة مدن جنوبية أخرى سبق أن تعرضت لهجمات حوثية خلال الأيام الماضية. وتظهر صور منشورة حديثًا أضرارًا لحقت ببنية تحتية سعودية عقب سلسلة من الهجمات، بينما وصفت الرياض التصعيد الحوثي بأنه خطير.
الحوثيون يوسعون نطاق الحرب
أهمية الهجوم الجديد أنه لا يأتي منفصلًا عن التطورات العسكرية السريعة داخل اليمن.
فخلال الأيام الماضية، حقق الحوثيون تقدمًا كبيرًا في الساحل الغربي، شمل السيطرة على مدينة المخا والوصول إلى جزيرة بريم "ميون" الواقعة في قلب باب المندب.
وبهذا أصبحت الجماعة تمتلك قدرة أكبر على التأثير في واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، ما يربط مباشرة بين حرب اليمن وأمن الملاحة الدولية.

لماذا تمثل بريم نقطة تحول؟
جزيرة بريم ليست مجرد موقع عسكري صغير.
موقعها داخل باب المندب يمنح من يسيطر عليها قدرة على مراقبة حركة السفن المتجهة بين البحر الأحمر وخليج عدن.
وهذا يعني أن تقدم الحوثيين جنوبًا لم يعد شأنًا يمنيًا داخليًا فقط، بل أصبح عاملًا مؤثرًا في أمن التجارة العالمية وقناة السويس وصادرات الطاقة الخليجية.
وهنا تكمن المشكلة الأساسية بالنسبة للسعودية: تهديد باب المندب يتزامن مع اضطراب الملاحة في مضيق هرمز.
السعودية بين هرمز وباب المندب
هذا هو أخطر عنصر في الأزمة الحالية.
السعودية تعتمد على مضيق هرمز لتصدير جزء كبير من نفطها، لكنها تمتلك أيضًا خط أنابيب الشرق-الغرب الذي يسمح بنقل النفط إلى ساحل البحر الأحمر وتجاوز هرمز.
لكن هذا الخط تعرض بدوره لهجوم وأُغلق، بينما تقدم الحوثيون عند مدخل البحر الأحمر.
أي أن السعودية تواجه ضغطًا في الممر الشرقي والممر الغربي في الوقت نفسه.
وتقول رويترز إن استمرار توقف خط الشرق-الغرب قد يعرّض لما يصل إلى 4% من الإمدادات النفطية العالمية للخطر، بينما لم تعلن الرياض حتى الآن موعدًا واضحًا لإعادة تشغيله.
النفط يستجيب فورًا
أسواق الطاقة التقطت الرسالة سريعًا.
ارتفعت أسعار النفط بأكثر من 3% في مراحل من تعاملات الاثنين، مع صعود خام برنت فوق 107 دولارات للبرميل خلال التداولات، قبل أن تتراجع بعض المكاسب لاحقًا.
والسبب ليس الهجوم الحوثي وحده، بل اجتماع ثلاثة مخاطر في وقت واحد:
تهديد المنشآت السعودية، اضطراب هرمز، وتوسع الحوثيين قرب باب المندب.
إذا استمرت هذه العوامل مجتمعة، فإن السوق لا ينظر فقط إلى خسارة إنتاج حالي، وإنما إلى خطر فقدان طرق التصدير نفسها.
أزمة خط الشرق-الغرب أخطر مما تبدو
خط الأنابيب السعودي الممتد من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر هو أحد أهم أدوات الرياض لتجاوز أي إغلاق محتمل لهرمز.
ولهذا فإن تعطله الآن جاء في أسوأ توقيت ممكن.
وتشير تقديرات نقلتها رويترز إلى أن المخزونات في ينبع قد تسمح باستمرار بعض الصادرات لفترة محدودة، لكن استمرار الإغلاق لوقت طويل سيضغط بصورة أكبر على السوق العالمية. كما تختلف التقديرات بشأن زمن إصلاح الخط بين أيام وأسابيع.
