أكد الدكتور بدر عبد العاطي، وزير الخارجية والتعاون الدولي والمصريين بالخارج، أن مصر ترفض الربط بين قضية سد النهضة الإثيوبي وملف وصول إثيوبيا إلى منفذ بحري، مشددًا على أن لكل قضية طبيعتها الخاصة، وأن القاهرة لا تقبل الخلط بين الملفين أو التعامل معهما باعتبارهما صفقة واحدة.
وأوضح وزير الخارجية أن موقف مصر من سد النهضة يقوم على ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم بشأن قواعد تشغيل السد، بما يراعي حقوق دولتي المصب، مصر والسودان، ويحفظ المصالح المشتركة لدول حوض النيل.
جاء ذلك خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده بدر عبد العاطي مع أنطونيو جوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، حيث تناولت المناقشات عددًا من الملفات الإقليمية والدولية، من بينها تطورات قضية سد النهضة، ومبادئ القانون الدولي المتعلقة بالوصول إلى البحر، والجهود المبذولة لاحتواء التصعيد العسكري في المنطقة.
بدر عبد العاطي: لا ضغوط على مصر للربط بين السد والمنفذ البحري
وفي رده على سؤال بشأن وجود جهود لاستئناف المفاوضات مع إثيوبيا حول سد النهضة، بالتزامن مع مشاركة عدد من الوزراء الأفارقة في فعاليات متعلقة بالمياه بالقاهرة، وما إذا كانت مصر تتعرض لضغوط لقبول منح إثيوبيا منفذًا بحريًا مقابل تسهيل التوصل إلى حل بشأن السد، أكد وزير الخارجية عدم وجود أي ضغوط من هذا النوع.
وشدد عبد العاطي على أن القضيتين منفصلتان تمامًا، موضحًا أن التعامل مع ملف سد النهضة يجب أن ينطلق من ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم ينظم تشغيل السد، بينما يخضع ملف الوصول إلى البحر لقواعد ومبادئ القانون الدولي والاتفاقات المشتركة بين الأطراف المعنية.
وأكد أن مصر لا تقبل استخدام أي من الملفين للتأثير على موقفها من الآخر، مشيرًا إلى أن معالجة القضايا الإقليمية يجب أن تتم وفقًا للقواعد القانونية والمصالح المشروعة للدول المعنية.
مصر ترفض استخدام أي منفذ بحري لأغراض عسكرية
وفيما يتعلق بمسألة وصول إثيوبيا إلى البحر، أوضح وزير الخارجية أن هذا الأمر يجب أن يستند إلى مبادئ القانون الدولي وقانون البحار، وأن يتم من خلال اتفاق مشترك مع الدولة أو الدول المعنية.
وشدد عبد العاطي على ضرورة أن يقتصر أي ترتيبات للوصول إلى البحر على الأغراض التجارية، رافضًا إتاحة هذا الوصول لأغراض عسكرية.
ويأتي هذا الموقف، بحسب تصريحات الوزير، في إطار التأكيد على احترام سيادة الدول والقواعد المنظمة للعلاقات الدولية، وعدم اتخاذ خطوات أحادية من شأنها زيادة التوترات أو الإضرار بأمن المنطقة واستقرارها.
12 عامًا من مفاوضات سد النهضة دون اتفاق
وتطرق وزير الخارجية إلى مسار المفاوضات المتعلقة بسد النهضة، مشيرًا إلى أن مصر وإثيوبيا والسودان أمضت نحو 12 عامًا في جولات تفاوضية دون التوصل إلى اتفاق نهائي.
وتساءل عبد العاطي عن جدوى العودة إلى مسار تفاوضي لا يفضي إلى نتائج ملموسة، مؤكدًا أن مصر حددت معايير واضحة للتوصل إلى اتفاق ينظم تشغيل السد بصورة قانونية وملزمة.
وأضاف أن القاهرة مستعدة للتحرك سريعًا نحو التوصل إلى اتفاق إذا أبدى الجانب الإثيوبي موافقته على هذه المعايير، معتبرًا أن الوصول إلى تفاهم قانوني ليس أمرًا مستحيلًا، وإنما يتطلب توافر الإرادة السياسية لدى الأطراف المعنية.
وأكد أن الهدف المصري يتمثل في حماية الحقوق المائية المشروعة وضمان عدم الإضرار بمصالح مصر والسودان، مع مراعاة حق دول حوض النيل في التنمية.
