انتشرت على مواقع التواصل الاجتماعي منشورات واسعة تزعم أن مصر حققت كشفًا بتروليًا ضخمًا “سيغير وجه العالم”، وأنه سيمنح القاهرة مئات المليارات ويُنهي أزمتها الاقتصادية ويجعلها تستغني خلال عامين عن استيراد الغاز من الخارج بوابة الصباح اليوم حققت في الموضوع بعد مراجعة البيانات الرسمية والتقارير الاقتصادية الموثوقة تكشف أن الحقيقة مختلفة: نعم، هناك اكتشافات غاز وبترول مهمة في مصر خلال 2024، وعلى رأسها كشف جديد لشركة إيني الإيطالية في شرق المتوسط، لكن الأرقام المتداولة على مواقع التواصل خلطت بين وقائع صحيحة ومبالغات سياسية واقتصادية لا تدعمها مصادر رسمية.
ما الذي أعلنته إيني رسميًا؟
الحقيقة المؤكدة أن شركة إيني الإيطالية أعلنت في أبريل 2024 عن اكتشاف غاز ومكثفات في بئر Denise W-1 بمنطقة امتياز تمساح البحرية في شرق المتوسط قبالة مصر.
وبحسب بيان الشركة، تشير التقديرات الأولية إلى أن الكشف يحتوي على نحو 2 تريليون قدم مكعب من الغاز، إضافة إلى نحو 130 مليون برميل من المكثفات المصاحبة. كما أوضحت إيني أن موقع الكشف قريب من بنية تحتية قائمة، وهو ما قد يساعد على تسريع تطويره وإدخاله على خريطة الإنتاج مقارنة بالاكتشافات البعيدة عن الشبكات والمنشآت القائمة.
وهذا يعني أن الحديث عن اكتشاف مهم صحيح، لكن الرقم المتداول في بعض المنشورات، وهو 500 مليار قدم مكعب، لا يطابق الرقم الرسمي المعلن من إيني بشأن هذا الكشف، إذ إن بيان الشركة يتحدث عن تقديرات أولية أكبر تصل إلى 2 تريليون قدم مكعب.

اكتشاف آخر في الصحراء الغربية
بجانب كشف إيني في شرق المتوسط، أعلنت مصر أيضًا عن اكتشاف مهم في الصحراء الغربية، وصفته تقارير اقتصادية بأنه الأكبر في تلك المنطقة منذ 15 عامًا.
وتحدثت تقارير متخصصة عن احتياطيات تقارب 70 مليون برميل مكافئ نفطي، بينها نحو 330 مليار قدم مكعب من الغاز، وهو كشف مهم أيضًا، لكنه منفصل عن كشف إيني البحري ولا يجب الخلط بينهما.
هل سيجعل هذا الكشف مصر دولة غاز عظمى فورًا؟
الاكتشافات الجديدة تعزز موقف مصر في قطاع الطاقة، لكنها لا تعني تلقائيًا أن الدولة ستتحول خلال أشهر إلى مصدر ضخم للغاز أو أنها ستحقق مئات المليارات فورًا.
في صناعة الغاز والبترول، هناك فرق كبير بين الإعلان عن كشف وبدء الإنتاج التجاري. فبعد الاكتشاف تأتي مراحل التقييم، وتقدير الاحتياطي القابل للاستخراج، وخطط التطوير، والاستثمارات، والربط بالبنية التحتية، ثم الإنتاج الفعلى.
لذلك، فإن القول إن الكشف “سيغير وجه العالم” أو “سيقضي على ديون مصر” ليس حقيقة مؤكدة، بل صياغة دعائية لا تستند إلى أرقام اقتصادية منشورة.
هل تستغني مصر عن الغاز الإسرائيلي خلال عامين؟
هذه النقطة تحديدًا تحتاج إلى حذر كبير. الحقيقة المؤكدة أن مصر كانت خلال السنوات الأخيرة تواجه تراجعًا في إنتاج الغاز المحلي، ما جعلها أكثر اعتمادًا على الواردات لتلبية احتياجات الكهرباء والصناعة والتصدير.
ووفقًا لرويترز، تراجع إنتاج مصر المحلي من الغاز من أكثر من 6 مليارات قدم مكعب يوميًا في أوائل 2021 إلى نحو 3.5 مليارات قدم مكعب يوميًا في أبريل 2025، وهو تراجع كبير يفسر جانبًا من أزمة الطاقة والضغط على استيراد الغاز والغاز الطبيعي المسال.
