كشفت شبكة «إن بي سي نيوز» الأمريكية أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يسعى إلى استمالة نظيره الروسي فلاديمير بوتين من خلال إبداء الود وتوجيه الإشادات إليه، في محاولة لدفع موسكو إلى العودة إلى طاولة المفاوضات والتوصل إلى تسوية تنهي الحرب في أوكرانيا.
وبحسب التقرير، يأتي هذا التوجه في إطار محاولات الإدارة الأمريكية استخدام أسلوب مختلف في التعامل مع الرئيس الروسي، بعدما واجهت مساعي سابقة صعوبات في إقناعه بالمضي قدمًا نحو التفاوض، بالتزامن مع تصاعد الانتقادات الأمريكية للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن استمرار الحرب.
وأشار التقرير إلى أن التحركات الأمريكية الأخيرة تضمنت إشارات سياسية ودبلوماسية من شأنها تعزيز مكانة بوتين دوليًا، إلى جانب مبادرات تتعلق بالتعاون الاقتصادي والحوار بشأن القضايا الاستراتيجية، وهو ما يعكس محاولة من ترامب لتهيئة الأجواء أمام مفاوضات محتملة بين موسكو وكييف.
ويتكوف يصف بوتين بأنه «رجل إنساني»
ومن أبرز المؤشرات التي أوردها تقرير «إن بي سي نيوز» على هذا النهج، تصريحات ستيف ويتكوف، المبعوث الرئيسي لترامب للتفاوض بشأن الحرب في أوكرانيا، الذي وصف الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه «رجل إنساني» خلال زيارة إلى مدينة سان بطرسبرج الروسية.
وجاءت الزيارة بالتزامن مع الإفراج عن المعلم الأمريكي المتقاعد ستيفن هوبارد، الذي كانت روسيا قد احتجزته منذ عام 2022، بحسب التقرير.
واعتبرت الشبكة أن هذا النوع من التصريحات يعكس أسلوبًا يقوم على التقارب الشخصي والإشادة بالرئيس الروسي، في محاولة لبناء مساحة مشتركة تسمح باستمرار التواصل بين الجانبين، وتفتح الطريق أمام بحث سبل إنهاء الحرب.
ويأتي هذا النهج ضمن تحركات أوسع تتبناها إدارة ترامب للتعامل مع موسكو، تقوم على الجمع بين الاتصالات المباشرة والإشارات الإيجابية، على أمل دفع القيادة الروسية إلى إبداء مرونة أكبر تجاه المفاوضات.
ترامب ينتقد زيلينسكي ويضغط باتجاه تغيير مسار التفاوض
وفي المقابل، أشار التقرير إلى تصاعد انتقادات ترامب للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، إذ قال الرئيس الأمريكي إنه كان ينبغي إنهاء الحرب منذ وقت طويل، معتبرًا أن الوقت قد حان لتولي شخص آخر مهمة التفاوض نيابة عن أوكرانيا.
وتعكس هذه التصريحات خلافات بشأن كيفية إدارة المسار الدبلوماسي لإنهاء الحرب، في ظل الضغوط الرامية إلى التوصل لاتفاق يوقف القتال ويضع حدًا لاستمرار الصراع.
وبحسب التقرير، فإن تباين نبرة ترامب في التعامل مع بوتين وزيلينسكي يسلط الضوء على توجه الإدارة الأمريكية نحو محاولة إقناع موسكو بالتفاوض من خلال التقارب والإشادة، بالتوازي مع انتقاد القيادة الأوكرانية بسبب استمرار الحرب.
ومع ذلك، لا تعني هذه التحركات بالضرورة أن موسكو أو كييف وافقتا على تسوية نهائية، إذ يظل التوصل إلى اتفاق مرتبطًا بمواقف الطرفين وشروطهما بشأن القضايا الأساسية محل الخلاف.
مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق يكشف أسلوب ترامب
ونقل تقرير «إن بي سي نيوز» عن روبرت أوبراين، مستشار الأمن القومي الأمريكي السابق، قوله إن ترامب يستخدم المجاملات وإبداء الود كوسيلة لدفع بوتين إلى التفاوض، بعدما لم تنجح محاولات سابقة في إقناع الرئيس الروسي بالجلوس إلى طاولة الحوار.
ويعكس هذا التقييم اعتماد ترامب على أسلوب دبلوماسي يركز على العلاقات الشخصية، انطلاقًا من محاولة التأثير في حسابات القيادة الروسية وتهيئة الظروف لاستئناف المفاوضات.
