مارك مراد يهزم الظلام.. ويمنح المكفوفين عينًا ذكية جديدة
تحولت تجربة الشاب المصري مارك مراد مع فقدان البصر من محنة شخصية قاسية إلى قصة ملهمة في عالم الابتكار، بعدما نجح في تطوير تطبيق ScribeMe، وهو مساعد ذكي يمنح المكفوفين وصفًا صوتيًا فوريًا ودقيقًا لما تلتقطه الكاميرا، بما يساعدهم على تكوين صورة ذهنية واضحة عن العالم المحيط بهم.
ولا تكمن قوة هذه القصة في الجانب التقني فقط، بل في أن صاحب الفكرة نفسه فقد بصره، ثم قرر ألا يستسلم، بل أن يبتكر وسيلة تمنح غيره قدرًا أكبر من الاستقلالية والقدرة على التفاعل مع الحياة اليومية.
من هو مارك مراد؟
مارك مراد هو شاب مصري يبلغ من العمر نحو 20 عامًا، وُلد مبصرًا، لكنه بدأ خلال الصف السادس الابتدائي يعاني من تراجع تدريجي في الرؤية.
وبعد سلسلة طويلة من الفحوصات داخل مصر وخارجها، اكتشف الأطباء وجود مشكلة نادرة في العصب البصري، وأبلغوه بأن فقدان البصر سيحدث في النهاية، من دون تحديد موعد واضح لذلك.
وبحلول نهاية عام 2021، فقد مارك بصره تمامًا، وكذلك شقيقته كارين مراد، التي فقدت بصرها في فترة زمنية أقصر، بينما استمر تدهور حالة مارك لقرابة ثلاث سنوات.
من فقدان البصر إلى بداية جديدة
لم يتوقف تأثير الأزمة عند حدود الفقدان، بل تحول إلى دافع قوي للبحث عن وسيلة عملية تمنح مارك قدرًا أكبر من الاعتماد على النفس، وتساعده على تجاوز العقبات اليومية والتعليمية التي واجهته بعد فقدان الرؤية.
كيف بدأت فكرة تطبيق ScribeMe؟
انبثقت الفكرة من معاناة مارك في الدراسة، خاصة في المواد التي تحتاج إلى فهم بصري مثل الفيزياء والكيمياء.
فالقارئات الصوتية التقليدية تستطيع قراءة النصوص، لكنها لا تقدم شرحًا كافيًا للرسوم البيانية والمخططات والمعادلات، وهو ما كان يشكل عقبة كبيرة أمام الطالب الكفيف.

مارك واسرتة
البحث عن حل ثم تعلم البرمجة
حاول مارك في البداية التواصل مع مطورين خارج مصر بحثًا عن حل، لكنه لم يجد ما كان يتمناه.
وهنا اتخذ قرارًا حاسمًا: سيتعلم البرمجة بنفسه.
وبالفعل بدأ تعلم البرمجة عبر الإنترنت، معتمدًا على المصادر الصوتية والتعليم الذاتي، وواصل العمل لساعات طويلة حتى نجح في تطوير أداة تساعده أولًا في حياته الدراسية، قبل أن تتحول لاحقًا إلى تطبيق متكامل.
وبحلول عام 2023، كان التطبيق قد خرج إلى النور بصورة عملية، وبدأت دائرته تتسع بعد اهتمام طلاب مكفوفين من خارج مصر باستخدامه.
ماذا يفعل تطبيق ScribeMe؟
تتمثل فكرة ScribeMe في تقديم وصف صوتي ذكي وفوري لما تلتقطه الكاميرا، باستخدام تقنيات الذكاء الاصطناعي.
ويمكن استخدام التطبيق عبر الهاتف المحمول، كما تم دمجه مع نظارات Meta الذكية، ما يمنح المستخدم تجربة أكثر مرونة في التفاعل مع الأشياء المحيطة به.
كيف يعمل التطبيق؟
ببساطة، تلتقط الكاميرا المشهد أمام المستخدم، ثم يقوم الذكاء الاصطناعي بتحليل الصورة وتحويلها إلى وصف صوتي مباشر.
