تتزامن الزيارة المرتقبة للرئيس الصيني شي جين بينغ إلى مصر مطلع سبتمبر المقبل مع مرور 70 عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية الرسمية بين القاهرة وبكين، في مناسبة تعكس عمق العلاقات الممتدة بين البلدين، والتي تطورت على مدار العقود الماضية لتشمل المجالات السياسية والاقتصادية والاستثمارية والتجارية.
وتكتسب العلاقات المصرية الصينية أهمية متزايدة في ظل التحولات التي يشهدها الاقتصاد العالمي، ورغبة البلدين في تعزيز التعاون الاقتصادي وتوسيع نطاق الشراكة خلال المرحلة المقبلة.
مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات مع الصين
تتمتع العلاقات المصرية الصينية بخصوصية تاريخية، إذ كانت مصر أول دولة عربية وأفريقية تقيم علاقات دبلوماسية رسمية مع جمهورية الصين الشعبية.
وشهدت العلاقات بين البلدين خلال السنوات الماضية تطورًا ملحوظًا، خاصة على المستوى الاقتصادي، مع زيادة حجم الاستثمارات والتبادل التجاري، ودخول الشركات الصينية إلى عدد من القطاعات الحيوية داخل السوق المصرية.
الصين الشريك التجاري الأول لمصر
تعد الصين، باعتبارها ثاني أكبر اقتصاد في العالم، الشريك التجاري الأول لمصر، وشهد حجم التبادل التجاري بين البلدين نموًا ملحوظًا خلال الفترة الأخيرة.
وبلغ حجم التبادل التجاري بين القاهرة وبكين نحو 20.78 مليار دولار بنهاية عام 2025، مقابل نحو 17.37 مليار دولار خلال عام 2024، محققًا نموًا سنويًا بلغ نحو 19.6%.
ويعكس هذا النمو تنامي العلاقات التجارية بين البلدين، رغم استمرار وجود فجوة بين حجم الصادرات المصرية إلى السوق الصينية والواردات المصرية من الصين.
أبرز الصادرات المصرية إلى السوق الصينية
وتتنوع المنتجات المصرية التي يتم تصديرها إلى السوق الصينية، ومن أبرزها الوقود المعدني والزيوت المعدنية ومنتجات تقطيرها، إلى جانب عدد من المنتجات الزراعية.
كما تشمل الصادرات المصرية الألياف النسيجية والملح والكبريت والقطن، بما يعكس تنوع قاعدة المنتجات المصرية القابلة للنفاذ إلى السوق الصينية.
وتسعى مصر إلى زيادة حجم صادراتها إلى الصين، والاستفادة من اتساع السوق الصينية، بما يسهم في تعزيز موارد الدولة من النقد الأجنبي وتقليص الفجوة التجارية بين البلدين.
الأجهزة الكهربائية والسيارات تتصدر الواردات
وعلى الجانب الآخر، تتصدر الأجهزة والمعدات الكهربائية قائمة أهم الواردات المصرية من الصين، إلى جانب السيارات والجرارات والدراجات وقطع الغيار والمكونات الخاصة بها.
كما تستورد مصر من الصين كميات كبيرة من منتجات الحديد والصلب وغيرها من المنتجات والسلع التي تدخل في قطاعات الإنتاج والاستهلاك بالسوق المحلية.
وتعمل القاهرة على زيادة القيمة المضافة للتجارة مع الصين، من خلال جذب المزيد من الاستثمارات الصناعية الصينية إلى السوق المصرية بدلًا من الاعتماد على استيراد المنتجات النهائية فقط.
10 مليارات دولار استثمارات صينية في مصر
شهدت الاستثمارات الصينية في مصر نموًا كبيرًا خلال السنوات العشر الماضية، في إطار الشراكة الاستراتيجية التي عززها البلدان خلال هذه الفترة.
وتقدر الاستثمارات الصينية في مصر بنحو 10 مليارات دولار، موزعة على أكثر من 3 آلاف شركة تعمل في قطاعات مختلفة داخل السوق المصرية.
وتعكس هذه الاستثمارات تنامي اهتمام الشركات الصينية بالسوق المصرية، خاصة مع المزايا التي تتمتع بها مصر من حيث الموقع الجغرافي وتوافر البنية التحتية والعمالة والأسواق التي يمكن الوصول إليها من خلال مصر.
