لم يكن فوز الرئيس البرازيلي لويس إيناسيو لولا دا سيلفا بولاية رئاسية رابعة مجرد انتصار انتخابي جديد لزعيم يساري مخضرم، بل حمل دلالات سياسية تتجاوز حدود أكبر دولة في أمريكا اللاتينية، في وقت يشهد فيه العالم تصاعد الصراعات العسكرية والضغوط الاقتصادية والخلافات بشأن حقوق الشعوب وسيادة الدول.
وجاء فوز لولا في الجولة الثانية من الانتخابات الرئاسية، التي أجريت الأحد 25 أكتوبر 2026، بحصوله على 51.79% من الأصوات الصحيحة، مقابل 48.21% لمنافسه فلافيو بولسونارو، ليبدأ ولاية جديدة في 5 يناير 2027.
فوز لولا.. هل رفضت البرازيل النفوذ الأمريكي؟
يفتح انتصار لولا الباب أمام قراءة سياسية تتعلق بمستقبل النفوذ الأمريكي في أمريكا اللاتينية، خصوصًا مع الخلافات التي شهدتها العلاقات بين برازيليا وواشنطن خلال إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
فقد جعل لولا الدفاع عن السيادة الوطنية أحد المحاور الرئيسية لخطابه الانتخابي، منتقدًا الضغوط التجارية والسياسية الخارجية، ومؤكدًا رفضه التعامل مع البرازيل باعتبارها منطقة تابعة لأي قوة دولية.
وكانت الرسالة الأكثر وضوحًا قد ظهرت في خطابه أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في سبتمبر 2026، عندما أعلن أن البرازيل لا يمكن اعتبارها ساحة نفوذ خاضعة لإرادة الآخرين.
هل يمثل انتصار لولا هزيمة سياسية لترامب؟
يمكن النظر إلى النتيجة بوصفها انتكاسة لمساعي توسيع نفوذ التيارات السياسية القريبة من واشنطن في أمريكا اللاتينية، خصوصًا أن منافس لولا ينتمي إلى عائلة بولسونارو المعروفة بعلاقاتها الوثيقة مع ترامب.
لكن هذا التفسير لا يعني أن الانتخابات كانت استفتاءً مباشرًا على السياسة الأمريكية؛ فقد أثرت قضايا الأمن والاقتصاد والأسعار والفساد والسياسات الاجتماعية في اختيارات الناخبين.
ورغم الخلافات السياسية، ستظل المصالح التجارية والاستثمارية بين الولايات المتحدة والبرازيل عاملًا مهمًا في تحديد شكل العلاقة خلال الولاية المقبلة.

من غزة إلى البرازيل.. لولا وانتقاد السياسات الإسرائيلية
اكتسب لولا حضورًا دوليًا بارزًا بسبب انتقاداته الحادة للعمليات العسكرية الإسرائيلية في قطاع غزة، وتحذيراته المتكررة من استهداف المدنيين واستخدام التجويع وسيلةً في الصراع.
وقد اتهم الرئيس البرازيلي إسرائيل بارتكاب إبادة جماعية في غزة، ودعا إلى وقف العمليات العسكرية واحترام القانون الدولي الإنساني، مؤكدًا في الوقت نفسه إدانته هجمات حركة حماس على المدنيين الإسرائيليين.
وأثارت مواقفه أزمة دبلوماسية مع الحكومة الإسرائيلية، التي رفضت اتهاماته، واعتبرت بعض تصريحاته التاريخية مسيئة وغير مقبولة.
هل يحمل فوز لولا رسالة تضامن مع فلسطين؟
يمثل استمرار لولا في الرئاسة دعمًا لاستمرارية الموقف الدبلوماسي البرازيلي المؤيد لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، والمطالب بحماية المدنيين ووقف الانتهاكات.
ومن هذه الزاوية، يكتسب انتصاره أهمية لدى الأطراف الداعمة للحقوق الفلسطينية، لكنه لا يعني بالضرورة أن القضية الفلسطينية كانت الدافع الأساسي وراء تصويت أغلبية البرازيليين له.
محاربة الجوع بدلًا من الحروب.. رؤية لولا للعالم
تتمثل إحدى الركائز الرئيسية في مشروع لولا السياسي في الربط بين العدالة الاجتماعية والسلام الدولي، انطلاقًا من قناعة معلنة بأن الموارد التي تُخصص للتسلح ينبغي أن يقابلها اهتمام أكبر بمحاربة الفقر والجوع.
وفي عام 2024، قادت البرازيل إطلاق التحالف العالمي لمكافحة الجوع والفقر خلال رئاستها مجموعة العشرين، بهدف تعزيز التعاون الدولي وتبادل السياسات الناجحة وتعبئة الموارد لمساعدة الفئات الأكثر احتياجًا.
وتعكس هذه المبادرة توجهًا يعتبر الأمن الغذائي والحماية الاجتماعية جزءًا أساسيًا من الأمن العالمي.
لماذا يربط لولا بين الحروب وتجويع الشعوب؟
يرى الرئيس البرازيلي أن النزاعات المسلحة وتدمير البنية التحتية وتعطيل التجارة والإمدادات الغذائية تسهم في تعميق الأزمات الإنسانية، خصوصًا في الدول الفقيرة ومناطق الصراع.
ومن هنا، فإن انتقاد سباق التسلح لا ينفصل عن مطالبته بإصلاح المؤسسات الدولية، وتوسيع تمثيل دول الجنوب العالمي، وإعطاء التنمية ومكافحة الفقر مكانة أكبر في السياسات الدولية.
البرازيل ودول الجنوب العالمي.. هل يتغير ميزان القوى؟
يمنح انتصار لولا دفعة سياسية للتيار الذي يدعو إلى نظام دولي متعدد الأقطاب، لا تتركز فيه القرارات الاقتصادية والأمنية لدى القوى الكبرى وحدها.
ومن خلال عضوية البرازيل في مجموعة بريكس، يسعى لولا إلى توسيع الشراكات الدولية وتنويع العلاقات الاقتصادية، دون إعلان قطيعة شاملة مع الولايات المتحدة أو أوروبا.
لكن تحويل هذه الرؤية إلى نفوذ دولي ملموس يرتبط بقدرة الاقتصاد البرازيلي على النمو، وبنجاح الحكومة في مواجهة الانقسامات الداخلية والتعامل مع برلمان تميل كفته إلى المحافظين.
هل انتصر خطاب السلام والعدالة الاجتماعية؟
تكشف نتائج الانتخابات عن مجتمع شديد الانقسام، بعد حصول لولا على أكثر من 64 مليون صوت، مقابل نحو 60 مليونًا لمنافسه.
ويعني هذا الفارق أن الرئيس البرازيلي حصل على تفويض انتخابي جديد، لكنه سيواجه معارضة قوية واختبارات صعبة تتعلق بالأمن ومستوى المعيشة والمالية العامة.
ومع ذلك، فإن بقاء لولا في السلطة يحافظ على حضور صوت دولي ينتقد التدخلات الخارجية والحروب التي يتحمل المدنيون تكلفتها، ويدافع عن استقلال القرار الوطني ومكافحة الجوع وتعزيز الحوار.
وهنا تتجاوز دلالة فوزه حدود صناديق الاقتراع: فالعالم لا يحتاج فقط إلى موازين جديدة للقوة، وإنما إلى سياسات تستطيع الموازنة بين أمن الدول وحق الشعوب في الحياة والغذاء والكرامة والسلام.






