الجمعة، ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦ في ٠٣:٤٥ م

جاء ليكحلها فعماها.. منع التصوير في التأمينات هل يحل المشكلة أم يخفيها؟

في وقت كان ينتظر فيه المواطنون أن تتحول واقعة مكتب تأمينات الهرم إلى فرصة لمراجعة طريقة تعامل بعض الموظفين مع الجمهور  وتطوير منظومة خدمة المواطنين، وتدريب العاملين على الاحتواء والاحترام وسرعة إنجاز المصالح، خرجت الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي بإجراء أثار جدلًا واسعًا: التأكيد على منع التصوير داخل مقارها دون إذن مسبق واتخاذ الإجراءات القانونية بشأن المخالفين.

وهنا يفرض المثل الشعبي نفسه: «جاء ليكحلها فعماها».

فالمشكلة التي فجرت الأزمة لم تكن في وجود كاميرا هاتف محمول، وإنما في واقعة تعامل غير لائق مع مواطن داخل أحد مكاتب التأمينات، وهي الواقعة التي انتهى التحقيق فيها بالفعل إلى مجازاة الموظفة بخصم ٣٠ يومًا من راتبها، ومجازاة مدير المكتب بخصم ٧ أيام، بعد ثبوت المخالفة وفق ما أعلنته الهيئة. نفسها صاحبة أخفاء الأفعال

المشكلة ليست في الكاميرا

قد يكون لمنع التصوير داخل المنشآت الحكومية سند تنظيمي وقانوني، وقد استندت الهيئة إلى قرار رئيس مجلس الوزراء رقم ٢٧٢٠ لسنة ٢٠٢٢ بشأن قواعد التصوير الشخصي في الأماكن العامة. لكن السؤال هنا ليس فقط: هل تستطيع الهيئة منع التصوير؟

السؤال الأهم هو: هل منع التصوير يعالج أصل المشكلة التي كشفت عنها الواقعة؟

فاللقطة التي انتشرت لم تخلق المشكلة، وإنما كشفتها للناس  ولم تكن  القطة هي من فعلت المشكلة

والمواطن عندما يدخل مكتبًا حكوميًا للحصول على معاش أو مستحق تأميني أو إنهاء إجراء يتعلق بمصدر دخله وحياته، لا يفترض أن يكون همه الأول هو تصوير الموظف، كما لا ينبغي أن يكون هم الإدارة الأول هو منع الكاميرا ويجب ان يكون همها الاول  هو تطبيق القانون وانهاء معاملات الناس ياحترام ...الأولوية يجب أن تكون لجعل المواطن أصلًا غير محتاج إلى إخراج هاتفه لتوثيق شكواه. 

القرار الأسهل.. وليس بالضرورة الحل الأصعب والأصح

من السهل وضع لافتة تقول «ممنوع التصوير»...ومن السهل إصدار تعليمات للأمن بمنع استخدام الهواتف في التصوير.

لكن الأصعب هو بناء منظومة يكون فيها الموظف المدرب قادرًا على التعامل مع المواطن الغاضب والمتوتر، وشرح أسباب تأخر معاملته، وإرشاده إلى المستندات المطلوبة، وإنهاء مشكلته دون تعالٍ أو مشادة خارج نطاق الخدمة المطلوبة

الأصعب هو قياس رضا المواطنين عن الخدمة.

والأصعب هو معرفة أي المكاتب تتكرر ضدها الشكاوى، وأي الموظفين يحتاجون إلى إعادة تدريب، وأين تتعطل المعاملات ولماذا هذه هي القرارات الإدارية الصعبة التي تصنع فارقًا حقيقيًا.

أما منع التصوير وحده فلا يحسن مستوى الخدمة ولا يقلل زمن الانتظار ولا يحل مشكلة مواطن تعطلت مستحقاته انه قد يحمي موظف متعنت ويخفي أخطأء

درّب الموظف قبل أن تمنع المواطن

الهيئة نفسها وجهت العاملين بعد الواقعة إلى حسن استقبال الجمهور والتعامل معهم باحترام وهدوء ولباقة، وإرشاد المواطنين إلى الإجراءات والمستندات المطلوبة وعدم تعطيل مصالحهم، كما طالبت بإعادة تقييم العاملين في المكاتب الأمامية واختيار أفضل العناصر للتعامل مع الجمهور.

وهذه في الحقيقة هي النقطة التي كان يجب أن تصبح عنوان المرحلة المقبلة وليس قرار ممنوع التصور

مكاتب خدمة الجمهور تحتاج إلى مهارات مختلفة

الموظف الذي يجلس أمام عشرات أو مئات المواطنين يوميًا لا يكفي أن يعرف اللوائح والنظام الإلكتروني...إنه يحتاج إلى تدريب على:

التعامل مع الغضب، واحتواء الشكاوى، وشرح الإجراءات بلغة واضحة، واحترام كبار السن وأصحاب المعاشات، وعدم تحويل الضغط الوظيفي إلى توتر يدفع ثمنه المواطن.