مصر: لا نعارض التنمية في دول حوض النيل
وشدد عبد العاطي على أن مصر لا تعارض إقامة المشروعات التنموية أو بناء السدود في دول حوض النيل، موضحًا أن القاهرة تدعم جهود التنمية والتعاون المشترك بين دول الحوض، لكنها ترفض الإجراءات الأحادية التي تتجاهل حقوق الدول الأخرى.
وأشار إلى وجود تفهم متزايد للموقف المصري على المستويين الإقليمي والدولي، لا سيما فيما يتعلق بحقوق مصر المائية واعتبار المياه مسألة ترتبط بأمنها ووجودها.
واستشهد الوزير بما أعلنه الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال اجتماعه مع وزراء الموارد المائية المشاركين في أسبوع القاهرة للمياه، بشأن إنشاء مصر آلية لتمويل وتنفيذ مشروعات تنموية في دول حوض النيل، بما في ذلك مشروعات بناء السدود في دول حوض النيل الجنوبي، من خلال التمويل المصري.
وأوضح أن هذه الجهود تعكس دعم القاهرة للتنمية في دول الحوض، وتدحض ما وصفه بالروايات التي تزعم أن مصر تعارض إقامة المشروعات المائية أو جهود التنمية في الدول الأفريقية.
الموافقة على 36 مشروعًا تنمويًا بدول حوض النيل
ولفت وزير الخارجية إلى أن مصر وافقت، قبل أسابيع قليلة، في إطار مبادرة حوض النيل، على 36 مشروعًا تنمويًا في دول حوض النيل الجنوبي، من بينها مشروعات تتعلق ببناء سدود.
وأكد أن المشكلة لا تتعلق برفض مصر للتنمية أو للمشروعات المائية، وإنما ترتبط، وفقًا لتصريحاته، بالنهج الأحادي في التعامل مع قضية السد الإثيوبي، مشددًا على أن القاهرة لن تقبل إجراءات أحادية تمس حقوقها المائية المشروعة.
ويعكس هذا الموقف تمسك مصر بمبدأ التعاون بين دول حوض النيل، مع ضرورة الالتزام بالقواعد المنظمة للأنهار المشتركة والتوصل إلى تفاهمات تضمن عدم الإضرار بمصالح أي طرف.
جوتيريش: الأمم المتحدة سعت إلى تهيئة الظروف للحوار بشأن السد
من جانبه، أكد أنطونيو جوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، أن المنظمة الدولية شاركت في جهود مرتبطة بقضية سد النهضة، وعملت على تهيئة الظروف اللازمة لإجراء حوار فعال بين الأطراف المعنية، بهدف التوصل إلى حل يمكن أن يحظى بقبول الجانبين.
وأوضح جوتيريش، ردًا على سؤال بشأن دور الأمم المتحدة خلال سنوات المفاوضات الماضية، أن ما برز في هذا الملف من دور للمنظمة الدولية ارتبط، من بين أمور أخرى، باجتماعات مجلس الأمن الدولي.
وأشار الأمين العام إلى أن لديه خبرة مباشرة في التعامل مع قضايا إدارة الأنهار المشتركة، مستشهدًا بالفترة التي تولى فيها رئاسة وزراء البرتغال، حين جرى التوصل إلى اتفاق مع إسبانيا بشأن الإدارة المشتركة للأنهار التي تمر بين البلدين.
وأكدت تصريحاته أهمية الحوار والتفاهمات المشتركة في معالجة القضايا المرتبطة بالمياه العابرة للحدود، بما يسهم في تقليل الخلافات والوصول إلى حلول مقبولة للأطراف المعنية.
بدر عبد العاطي يوضح موقف مصر من إرسال قوات عسكرية إلى السعودية
وفي سياق آخر، تطرق المؤتمر الصحفي إلى سؤال بشأن إرسال قوات عسكرية مصرية إلى السعودية، والإجراءات الدستورية المتعلقة بهذا الأمر.
وأكد عبد العاطي أن موقف مصر الداعم للمملكة العربية السعودية واضح، مشددًا في الوقت نفسه على ضرورة الالتزام بأحكام الدستور المصري الصادر عام 2014، فيما يتعلق بإرسال قوات عسكرية إلى الخارج.
