الأربعاء، ٢٧ مايو ٢٠٢٦ في ٠٢:٤١ ص

«مليارات إيران المحتجزة».. واشنطن تساوم طهران على أأموالها المجمدة داخل صندوق مشروط

لم تعد الأأموال الإيرانية المجمدة مجرد بند اقتصادي على هامش المفاوضات بين واشنطن وطهران، بل تحولت إلى قلب الصفقة المحتملة، وورقة الضغط الأكثر حساسية في معركة سياسية مفتوحة تتقاطع فيها العقوبات، والبرنامج النووي، ومضيق هرمز، ومستقبل النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط.

فبينما تصر طهران على أن هذه الأأموال «حق سيادي» يجب الإفراج عنه دون شروط، تتعامل واشنطن معها باعتبارها رافعة تفاوضية ضخمة لا ينبغي تحريرها دفعة واحدة، بل وضعها داخل آلية مراقبة صارمة، قد تكون على شكل صندوق مخصص للإعمار أو الاحتياجات الإنسانية والاقتصادية، مع الإفراج عنها تدريجيًا بحسب التزام إيران ببنود الاتفاق.

لماذا عادت أأموال إيران المجمدة إلى الواجهة؟

عاد الملف بقوة مع تصاعد الحديث عن تفاهم أمريكي إيراني جديد، يتضمن خفض التصعيد في المنطقة، وإعادة فتح مضيق هرمز، وربط تخفيف العقوبات بملف البرنامج النووي الإيراني.

وتشير تقارير حديثة إلى أن إيران تضغط للإفراج عن جزء من أصولها المجمدة في الخارج، والتي تُقدّر بعض التقديرات قيمتها بنحو 100 مليار دولار، ضمن أي اتفاق أوسع مع الولايات المتحدة.

لكن واشنطن لا تنظر إلى هذه الأأموال كتحويل مصرفي عادي، بل كجزء من صفقة سياسية وأمنية يجب أن تُدار بحذر؛ لأن الإفراج الكامل والسريع عنها قد يمنح طهران متنفسًا اقتصاديًا هائلًا، ويعيد تمويل شبكات نفوذها الإقليمية من وجهة نظر خصومها.

12 مليار دولار في قطر.. العقدة العاجلة في المفاوضات

من أبرز النقاط المتداولة في المفاوضات مطالبة إيران بالإفراج الفوري عن نحو 12 مليار دولار من أأموالها المجمدة في قطر، باعتبار ذلك شرطًا للمضي قدمًا في التفاهمات مع واشنطن، بحسب تقارير نقلت عن مصادر مطلعة على مسار التفاوض.

وتحظى قطر بدور محوري في هذا الملف، خاصة أن جزءًا من الأأموال الإيرانية المرتبطة بمبيعات النفط إلى كوريا الجنوبية نُقل سابقًا إلى حسابات قطرية في إطار صفقة تبادل سجناء عام 2023، لكن استخدام هذه الأأموال ظل مقيدًا للأغراض الإنسانية وتحت رقابة أمريكية.

الشرط الأمريكي: لا أأموال حرة لطهران

النقطة الأخطر في المفاوضات أن واشنطن، وفق ما تتداوله تقارير عن مسودة التفاهم، لا تريد الإفراج عن الأأموال الإيرانية في صورة سيولة مفتوحة تستطيع طهران التصرف فيها كما تشاء.

الفكرة المطروحة تقوم على وضع جزء من الأأموال داخل صندوق خاضع للرقابة، قد يُخصص لإعادة الإعمار أو الاحتياجات الاقتصادية والإنسانية، مع الإفراج عنها على مراحل، بحيث ترتبط كل دفعة بالتزام إيراني واضح في ملفات مثل التخصيب النووي، تهدئة الملاحة، وتخفيف التصعيد الإقليمي.

وتحدثت تقارير عن مقترح أمريكي يتضمن تخفيفًا مرحليًا للعقوبات، واستثناءات لصادرات النفط، وصندوقًا لإعادة الإعمار ضمن مذكرة تفاهم تؤجل بعض القضايا الكبرى إلى مفاوضات لاحقة.

لماذا تصر أمريكا على الإفراج التدريجي؟

واشنطن تدرك أن ضخ عشرات المليارات دفعة واحدة في الاقتصاد الإيراني سيمنح النظام الإيراني قدرة سريعة على التقاط الأنفاس، بعد سنوات من العقوبات والضغوط والحرب الاقتصادية.

لذلك، يبدو الإفراج التدريجي أداة مزدوجة:
أولًا، يمنح إيران حافزًا اقتصاديًا للاستمرار في التفاوض.
ثانيًا، يمنعها من الحصول على المكاسب كاملة قبل تنفيذ الالتزامات.

وبهذا المعنى، تحاول واشنطن تحويل الأأموال المجمدة من «جائزة سياسية فورية» إلى قسط مشروط، لا يُصرف إلا مع كل خطوة إيرانية قابلة للتحقق.

إيران: الأأموال حق سيادي لا ورقة ابتزاز

على الجانب الآخر، ترى إيران أن الأأموال المجمدة ليست منحة أمريكية، بل عائدات نفطية وتجارية مملوكة للشعب الإيراني، وأن احتجازها يمثل استخدامًا سياسيًا للعقوبات لإجبار طهران على تنازلات استراتيجية.

