ترامب ينصّب نفسه «الأعظم».. قائمة أفضل رؤساء أمريكا تعيد الجدل حول النرجسية
أعاد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الجدل حول شخصيته وأسلوبه في تقديم نفسه للرأي العام، بعدما نشر عبر منصته «تروث سوشيال» تصنيفًا لرؤساء الولايات المتحدة، وضع فيه نفسه منفردًا في المرتبة الأعلى تحت عنوان «The Greatest – الأعظم»، متقدمًا على أسماء تاريخية مثل أبراهام لينكولن وجورج واشنطن وفرانكلين روزفلت.
ولم يكتف ترامب بوضع نفسه في الصدارة، بل صنّف عددًا من خصومه السياسيين، وعلى رأسهم جو بايدن وباراك أوباما، ضمن فئة «الفاشلين»، في منشور فتح مجددًا الباب أمام نقاش قديم بشأن تضخم الأنا والنرجسية في شخصية ترامب، وهو نقاش شارك فيه أطباء نفسيون ومتخصصون منذ ولايته الأولى.
لكن من المهم التفرقة بين وصف شخص بأنه يظهر سمات نرجسية وبين تشخيصه طبيًا بـاضطراب الشخصية النرجسية؛ فالتشخيص السريري يحتاج إلى تقييم متخصص، ولا يمكن إثباته من منشور سياسي أو سلوك علني منفرد.
ترامب يضع نفسه فوق لينكولن وواشنطن
قسم التصنيف الذي نشره ترامب رؤساء الولايات المتحدة إلى عدة مستويات، وجاء ترامب وحده في فئة «الأعظم».
أما فئة «العظماء» فتضمنت:
أبراهام لينكولن، جورج واشنطن، فرانكلين روزفلت، وودرو ويلسون، توماس جيفرسون، أندرو جاكسون.
ووضع ثيودور روزفلت وجروفر كليفلاند وجون آدامز وجيمس بولك ضمن فئة قريبة من العظماء، بينما شملت قائمة «الفاشلين» جو بايدن وباراك أوباما وجيمي كارتر ويوليسيس غرانت ووارن هاردينغ.
رؤساء بارزون غابوا عن قائمة ترامب
أثار التصنيف الانتباه أيضًا بسبب غياب أسماء بارزة من تاريخ الرئاسة الأمريكية، من بينها رونالد ريغان وجون كينيدي وريتشارد نيكسون وجورج بوش الأب وجورج بوش الابن، رغم المكانة السياسية والتاريخية لبعضهم داخل الحزب الجمهوري نفسه.
هل تصنيف ترامب لنفسه «الأعظم» دليل على النرجسية؟
من الناحية النفسية، لا يمكن اعتبار منشور واحد أو حتى مجموعة تصريحات دليلًا كافيًا لتشخيص اضطراب نفسي.
لكن وضع الشخص نفسه في مرتبة أعلى من جميع أسلافه، والحاجة المتكررة إلى إبراز التفوق والإنجازات والمكانة، هي سلوكيات يمكن أن تندرج — بشكل عام وليس تشخيصيًا — ضمن ما يصفه علماء النفس بـالسمات النرجسية.
وتشير المراجع الطبية إلى أن اضطراب الشخصية النرجسية قد يرتبط بإحساس مبالغ فيه بالأهمية الذاتية، والحاجة الشديدة إلى الإعجاب، والشعور بالاستحقاق والتفوق، والمبالغة في الإنجازات، إلى جانب صعوبات في التعاطف مع الآخرين. لكن وجود بعض هذه السمات لا يعني تلقائيًا وجود اضطراب نفسي.

الطبيب الذي وصف ترامب بأنه «نرجسي من الطراز العالمي»
واحدة من أكثر المفارقات إثارة في هذا الملف جاءت من الطبيب النفسي الأمريكي ألين فرانسيس، الذي شارك بصورة رئيسية في وضع معايير اضطراب الشخصية النرجسية في الدليل التشخيصي للاضطرابات النفسية.
فرانسيس وصف ترامب في عام ٢٠١٧ بأنه «نرجسي من الطراز العالمي»، لكنه رفض في الوقت نفسه تشخيصه بأنه مصاب باضطراب الشخصية النرجسية.
وأوضح أن وجود صفات مثل تضخم الشعور بالأهمية، والرغبة في أن يُنظر إلى الشخص باعتباره عظيمًا ومميزًا، والحاجة إلى الإعجاب، لا يكفي وحده للتشخيص السريري.
لماذا رفض ألين فرانسيس تشخيص ترامب بالاضطراب؟
يرى فرانسيس أن الاضطراب النفسي لا يُشخّص بمجرد وجود سمات شخصية بارزة، بل يجب أن ترتبط هذه السمات بدرجة واضحة من الضيق أو الاختلال في الأداء والحياة.
ولهذا قال إن ترامب قد يظهر بدرجة كبيرة صفات مرتبطة بالنرجسية، لكنه لا يستطيع بناءً على ذلك وحده القول إنه يعاني اضطراب الشخصية النرجسية.