وعندما يفشل موظف في ذلك، تكون المسؤولية مشتركة بين الموظف نفسه وبين الإدارة التي وضعته في مواجهة الجمهور دون تدريب ورقابة كافيين.

منع التصوير لا يجب أن يتحول إلى منع التوثيق والمساءلة

انتقد عدد من السياسيين والبرلمانيين الاتجاه إلى منع التصوير باعتباره علاجًا للمشكلة، وقال رئيس الهيئة البرلمانية لحزب العدل بمجلس الشيوخ إسماعيل الشرقاوي إن مواجهة المشكلات داخل مكاتب التأمينات يجب أن تكون عبر الرقابة ومحاسبة المقصرين، وليس فقط بمنع المواطنين من توثيق ما يتعرضون له.

وهنا تظهر ضرورة وجود بديل حقيقي.

فإذا كانت قواعد العمل تمنع المواطن من التصوير، فيجب أن توفر الهيئة في المقابل آلية توثيق رسمية سريعة وموثوقة.

كاميرات مراقبة داخل مناطق خدمة الجمهور، حفظ التسجيلات لفترة مناسبة، رقم شكوى يحصل عليه المواطن فورًا، إمكانية طلب مراجعة تسجيل الواقعة، ومسار تصعيد واضح لا يعتمد على العودة إلى الموظف أو المكتب ذاته محل الشكوى.

عندها يصبح منع التصوير جزءًا من نظام متكامل، وليس مجرد إغلاق للنافذة التي خرجت منها المشكلة إلى الرأي العام.

هل نمنع المرآة أم نعالج ما ظهر فيها؟

الفيديوهات المتداولة عبر مواقع التواصل لها سلبيات حقيقية، وقد تنتهك خصوصية موظف أو مواطن، وقد تعرض واقعة مبتورة لا تكشف جميع تفاصيلها.

لكن هذا لا يعني أن كل تصوير هو أصل الأزمة.

عندما يكشف مقطع مصور خللًا حقيقيًا ثم يثبت التحقيق الإداري وقوع المخالفة، فالأجدى أن يكون السؤال: كيف نضمن ألا تتكرر؟

لا: كيف نضمن ألا يتم تصويرها مرة أخرى؟

فالفرق بين السؤالين هو الفرق بين إدارة تبحث عن حل المشكلة وإدارة قد تبدو وكأنها تبحث عن إخفاء صورتها.

قرار يمكن تطبيقه بسهولة داخل مكتب مغلق

يمكن لرئيس أي جهة أن يمنع التصوير داخل مكتبه الشخصي بسهولة، ويمكن تنظيم دخول الزائرين وفرض قواعد صارمة على الأجهزة والتصوير في نطاق محدود.

لكن الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي ليست مكتبًا مغلقًا.

إنها جهة خدمية يتردد على مكاتبها ملايين المواطنين وأصحاب المعاشات والمستحقين.

ومن هنا فإن إدارة العلاقة بين الموظف والجمهور لا يمكن اختزالها في تعليمات أمنية.

ولا يمكن أن يكون نموذج التعامل هو أن يتحول الأمن أو موظفو الاستقبال إلى البحث عمن يحمل هاتفًا للتصوير، بينما يبقى السؤال الحقيقي: هل حصل المواطن على خدمته باحترام وفي الوقت المناسب؟

الواقعة أثبتت أهمية الرقابة لا خطورة الرقابة

المفارقة أن الهيئة تحركت سريعًا بعد انتشار واقعة مكتب الهرم، وأجرت تحقيقًا وانتهت إلى عقوبات تأديبية بحق الموظفة ومدير المكتب.

وهذا التحرك نفسه يطرح سؤالًا مهمًا:

ماذا لو لم تصل الواقعة إلى الرأي العام؟

هل كانت ستظهر بالسرعة نفسها؟

وهل كانت منظومة الشكاوى الداخلية قادرة على كشفها؟

من هنا يجب أن تصبح الواقعة فرصة لتطوير وسائل الرقابة الذاتية داخل الهيئة، بحيث لا تحتاج المؤسسة أصلًا إلى فيديو على مواقع التواصل لاكتشاف الخلل.

رئيس الهيئة أمام اختبار أصعب من منع التصوير

المهمة الحقيقية أمام رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي ليست إصدار تعليمات يمكن تنفيذها بوضع لافتة ممنوع التصوير  على باب المكتب.

الاختبار الأصعب هو أن يدخل المواطن أي فرع من فروع الهيئة فيجد معاملة واحدة ومعيارًا واحدًا للخدمة، سواء كان يحمل هاتفًا أو لا يحمله، وسواء كانت هناك كاميرا تراقب الموظف أم لا.