وهذا ما يجعل الملف أكثر حساسية؛ فإيران لا تريد أن تظهر أمام الداخل وكأنها تقايض حقها المالي مقابل شروط أمريكية، بينما تريد واشنطن أن تقدم أي إفراج مالي للرأي العام الغربي والإسرائيلي باعتباره جزءًا من صفقة تضمن ضبط السلوك الإيراني.

ولهذا وصف مراقبون الملف بأنه «سيادي أكثر منه مالي»، لأنه يمس صورة الدولة الإيرانية وقدرتها على فرض شروطها، وليس فقط احتياجها للعملة الصعبة.

الأأموال مقابل اليورانيوم.. جوهر المقايضة

من أخطر السيناريوهات المتداولة أن ترتبط الأأموال المجمدة مباشرة بملف اليورانيوم المخصب. فقد تحدثت تقارير عن نقاشات أمريكية إيرانية حول صيغة تقوم على الإفراج عن مبالغ كبيرة من الأأموال الإيرانية مقابل تخلي طهران عن مخزون من اليورانيوم المخصب أو إخراجه من البلاد.

وهنا تظهر حساسية الصفقة: فواشنطن تريد ضمانًا نوويًا ملموسًا، وإيران تريد ثمنًا اقتصاديًا واضحًا، بينما تراقب إسرائيل والخليج هذه المعادلة بقلق، خوفًا من أن تؤدي التسوية إلى إنقاذ طهران اقتصاديًا دون تفكيك كامل لقدراتها الاستراتيجية.

هل يكون صندوق الإعمار مخرجًا أم فخًا؟

فكرة الصندوق قد تبدو حلًا وسطًا بين الطرفين. فهي تمنح إيران إمكانية الوصول إلى جزء من أأموالها، لكنها تمنح واشنطن أيضًا حق مراقبة مسارات الإنفاق.

لكن من الناحية السياسية، قد يرى الإيرانيون أن الصندوق يمس السيادة؛ لأنه يعني أن أأموالهم لن تعود إلى البنك المركزي الإيراني بحرية كاملة. وفي المقابل، يرى الأمريكيون أن أي إفراج غير مشروط قد يكون خطأ استراتيجيًا يكرر تجارب سابقة، حين حصلت طهران على متنفس مالي دون تغيير جذري في ملفات النفوذ والصواريخ.

لذلك، قد يتحول الصندوق من حل وسط إلى عقدة جديدة: إيران تريده بوابة للإفراج، وأمريكا تريده قيدًا دائمًا على استخدام الأأموال.

لماذا تخشى إسرائيل من هذه الأأموال؟

إسرائيل تنظر إلى الأأموال المجمدة من زاوية أمنية لا اقتصادية. فالمليارات، في القراءة الإسرائيلية، قد تعني تمويلًا إضافيًا للحرس الثوري، وحلفاء طهران في المنطقة، وبرامج الصواريخ والطائرات المسيرة.

ولهذا فإن أي إفراج مالي كبير، حتى لو كان مشروطًا، سيُقرأ في تل أبيب باعتباره مكسبًا لإيران، ما لم يتزامن مع تفكيك واضح للبرنامج النووي، وتقييد صارم للصواريخ، وضمانات أمريكية بحرية العمل العسكري الإسرائيلي ضد أي تهديد.

المعضلة الكبرى: من يحصل على المكسب أولًا؟

جوهر الخلاف الآن ليس فقط حجم الأأموال، بل ترتيب الخطوات:
إيران تريد الإفراج أولًا لإثبات جدية واشنطن.
أمريكا تريد الالتزام أولًا لضمان عدم حصول طهران على المال دون تنازلات.
إسرائيل تريد ألا يتم الإفراج إلا بعد تفكيك الخطر من جذوره.

وهذه المعادلة الثلاثية تجعل الأأموال المجمدة أخطر من مجرد ملف مصرفي، لأنها أصبحت اختبارًا للثقة بين خصوم لا يثق أي منهم في الآخر.

الخلاصة: أأموال إيران قد تفتح الاتفاق أو تفجره

ملف الأأموال الإيرانية المجمدة يقف الآن في قلب المفاوضات، وقد يكون المفتاح الذي يفتح باب التفاهم، أو اللغم الذي يفجره قبل الولادة.

فإذا نجحت واشنطن في فرض صيغة صندوق مراقب وإفراج تدريجي، فقد تحصل على أداة ضغط طويلة الأمد على طهران. أما إذا نجحت إيران في انتزاع إفراج سريع وواسع، فستعتبر ذلك انتصارًا اقتصاديًا وسياديًا يعيد لها جزءًا من قدرتها على المناورة.

وبين الصندوق المشروط، والإفراج المرحلي، والمقايضة النووية، تبدو الحقيقة واضحة: أأموال إيران المجمدة لم تعد مالًا محتجزًا فقط، بل أصبحت ثمنًا سياسيًا لمعركة أكبر على مستقبل الشرق الأوسط.

 

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.