وهذا الفارق مهم: فقد يكون الإنسان متفاخرًا أو شديد الثقة بنفسه أو باحثًا عن الإعجاب دون أن يكون مريضًا نفسيًا.
أطباء آخرون ذهبوا إلى أبعد من ذلك
في المقابل، كان هناك متخصصون في الصحة النفسية أكثر حدة في تقييماتهم لترامب.
ففي عام ٢٠١٧، قاد عالم النفس السريري جون غارتنر مجموعة من المختصين الذين اعتبروا أن ترامب يظهر ما وصفوه بـ«النرجسية الخبيثة»، كما استخدم الطبيب النفسي السابق في كلية طب هارفارد لانس دودز التعبير نفسه في وصفه لترامب.
لكن تلك الآراء أثارت جدلًا واسعًا داخل المجتمع الطبي نفسه، لأنها اعتمدت على الملاحظة العلنية دون فحص سريري مباشر.
قاعدة غولد ووتر.. لماذا يرفض الأطباء تشخيص السياسيين عن بُعد؟
تنص القواعد الأخلاقية للجمعية الأمريكية للطب النفسي على ما يعرف باسم قاعدة غولد ووتر، التي تعتبر أنه من غير الأخلاقي أن يقدم طبيب نفسي تشخيصًا مهنيًا لشخصية عامة لم يفحصها شخصيًا ويحصل على التفويض المناسب للإفصاح عن ذلك التقييم.
ولهذا يمكن للمتخصص أن يشرح للجمهور ما هي النرجسية وما خصائصها، لكنه لا ينبغي — وفق هذه القاعدة — أن يقول إن شخصية عامة مصابة باضطراب محدد اعتمادًا فقط على ظهورها الإعلامي أو تصريحاتها.
ما هو اضطراب الشخصية النرجسية؟
اضطراب الشخصية النرجسية ليس مجرد حب الذات أو الثقة بالنفس.
بحسب المراجع الطبية، فإنه اضطراب يمكن أن يتضمن نمطًا مستمرًا من:
الشعور المبالغ فيه بالأهمية، الحاجة المستمرة إلى الإعجاب، توقع المعاملة الخاصة، الشعور بالتفوق، المبالغة في الإنجازات، الانشغال بالنجاح والقوة، استغلال الآخرين، ضعف التعاطف، والسلوك المتعالي.
النرجسية ليست دائمًا مرضًا
وهنا يجب التمييز بين النرجسية كسمة شخصية واضطراب الشخصية النرجسية.
فبعض درجات الثقة بالنفس والسعي إلى النجاح والحاجة إلى التقدير موجودة لدى كثير من الأشخاص، وقد تكون مفيدة في بعض المهن القيادية، لكن الأمر يتحول إلى اضطراب عندما يكون النمط شديدًا ومستمرًا ويسبب اختلالًا حقيقيًا في حياة الشخص أو علاقاته وأدائه.
ترامب و«العظمة».. سلوك سياسي أم بحث دائم عن التقدير؟
قائمة الرؤساء ليست المرة الأولى التي يقدم فيها ترامب نفسه بوصفه شخصية استثنائية في التاريخ الأمريكي.
فخطابه السياسي يعتمد منذ سنوات بصورة كبيرة على مفردات مثل «الأفضل» و«الأعظم» و«لم يحدث من قبل»، سواء عند الحديث عن الاقتصاد أو الجيش أو الانتخابات أو إنجازاته الشخصية.
ومن هنا يمكن قراءة المنشور بطريقتين: الأولى باعتباره جزءًا من العلامة السياسية والشخصية لترامب التي تقوم على تضخيم النجاح وإظهار التفوق، والثانية باعتباره مثالًا جديدًا يستخدمه منتقدوه للحديث عن السمات النرجسية في خطابه.
لكن أيا كانت القراءة السياسية، فإن الانتقال من تحليل السلوك إلى القول بوجود مرض نفسي مؤكد يحتاج إلى تقييم سريري لا توفره المنشورات أو الخطابات السياسية.
من «الأعظم» فعلًا؟ ترامب يصدر حكمه بنفسه
اللافت في التصنيف أن ترامب لم يستند إلى تصنيف أكاديمي للمؤرخين عند وضع نفسه منفردًا فوق واشنطن ولينكولن، بل نشر قائمة ذاتية عقب تداوله نتائج استطلاع بين جمهوريين أظهرت تفوقه في التقدير على رؤساء سابقين داخل القاعدة الجمهورية.
وبينما قد ينظر مؤيدوه إلى الأمر بوصفه انعكاسًا لشعبيته داخل الحزب الجمهوري، سيرى منتقدوه أن رئيسًا يمنح نفسه لقب «الأعظم» يقدم مادة جديدة للجدل القديم حول شخصيته وحاجته إلى الاعتراف والتفوق.
وفي النهاية، يبقى الحكم على ترتيب رؤساء الولايات المتحدة مسألة تاريخية وسياسية، بينما يظل تشخيص النرجسية كاضطراب نفسي شأنًا طبيًا لا يحسمه منشور على تروث سوشيال.