لماذا أجّلت دول الخليج لقاء إيران؟
كان من المنتظر عقد اجتماع في عمان بين إيران ودول خليجية لبحث ترتيبات الملاحة في مضيق هرمز.
لكن الاجتماع تأجل وسط التصعيد الجديد.
وأعلنت مسقط أن التأجيل جاء بهدف توفير ظروف أفضل لحوار بناء، فيما قالت طهران إن القرار جاء بطلب من دول إقليمية، بينما أشارت تقارير إلى دور سعودي في التأجيل.
الرسالة السياسية هنا واضحة: الهجوم الحوثي جعل التفاوض مع إيران أكثر صعوبة في اللحظة نفسها التي أصبحت فيها الحاجة إليه أكبر.
هل تنظر دول الخليج إلى الحوثيين وإيران باعتبارهما جبهة واحدة؟
رسمياً، الحوثيون حركة يمنية مستقلة لها حساباتها الداخلية.
لكن ارتباطها العسكري والسياسي بطهران يجعل التصعيد ضد السعودية يؤثر مباشرة على أي تفاوض خليجي إيراني.
بمعنى آخر، يصعب على الرياض أن تفاوض طهران على ترتيبات هرمز بينما تتعرض في الوقت ذاته لهجمات من قوة متحالفة معها في اليمن.
وهذا يفسر سبب تحول تقدم الحوثيين إلى عقبة أمام المسار الدبلوماسي الأوسع

ترامب يفتح باب الصفقة مع إيران
في وسط هذا التصعيد، حاول الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إبقاء باب التفاوض مفتوحًا.
وقال إن إيران ترغب في الوصول إلى اتفاق مع الولايات المتحدة، وإن واشنطن منفتحة على احتمال الانخراط إذا كان الاتفاق مناسبًا لها. وتؤكد رويترز أن تصريحاته أحدثت قدرًا من التفاؤل بشأن انفراجة محتملة، رغم استمرار القتال في المنطقة.
وهذه نقطة مهمة: واشنطن تحاول إدارة مسارين متناقضين في الوقت نفسه.
الأول عسكري وأمني، لحماية الحلفاء والممرات البحرية.
والثاني دبلوماسي، لمحاولة منع الحرب مع إيران من التحول إلى صراع إقليمي مفتوح بلا نهاية.
لماذا يحتاج ترامب إلى اتفاق؟
هناك بعد اقتصادي وسياسي واضح.
ارتفاع أسعار النفط والديزل يضغط مباشرة على الاقتصاد الأمريكي، خصوصًا مع اقتراب انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر.
وكلما طالت الحرب، ارتفعت تكلفة الوقود، واتسعت الضغوط على الإدارة الأمريكية.
لذلك فإن ترامب لديه حافز قوي لخفض التصعيد، حتى لو استمر في استخدام خطاب شديد تجاه إيران.
اليمن يضع ترامب في مأزق جديد
المشكلة أن اليمن يضيف جبهة جديدة لم تكن واشنطن بحاجة إليها.
السعودية تريد دعمًا أمريكيًا أكبر ضد الحوثيين، لكن مصادر نقلت عنها رويترز قالت إن الولايات المتحدة رفضت حتى الآن الدخول في تدخل عسكري مباشر واسع، واقتصرت على الدعم الاستخباراتي والمساعدة في تحديد الأهداف.
وهذا يكشف التردد الأمريكي بوضوح.
واشنطن تريد حماية السعودية، لكنها لا تريد العودة إلى حملة عسكرية مفتوحة ضد الحوثيين قد تستمر أشهرًا أو سنوات.
اجتماع محمد بن سلمان وقائد CENTCOM
في هذا السياق، اجتمع ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان في جدة مع قائد القيادة المركزية الأمريكية الأميرال براد كوبر.
ويأتي اللقاء بعد تقارير عن طلب سعودي لمساعدة عسكرية أمريكية أوسع ضد الحوثيين.
هذا اللقاء ليس تفصيلاً بروتوكوليًا.