الإدارة الناجحة ليست التي تجعل الخطأ غير قابل للتصوير.

الإدارة الناجحة هي التي تجعل الخطأ أقل حدوثًا، وأسرع اكتشافًا، وأكثر حسمًا عند المحاسبة.

«جاء ليكحلها فعماها».. الرسالة التي يجب ألا تصل للمواطن

لا خلاف على حق أي مؤسسة في حماية خصوصية موظفيها والمواطنين الموجودين داخل مقارها، ولا على ضرورة الالتزام بالقانون والضوابط المنظمة للتصوير.

لكن الخطأ هو أن تصل الرسالة إلى المواطن بصورة معكوسة:

حدث تجاوز، فكان أحد أبرز ردود الفعل هو منع الكاميرا التي كشفت التجاوز.

كان من الأفضل أن تكون الرسالة:

حدث تجاوز، ولذلك سندرب الموظفين بصورة أفضل، ونراقب الأداء، ونفتح قنوات فعالة للشكاوى، ونحاسب المقصر، ونضمن أن يحصل كل مواطن على حقه وكرامته.

عندها فقط تكون الإدارة قد عالجت المرض، لا أنها اكتفت بإبعاد المرآة التي أظهرت المرض نفسه.

 

 

الكلمات المفتاحية:
نع التصوير في التأمينات قرار منع التصوير في التأمينات الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي رئيس هيئة التأمينات جمال عوض رئيس الهيئة القومية للتأمين الاجتماعي واقعة تأمينات الهرم موظفة تأمينات الهرم فيديو موظفة التأمينات منع التصوير داخل مكاتب التأمينات التصوير في المصالح الحكومية قرار منع التصوير في المصالح الحكومية قرار مجلس الوزراء ٢٧٢٠ لسنة ٢٠٢٢ شكاوى التأمينات الاجتماعية مشاكل التأمينات الاجتماعية موظفو التأمينات تدريب موظفي التأمينات معاملة المواطنين في التأمينات خدمة المواطنين بالتأمينات أصحاب المعاشات مشاكل أصحاب المعاشات مكاتب التأمينات الاجتماعية مكاتب التأمينات والمعاشات التصوير داخل المصالح الحكومية حقوق المواطنين في المصالح الحكومية كرامة المواطن سوء معاملة المواطنين الرقابة على الموظفين محاسبة موظفي التأمينات تجاوزات موظفي التأمينات منع توثيق الشكاوى شكاوى المواطنين التأمينات الاجتماعية اليوم أخبار التأمينات اليوم أخبار المعاشات اليوم واقعة الهرم قرار رئيس هيئة التأمينات منع تصوير موظفي التأمينات كاميرات مراقبة مكاتب التأمينات تطوير مكاتب التأمينات خدمة أصحاب المعاشات ميكنة التأمينات جاء ليكحلها فعماها منع التصوير أم منع التجاوزات
عاجل
ادعى ضرب شقيقه ومنع الزيارة عنه.. الداخلية تكشف تفاصيل الواقعة * من الأعظم في تاريخ أمريكا؟ ترامب يحسمها لنفسه ويضع بايدن وأوباما بين الفاشلين * التظلم يقابله الضرب.. بيان جامعة شرق بورسعيد الأهلية ومحاولات التبرير الضعيفة * من الدارك ويب إلى جريمة قتل.. تفاصيل صادمة في مسلسل «لعبة جهنم» * بالتفاصيل: كيف أحبطت الداخلية المصرية تهريب شحنة كبتاغون بـ 40 مليون دولار؟ * بالفيديو: الأمن يضبط المتهمين بمشاجرة دمنهور بسبب خلافات الجيرة * مدير التأمين الصحي ببني سويف يفاجئ النوبتجيات ويحيل 13 طبيباً و12 ممرضاً للتحقيق * سعيد محمد أحمد يكتب :البلشي وقلاش والجارح ..ولغة العواطف والخوف  في شؤون وشجون المهنة * جاء ليكحلها فعماها.. منع التصوير في التأمينات هل يحل المشكلة أم يخفيها؟ * تصدع في اليمين الإسرائيلي...بن غفير يرفض دعوة نتنياهو للتحالف مع سموتريتش * رفضت إعطاءهما أموالًا.. ضبط شقيقين بعد التعدي على والدتهما في السيدة زينب * سعر الريال السعودي اليوم الجمعة ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦ في البنوك المصرية * بث مباشر مباراة االنصر والتعاون اليوم الجمعة ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦ * بث مباشر مباراة كريستال بالاس ومانشستر سيتي اليوم الجمعة ٢٨ أغسطس ٢٠٢٦ * ليلة كروية مزدحمة.. الأهلي والهلال والنصر والسيتي في مباريات اليوم الجمعة * الدولار قرب ٥٠ جنيهًا.. هل يستمر الاستقرار أم تتغير الأسعار في سبتمبر؟ *