وأوضح أن قرار إرسال قوات عسكرية مصرية خارج البلاد يتطلب الحصول على موافقة مجلس النواب، وفقًا للإجراءات الدستورية المنظمة لهذا الأمر.
وأشار إلى أن عددًا من أعضاء مجلس النواب طلبوا الحديث والتعليق خلال مناقشات المجلس، مؤكدًا أهمية إتاحة الفرصة أمام البرلمان لمناقشة القرار قبل اتخاذ الخطوات اللازمة بشأنه.
وشدد وزير الخارجية على أن احترام الدستور والإجراءات البرلمانية يمثل جزءًا أساسيًا من عملية اتخاذ القرار، وأن المواقف السياسية والعلاقات الإقليمية يجب أن تسير بالتوازي مع الالتزام بالقواعد الدستورية.
جوتيريش يدعو إلى وقف التصعيد العسكري في المنطقة
وتناول المؤتمر الصحفي أيضًا تطورات التوترات بين الولايات المتحدة وإيران، في ظل تصاعد التهديدات العسكرية والمخاوف من اتساع نطاق المواجهة وتأثيراتها على المنطقة والعالم.
وأكد الأمين العام للأمم المتحدة ضرورة وقف التصعيد العسكري، مشيرًا إلى أهمية إنهاء الهجمات الإيرانية على الدول المجاورة، والعمل على احتواء التوترات قبل أن تتفاقم تداعياتها.
وحذر جوتيريش من أن استمرار التصعيد ستكون له تكلفة باهظة، ليس على دول المنطقة فحسب، وإنما على الاقتصاد العالمي والاستقرار الدولي أيضًا، داعيًا الأطراف المعنية إلى إعطاء الأولوية للحلول الدبلوماسية.
مصر تتحرك مع شركائها لمنع اتساع المواجهة بين واشنطن وطهران
من جانبه، أكد بدر عبد العاطي اتفاق مصر مع ما طرحه الأمين العام للأمم المتحدة بشأن ضرورة وقف التصعيد، مشيرًا إلى أن القاهرة تواصل تحركاتها واتصالاتها مع شركائها الإقليميين والدوليين لتجنب اتساع نطاق المواجهة.
وأوضح أن مصر تعمل بالتعاون مع مجموعة تضم مصر وتركيا وباكستان والسعودية، إلى جانب قطر وأطراف إقليمية ودولية أخرى، من أجل الدفع باتجاه التهدئة ومنع تفاقم الأزمة.
وشدد على أن الحل العسكري لن يؤدي إلى تحقيق الاستقرار والسلام في المنطقة، مؤكدًا ضرورة استمرار الاتصالات السياسية والدبلوماسية للوصول إلى حلول تحد من التوترات وتحافظ على أمن الدول.
وأضاف أن التحركات المصرية تستهدف منع اتساع نطاق الحرب، في ظل ما قد تسببه من تداعيات سلبية على دول الخليج والمنطقة والعالم بأسره.
ارتفاع أسعار النفط يعكس مخاطر التصعيد على الاقتصاد العالمي
وأشار وزير الخارجية إلى التداعيات الاقتصادية المحتملة لاستمرار الحرب، مستشهدًا بارتفاع أسعار النفط، إذ قال إن سعر برميل البترول كان يدور حول 65 دولارًا في بداية الحرب، قبل أن يتجاوز، وفقًا لتصريحاته، مستويات تتراوح بين 117 و120 دولارًا.
وأوضح أن ارتفاع أسعار الطاقة يفرض ضغوطًا على الاقتصاد العالمي، ويزيد من مخاطر اتساع التأثيرات الاقتصادية للأزمة، لا سيما إذا استمرت المواجهة العسكرية أو امتدت إلى مناطق أخرى.
وأكد عبد العاطي أن مصر لن تدخر جهدًا في سبيل منع التصعيد، مشيرًا إلى استمرار الاتصالات اليومية مع الولايات المتحدة وإيران، إلى جانب التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين.
واختتم وزير الخارجية تصريحاته بالتأكيد على أن الأولوية تتمثل في تجنب مواجهة أوسع نطاقًا، والعمل على خفض التوترات عبر المسارات الدبلوماسية، بما يحمي أمن المنطقة ويحد من التداعيات الاقتصادية والسياسية على المستوى الدولي.