بل يكشف أن السعودية تحاول الحصول على ضمانات واضحة بشأن مستوى الدعم الأمريكي إذا استمرت الهجمات الحوثية أو توسعت.
هل تريد السعودية ضرب الحوثيين بقوة أكبر؟
من المرجح أن الرياض تدرس عدة خيارات بالتوازي.
لكن العودة إلى حرب شاملة في اليمن ستكون مكلفة جدًا.
السعودية خاضت منذ 2015 حربًا طويلة ضد الحوثيين ولم تستطع القضاء على الحركة عسكريًا.
وإذا دخلت الآن مجددًا في حملة واسعة، فإنها ستفعل ذلك في بيئة أكثر تعقيدًا، لأن الحوثيين أصبحوا يمتلكون صواريخ ومسيرات أكثر تطورًا، ونفوذًا أكبر على الساحل.
لماذا الهجوم على خميس مشيط مهم؟
خميس مشيط ليست مجرد مدينة جنوبية.
هي منطقة ذات أهمية عسكرية كبيرة، وتوجد بها منشآت جوية رئيسية تستخدم في العمليات في جنوب المملكة واليمن.
لذلك فإن استهداف الرادارات والمدارج وحظائر الطائرات، إذا ثبتت نتائج الضربات كما يقول الحوثيون، يعني محاولة تقليص قدرة السعودية على شن عمليات جوية ضد اليمن.
لكن من المهم الإشارة إلى أن التفاصيل الدقيقة للأضرار التي أعلنها الحوثيون لم تتأكد بشكل مستقل بالكامل.
النزوح في اليمن يعود بقوة
التصعيد لا يحمل آثارًا استراتيجية فقط، بل إنسانية أيضًا.
وفق تقديرات المنظمة الدولية للهجرة التي نقلتها رويترز، فر عشرات الآلاف من اليمنيين خلال موجة القتال الأخيرة، مع انتقال المواجهات إلى مدن جديدة وسيطرة الحوثيين على مناطق كانت خارج نفوذهم.
وهذا يعني أن الحرب اليمنية، التي دخلت خلال السنوات الماضية مرحلة من التهدئة النسبية، تعود الآن إلى دورة جديدة من النزوح والقتال.
لماذا هذا التصعيد أخطر من جولات سابقة؟
هناك فارق جوهري.
في السابق، كان الصراع اليمني يمكن احتواؤه نسبيًا داخل حدود اليمن والسعودية.
أما الآن فهو يتصل مباشرة بثلاثة ملفات دولية:
النفط، والملاحة العالمية، والحرب مع إيران.
أي أن ضربة حوثية واحدة قد تؤثر في أسعار الطاقة، وممرات الشحن، والموقف الأمريكي، والمفاوضات الخليجية الإيرانية في وقت واحد.
وهذا يجعل هامش الخطأ أصغر بكثير.
الخطر الحقيقي: تزامن الأزمات
المشهد الحالي لا يحتوي أزمة واحدة، بل شبكة أزمات متداخلة.
هناك هجمات على السعودية.
وهناك إغلاق أو اضطراب في هرمز.
وهناك تقدم حوثي عند باب المندب.
وهناك خط سعودي متوقف.
وهناك مفاوضات مؤجلة مع إيران.
وهناك واشنطن تحاول تجنب دخول حرب جديدة.
المشكلة ليست في كل ملف منفرد، بل في تزامنها جميعًا.
هل يمكن أن يصل النفط إلى مستويات أعلى؟
نعم، إذا استمر تعطيل خط الشرق-الغرب أو انخفض المرور في هرمز بدرجة أكبر.
السوق تنظر الآن إلى المخاطر المستقبلية أكثر من الخسائر الحالية.
وإذا تعرضت منشآت سعودية إضافية أو ناقلات أو موانئ البحر الأحمر لضربات جديدة، فقد تعود أسعار الخام للارتفاع بقوة.
