بيان"منقوص" وتبريرات مهتزة.. قراءة نقدية في واقعة الطالب البحراوي بجامعة شرق بورسعيد
في واقعة هزت الوسط الأكاديمي بمحافظة بورسعيد، خرجت جامعة شرق بورسعيد الأهلية ببيان توضيحي حول حادثة الطالب أحمد السيد السعيد محمد سليمان، الشهير بـ"البحراوي"، بكلية الصيدلة، والتي شهدت يوم الأحد 23 أغسطس 2026 تعدياً جسدياً بالضرب والسحل على الطالب عند البوابة الرئيسية للجامعة. لكن البيان الرسمي، بدلاً من أن يكون استيعاباً للأزمة، تحول إلى محاولة "تبرير غير منطقي" للعنف المفرط، وسط تساؤلات عريضة عن الغائب الأكبر في البيان: أين الرد على تفاصيل الضرب الذي تعرض له الطالب؟
الغش لا يبرر "السحل".. أين الاعتذار عن العنف الجسدي؟
ركز بيان الجامعة في جزئه الأول على المخالفات الأكاديمية للطالب، حيث أوضح أنه لم يجتز الحد الأدنى للنجاح في عدد من الفصول الدراسية، كما تم ضبط هاتفه المحمول داخل اللجان بغرض الغش، وتم تحرير محضر ضده وإحالته للشؤون القانونية. لكن المشكلة ليست هنا؛ فالعقاب الأكاديمي حق خالص للجامعة، لكن المفارقة الصادمة تكمن في أن الطالب جاء إلى الجامعة للاستفسار عن موقفه (وهذا حقه المشروع)، ليفاجأ بأن العقاب الإداري يتحول إلى "عنف جسدي" على بوابة الجامعة.
قراءة بين السطور: التهديدات حجة واهية لتبرير التعدي
ذكر البيان أن الطالب وجه السباب والإهانات للعاملين وأفراد الأمن، وتوعد باقتحام الحرم الجامعي والتعدي على أعضاء هيئة التدريس، مما استدعى تدخل الأمن لمنع التصعيد. لكن السؤال النقدي الذي يفرض نفسه بقوة: هل يكفي اتهام طالب بالسب والتهديد لتبرير عملية "سحل" وضرب مبرح أمام أعين الطلاب والمارة؟ التبرير غير المنطقي هنا يكمن في أن الجامعة تختزل مشهداً كاملاً من العنف المادي (الذي شهده العشرات) في جملة عابرة عن "منع التصعيد"، متجاهلة تماماً جراح الطالب الجسدية ورواية شهود العيان الذين أكدوا أن الضرب كان مفرطاً وغير متناسب مع أي إساءة لفظية.

"حق التظلم مكفول".. بين النص والواقع المسحوق
في ذروة التناقض، تؤكد الجامعة في ختام بيانها أن "حق الطالب في التظلم مكفول"، ولكن كيف يكون هذا الحق مكفولاً لطالب يُسحب على الأرض ويُضرب لمجرد محاولته الاستفسار عن موقفه؟ هذا هو لب التبرير غير المنطقي الذي يضرب به عرض الحائط أبسط حقوق الإنسان في الدفاع عن النفس والتعبير عن الاحتجاج.
لماذا لم تتحدث الجامعة عن الضرب في البيان؟
إذا كانت الجامعة حريصة على الشفافية، فلماذا تغيبت كلمة "الضرب" أو "السحل" تماماً عن البيان الرسمي، بينما تطفح منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع فيديو وصور تظهر إصابة الطالب؟ الغريب أن الجامعة أشارت إلى "تحرير محاضر" و"الشؤون القانونية" في حق الطالب، لكنها لم تشر ولو بكلمة إلى تحويل أفراد الأمن الذين باشروا عملية التعدي الجسدي إلى التحقيق أيضاً! هذا الانحياز الواضح في السرد يجعل البيان أشبه بـ"دفاع" عن العنف الإداري بدلاً من أن يكون تحقيقاً نزيهاً في الواقعة.
توقيت البيان ومحاولة تشويه سمعة الطالب
يلاحظ المتابعون أن الجامعة تعمدت في بيانها إلى استباق الحديث عن "الغش" و"الرسوب" قبل الحديث عن واقعة البوابة، في محاولة لخلق حالة من "العداوة العامة" ضد الطالب، وكأنها تريد القول للرأي العام: "إنه طالب سيء ومشاغب، لذا فهو يستحق ما حدث". هذا الأسلوب في التبرير لا يليق بمؤسسة أكاديمية تحترم نفسها، فالعقاب التأديبي له آلياته، والعنف الجسدي جريمة قائمة بذاتها، بغض النظر عن خلفية الضحية الأكاديمية.
قراءة في التناقضات.. الجامعة بين الاتهام والدفاع
نشرت الجامعة بيانها وكأنها تبرئ ساحة أمنها، لكنها تركت ثغرات نقدية كبيرة، منها:
-
تناقض الموقف: كيف يهدد طالب واحد باقتحام حرم جامعي بأكمله يحتوي على عشرات من أفراد الأمن، ثم يُضرب ويُسحب، ليخرج البيان متحدثاً عن "خطر" الطالب؟
-
التجاهل المتعمد للصورة الذهنية: الصور التي خرجت من الطالب المصاب تناقض تماماً الصورة الهادئة التي يحاول البيان رسمها عن أن الموقف تمت السيطرة عليه بالطرق القانونية.
-
التبرير بالمخالفة: ربط العنف الجسدي بمخالفة الغش هو "خلط للأوراق" مقصود، فلكل منهما تحقيق منفصل وقانون مختلف.
ماذا كان يجب على الجامعة أن تفعل؟
بدلاً من هذا البيان الدفاعي غير المنطقي، كان من الأجدى أن تصدر الجامعة بياناً يعترف بـ "الخطأ في حق الطالب" ناتج عن رد فعل مبالغ فيه من قبل الأمن، وتعلن عن تشكيل لجنة تحقيق محايدة تنظر في كلا الطرفين: الطالب (فيما نسب إليه من سب وتهديدات)، وأفراد الأمن (فيما ارتكبوه من عنف جسدي غير مبرر). كما كان عليها أن تعلن بصريح العبارة عن متابعة الحالة الصحية للطالب وتوفير الرعاية اللازمة له، بدلاً من التعامل معه كمجرد "رقم مخالفة".
لا شرعية لعنف الجامعة مهما كانت المبررات
تبقى واقعة الطالب البحراوي شاهداً على حالة من الترهيب الأكاديمي التي تتناقض مع روح المؤسسات الأهلية الحديثة التي يُفترض أن ترتكز على الحوار والشفافية. إن محاولة تبرير الضرب بـ"تهديدات لفظية" أو بـ"مخالفة غش" هي خطاب غير منطقي يحاول تغليف العنف بغطاء قانوني فضفاض. حقوق الطلاب في التظلم خط أحمر، وأي اعتداء جسدي على طالب جاء لممارسة حقه المشروع يجب أن يحاسب عليه الفاعلون بشدة، بعيداً عن حسابات "حماية سمعة" الجامعة أو تبريراتها الهزيلة. الجميع يترقب التحقيقات الرسمية، لا بيانات النفي والتبرير التي تزيد الطين بلة.