الصناعة تتصدر القطاعات الجاذبة للاستثمارات الصينية
يأتي القطاع الصناعي في مقدمة القطاعات الأكثر جذبًا للاستثمارات الصينية في مصر، حيث شملت المشروعات صناعات متعددة، من بينها تصنيع الأجهزة المنزلية والصناعات المغذية لقطاع السيارات.
كما امتدت الاستثمارات إلى صناعات الألياف الزجاجية والمستلزمات الصحية والإلكترونيات والهواتف الذكية، إلى جانب مشروعات البنية التحتية والمقاولات.
وشهد قطاع الغزل والنسيج أيضًا اهتمامًا متزايدًا من الشركات الصينية، مع نجاح مصر خلال العام الماضي في جذب المزيد من الاستثمارات الصينية العاملة في هذا المجال.
ماذا تريد مصر من الشراكة مع الصين؟
تسعى مصر خلال المرحلة المقبلة إلى الانتقال بالعلاقات الاقتصادية مع الصين إلى مستوى أكثر تقدمًا، بحيث لا تقتصر الشراكة على التبادل التجاري وتنفيذ المشروعات، وإنما تمتد إلى التكامل الصناعي ونقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات.
وتستهدف القاهرة زيادة مشاركة الشركات الصينية في عمليات الإنتاج داخل مصر، بما يسمح بتحويل جزء من الواردات إلى منتجات يتم تصنيعها محليًا، مع إمكانية إعادة تصديرها إلى الأسواق الإقليمية والدولية.
وتطمح مصر إلى الانتقال من مرحلة استيراد المنتجات الصينية إلى تصنيعها محليًا وتصديرها، بما يحقق قيمة مضافة أكبر للاقتصاد المصري.
مصر بوابة للأسواق الأفريقية
وتعتمد مصر في تعزيز شراكتها مع الصين على موقعها الجغرافي المتميز، باعتبارها حلقة وصل بين الأسواق الأفريقية والآسيوية والأوروبية.
كما تمتلك مصر شبكة من اتفاقيات التجارة والاستثمار التي تمنح المستثمرين إمكانية الوصول إلى سوق أفريقية ضخمة تضم نحو 1.3 مليار مستهلك، وهو ما يمثل عامل جذب للشركات الصينية الراغبة في توسيع نطاق أعمالها خارج السوق الصينية.
وتوفر البنية التحتية المصرية، إلى جانب الموانئ والمناطق الصناعية وشبكات النقل، فرصًا أمام الشركات الصينية لإنشاء مراكز إنتاج وتصدير تخدم أسواقًا متعددة انطلاقًا من مصر.
فرصة مصر للانضمام إلى سلاسل القيمة العالمية
وتأتي هذه التحركات في وقت يشهد فيه الاقتصاد العالمي إعادة ترتيب لخريطة سلاسل الإنتاج والتوريد، مع اتجاه بعض الشركات إلى نقل جزء من عملياتها الصناعية إلى دول تتمتع بمزايا تنافسية وموقع جغرافي مناسب.
وترى مصر أن هذه التحولات تمثل فرصة لتعزيز موقعها كمركز صناعي وإقليمي، والاستفادة من خبرات الشركات الصينية وتكنولوجياتها في عدد من المجالات.
ومن ثم، تسعى القاهرة إلى أن تتحول الشراكة المصرية الصينية من مجرد علاقة تجارية واستثمارية إلى شراكة إنتاجية وتكنولوجية، بما يعزز قدرات الصناعة المحلية ويدعم الصادرات.
شراكة اقتصادية تتجه إلى مرحلة جديدة
وتحمل زيارة الرئيس الصيني المرتقبة لمصر أهمية خاصة في ظل مرور سبعة عقود على العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، وما شهدته هذه العلاقات من تطور واسع على مختلف المستويات.
وتسعى مصر خلال المرحلة المقبلة إلى تعظيم الاستفادة من الشراكة مع الصين، عبر جذب استثمارات صناعية جديدة، وتوطين التكنولوجيا، وزيادة الصادرات، وتعزيز التكامل في سلاسل الإنتاج العالمية.
وبذلك، تمتلك مصر فرصة لتعزيز موقعها كحلقة أساسية في سلاسل القيمة الصناعية العالمية للصين، مستفيدة من موقعها الاستراتيجي وبنيتها التحتية واتفاقياتها التجارية واتساع الأسواق التي يمكن الوصول إليها من خلالها.