ويأتي هذا الأسلوب في وقت تسعى فيه واشنطن إلى إيجاد مخرج سياسي للحرب الأوكرانية، التي تمثل أحد أبرز الملفات التي تواجه السياسة الخارجية الأمريكية، وسط تعقيدات مرتبطة بالمطالب الروسية والأوكرانية والضمانات الأمنية ومستقبل الأراضي المتنازع عليها.
دعوة بوتين إلى قمة مجموعة العشرين في فلوريدا
ولفت التقرير إلى أن التحركات التي اتخذها ترامب تجاه بوتين شملت دعوته للمشاركة في قمة مجموعة العشرين المقررة في ديسمبر المقبل، والتي أشار التقرير إلى استضافتها في منتجع ترامب للجولف بمدينة دورال في ولاية فلوريدا الأمريكية.
وتحمل الدعوة، وفقًا للتقرير، دلالة سياسية في ظل استمرار التوتر بين روسيا وعدد من الدول الغربية على خلفية الحرب في أوكرانيا، إذ قد تتيح المشاركة في القمة فرصة لإجراء اتصالات مباشرة ومناقشة الملفات الدولية ذات الاهتمام المشترك.
لكن الدعوة وحدها لا تعني تأكيد مشاركة الرئيس الروسي أو التوصل إلى تفاهمات بشأن الحرب، إذ تظل نتائج أي لقاء محتمل مرهونة بالظروف السياسية ومواقف الأطراف المعنية.
اجتماع ثلاثي محتمل لمناقشة الأسلحة النووية
ومن بين التحركات الأخرى التي أشار إليها التقرير، إبداء ترامب استعداده لعقد اجتماع ثلاثي يضم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والرئيس الصيني شي جين بينغ، لمناقشة ملف الأسلحة النووية.
ويكتسب هذا المقترح أهمية في ظل التحديات المرتبطة بالأمن الاستراتيجي العالمي، وضرورة الحفاظ على قنوات الحوار بين القوى الكبرى بشأن الحد من المخاطر النووية.
كما يمكن لمثل هذه اللقاءات، إذا جرى الاتفاق عليها، أن تتيح مساحة لمناقشة القضايا الأمنية التي تتجاوز الحرب في أوكرانيا، بما في ذلك العلاقات بين واشنطن وموسكو وبكين، ومستقبل التفاهمات المتعلقة بالتسلح النووي.
ولم يشر التقرير إلى التوصل إلى اتفاق نهائي بشأن عقد الاجتماع، وإنما أورد استعداد ترامب لعقده ضمن مجموعة من الخطوات التي تعكس رغبته في تعزيز التواصل مع الرئيس الروسي.
ترامب يشكر بوتين بعد اتفاق بشأن الديزل الروسي
وفي سياق متصل، أشار التقرير إلى أن ترامب وجّه الشكر إلى بوتين في التاسع من أكتوبر الجاري، عقب اتفاق يتعلق بضخ كميات كبيرة من الديزل الروسي في الأسواق العالمية.
وتعكس هذه الخطوة جانبًا اقتصاديًا في مساعي التقارب بين الجانبين، إذ تتداخل ملفات الطاقة والتجارة مع الاعتبارات السياسية والأمنية في العلاقات الدولية.
ويرى التقرير أن الإشادة بالرئيس الروسي، إلى جانب التحركات المتعلقة بالقمة الدولية والاجتماع المحتمل بشأن الأسلحة النووية، تمثل مجموعة من الإشارات التي تسعى إدارة ترامب من خلالها إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع موسكو.
هل تنجح سياسة المجاملات في إنهاء الحرب الأوكرانية؟
وتبقى قدرة هذا النهج على تحقيق اختراق في مسار الحرب الأوكرانية محل تساؤل، إذ إن إبداء الود أو توجيه الإشادات لا يضمن وحده تغيير المواقف السياسية أو تجاوز الخلافات الجوهرية بين روسيا وأوكرانيا.
ويعتمد نجاح أي تحرك دبلوماسي على مدى استعداد الأطراف المعنية لتقديم تنازلات، والتوصل إلى تفاهمات بشأن القضايا الأمنية والسياسية التي تقف عائقًا أمام التسوية.
وفي ضوء ما أورده تقرير «إن بي سي نيوز»، يحاول ترامب استخدام أدوات متعددة لدفع بوتين نحو التفاوض، تشمل التقارب الشخصي والإشارات الدبلوماسية والاتصالات الاقتصادية ومقترحات الحوار الاستراتيجي، بينما تستمر التساؤلات بشأن مدى استجابة موسكو لهذه المساعي وإمكانية تحويلها إلى اتفاق ينهي الحرب في أوكرانيا.