لكن أي اتفاق أمريكي إيراني أو إعادة فتح هرمز يمكن أن يعكس الاتجاه بسرعة.
لماذا تصريحات ترامب خفضت بعض مكاسب النفط؟
الأسواق فسرت حديث ترامب عن احتمال الاتفاق مع إيران باعتباره فرصة لتقليل التصعيد.
لذلك تراجعت بعض مكاسب الخام بعد الارتفاع الأولي.
هذا يوضح مدى حساسية السوق الآن لأي إشارة سياسية.
خبر عن هجوم يرفع الأسعار، بينما جملة عن تفاوض محتمل قد تدفعها إلى التراجع.
السيناريو الأول: صفقة أمريكية إيرانية
هذا هو أفضل السيناريوهات للأسواق.
إذا توصلت واشنطن وطهران إلى اتفاق يفتح هرمز ويخفض الهجمات الإقليمية، يمكن أن تنخفض أسعار النفط بشكل ملحوظ.
لكن هذا يحتاج إلى اتفاق يتجاوز الملف النووي ليشمل أمن الملاحة وربما نشاط حلفاء إيران في المنطقة.
السيناريو الثاني: احتواء الحوثيين دون حرب
قد تحاول السعودية وواشنطن الضغط على الحوثيين عسكريًا واستخباراتيًا بالتوازي مع التفاوض.
الهدف سيكون وقف الضربات على السعودية والملاحة من دون الدخول في حرب برية واسعة.
هذا هو السيناريو الأقل تكلفة سياسيًا.
السيناريو الثالث: توسع الحرب
وهو الأخطر.
إذا ردت السعودية بقوة كبيرة داخل اليمن، ورد الحوثيون بضربات أوسع على المنشآت النفطية، وفشلت المحادثات مع إيران، فإن المنطقة قد تدخل في سلسلة من الردود المتبادلة يصعب ضبطها.
وفي هذه الحالة تصبح إمدادات النفط والملاحة في هرمز وباب المندب أهدافًا مباشرة للصراع.
ماذا يعني هذا للسعودية؟
الرياض تواجه معادلة شديدة الصعوبة.
يجب عليها أن تظهر أنها قادرة على حماية أراضيها ومنشآتها، لكنها في الوقت نفسه لا تريد العودة إلى حرب استنزاف يمنية مفتوحة.
ولهذا ستسعى على الأرجح إلى الجمع بين الرد العسكري المحدود والضغط الأمريكي والمسار الدبلوماسي.
وماذا تريد إيران؟
طهران بدورها تحتاج إلى رفع جزء من الضغوط الاقتصادية والعسكرية، لكنها لا تريد التخلي بسهولة عن أوراق النفوذ التي تملكها في المنطقة.
لذلك قد تحاول استخدام أزمة الملاحة والحوثيين كورقة تفاوض مع واشنطن والخليج.
لكن الإفراط في استخدامها قد يؤدي إلى نتيجة عكسية ويجمع دول الخليج والولايات المتحدة ضدها.
فصل ملف الحوثيين عن الصراع مع إيران
الهجوم الحوثي الجديد على السعودية ليس مجرد جولة أخرى في الحرب اليمنية.
إنه جزء من أزمة إقليمية مترابطة تمتد من هرمز إلى باب المندب.
السعودية تواجه ضغطًا متزايدًا على منشآتها وممرات صادراتها، ودول الخليج تؤجل حوارها مع إيران، وأسواق النفط ترتفع، بينما يحاول ترامب فتح نافذة تفاوض مع طهران دون الانجرار إلى حرب إضافية ضد الحوثيين.
المفارقة أن كل الأطراف تبدو راغبة في منع حرب أوسع، لكن التحركات العسكرية على الأرض تسير في الاتجاه المعاكس.
وهذا يجعل الأيام المقبلة حاسمة: إما أن تنجح الدبلوماسية في فصل ملف الحوثيين عن المواجهة مع إيران، أو يتحول اليمن إلى الجبهة التي تربط كل أزمات الشرق الأوسط في حرب واحدة.