كما تشير رويترز إلى أن الغاز الإسرائيلي يمثل نسبة مهمة من احتياجات مصر ووارداتها، وأن هناك اتفاقات ممتدة لتوريد الغاز إلى مصر، منها صفقة كبيرة مرتبطة بحقل ليفياثان الإسرائيلي تمتد حتى عام 2040.
بناءً على ذلك، لا توجد حقيقة مؤكدة تقول إن كشف إيني الجديد وحده سيجعل مصر تستغني عن الغاز الإسرائيلي خلال عامين. قد يساعد الكشف في تحسين الإنتاج مستقبلًا، لكنه لا يكفي وحده لإعلان الاستغناء الكامل عن الواردات.
ماذا عن الاكتفاء الذاتي؟
توجد تصريحات حكومية عن رغبة مصر في استعادة الاكتفاء الذاتي من الغاز وتقليل فاتورة الاستيراد، لكن الجداول الزمنية المتداولة تختلف من مصدر لآخر. بعض التصريحات تحدثت عن استعادة الإنتاج وتحقيق الاكتفاء خلال سنوات، بينما تشير تقارير أخرى إلى أهداف أبعد تمتد حتى 2030.
لذلك، فإن الجزم بأن مصر ستحقق الاكتفاء الذاتي الكامل خلال عامين بسبب الكشف الجديد فقط، ليس مؤكدًا حتى الآن. الأصح أن نقول إن الاكتشافات الجديدة قد تدعم جهود مصر لاستعادة جزء من إنتاجها وتقليل الضغط على واردات الطاقة، بشرط سرعة التطوير ونجاح خطط الإنتاج والاستثمار.
الشركات العالمية في قطاع الطاقة المصري
من الحقائق المؤكدة أن مصر تعمل بالفعل على جذب شركات طاقة كبرى إلى قطاع البحث والاستكشاف والإنتاج، ومن بين الأسماء الحاضرة في السوق أو في اتفاقات مرتبطة بمصر: إيني، شيفرون، شل، بي بي، إكسون موبيل، قطر للطاقة، أباتشي.
كما توجد تحركات مرتبطة باستغلال البنية التحتية المصرية في تسييل الغاز، خصوصًا في مشروعات التعاون مع قبرص وشرق المتوسط.
هذه التحركات مهمة لأنها تعزز دور مصر كمركز إقليمي محتمل للطاقة، لكنها لا تعني تلقائيًا تحقيق طفرة فورية في الإيرادات أو حل أزمة العملة والديون دفعة واحدة.
الحقيقة المختصرة
الحقيقة أن مصر حققت اكتشافات طاقة مهمة في 2024، أبرزها كشف إيني في شرق المتوسط بتقديرات أولية تبلغ نحو 2 تريليون قدم مكعب من الغاز و130 مليون برميل مكثفات، إلى جانب كشف آخر مهم في الصحراء الغربية.
هذه الاكتشافات قد تساعد مصر على دعم الإنتاج وتقليل فجوة الطاقة في المستقبل، لكنها لا تثبت وحدها أن مصر ستستغني سريعًا عن الغاز الإسرائيلي، ولا أنها ستسدد ديونها، ولا أنها ستحقق مئات المليارات فورًا. الحقيقة أكبر من تجاهل الكشف، لكنها أصغر بكثير من الرواية الدعائية المتداولة.
قراءة واقعية لا عاطفية
اكتشافات الغاز والبترول الجديدة تمثل خبرًا إيجابيًا لمصر، لكنها تحتاج إلى قراءة واقعية لا عاطفية. فالكشف مهم، وقد يكون له أثر اقتصادي جيد إذا تم تطويره بسرعة ودخل الإنتاج بكفاءة، لكنه ليس عصا سحرية تنهي أزمات الديون والطاقة والعملات الأجنبية دفعة واحدة. وبين الحقيقة والمبالغة، يبقى المؤكد أن مصر تمتلك فرصًا واعدة في شرق المتوسط والصحراء الغربية، لكن تحويل هذه الفرص إلى مكاسب حقيقية يتوقف على الاستثمار، والإنتاج، والإدارة، والوقت.