ويمكن للمستخدم طرح أسئلة مثل:
- ماذا أمامي؟
- ما اسم الشارع؟
- ما الموجود على الطاولة؟
- ما لون الملابس؟
- ما هذا الشيء؟
- ما نوع الفواكه أو الخضروات الموجودة أمامي؟
- ماذا كُتب على هذا الكتاب؟
- ما نوع الطعام الموجود أمامي؟
- أين يوجد الشيء الذي أبحث عنه؟
ثم يحصل على إجابة صوتية تساعده على فهم المشهد والتفاعل معه.
ما الذي يميز ScribeMe عن غيره؟
تكمن خصوصية التطبيق في أنه لا يكتفي بقراءة النصوص، بل يحاول ترجمة المشهد البصري بالكامل إلى معلومات صوتية مفهومة.
وهو ما يجعله مفيدًا في الحياة اليومية، وفي الدراسة، وفي التعامل مع المستندات، واللافتات، والطعام، والأدوات، والأماكن العامة.
يدعم لغات متعددة
تشير المعلومات المتداولة إلى أن التطبيق يدعم 20 لغة، من بينها اللغة العربية، وهو ما يعزز قدرته على الوصول إلى المستخدمين في دول متعددة.
تجربة كارين مراد.. اللحظة الأكثر تأثيرًا
واحدة من أكثر اللحظات المؤثرة في قصة مارك كانت تجربة شقيقته كارين مراد مع التطبيق.
فخلال رحلة سفاري في كينيا في يونيو الماضي، استخدمت كارين التطبيق للتعرف على الحيوانات المحيطة بها، ومعرفة المسافات بينها وبينها، ووصف ما تفعله من حركات.
وقالت، بحسب ما نُقل عنها، إنها شعرت وكأنها تستعيد قدرتها على الرؤية، ليس بمعناها الطبي، وإنما من خلال القدرة على فهم المشهد وتخيله ذهنيًا.
معنى «الرؤية» في تجربة مارك
هنا تتضح الفكرة الجوهرية وراء ScribeMe:
التطبيق لا يعيد البصر طبيًا، لكنه يحوّل الصورة إلى معرفة صوتية تساعد الشخص الكفيف على تكوين تصور دقيق لما يدور حوله.
انتشار عالمي لتطبيق ScribeMe
لم يبق التطبيق في نطاق التجربة الشخصية أو المحلية، بل توسع استخدامه بصورة لافتة.
وبحسب أحدث التصريحات المتداولة، يستخدم التطبيق آلاف المكفوفين وضعاف البصر في نحو 140 دولة، في دلالة واضحة على أن الفكرة تجاوزت حدود مصر إلى انتشار عالمي.
شراكة مع Meta ونقلة جديدة
من أكثر المحطات اللافتة في مسيرة التطبيق أن شركة Meta تواصلت مع مارك بعد رصد استخدام تطبيقه لخوادمها.
وأسفر ذلك عن شراكة أتاحت إطلاق التطبيق رسميًا على نظارات Meta الذكية، ليصبح - بحسب تصريحات مارك - خامس تطبيق عالمي يعمل على هذه النظارات.
لماذا تمثل هذه الخطوة أهمية كبيرة؟
لأن دمج التطبيق مع النظارات الذكية يرفع مستوى الاستفادة العملية منه، إذ يصبح الوصف الصوتي أقرب إلى التفاعل الطبيعي والمباشر مع البيئة المحيطة، دون الحاجة إلى حمل الهاتف طوال الوقت.

تجربة منى الشاذلي أكدت الفكرة عمليًا
شهد برنامج «معكم منى الشاذلي» مساء الجمعة 28 أغسطس 2026 تجربة مباشرة للتطبيق، حين ارتدت الإعلامية منى الشاذلي نظارة Meta وأغمضت عينيها، ثم اختبرت قدرة التطبيق على وصف ما يدور داخل الاستوديو.
واستطاع التطبيق وصف عدد من العناصر الموجودة في المكان، والتعرف على الفواكه، وقراءة عنوان رواية «حضرة المحترم» لنجيب محفوظ، كما وصف طبيعة الاستوديو والجمهور.
هل يتعرف التطبيق على الأشخاص؟
هناك نقطة مهمة جدًا في هذا السياق، وهي أن التطبيق لا يتعرف على هوية الأشخاص أو أسمائهم.
ويرجع ذلك إلى قيود تتعلق بسياسات Meta الخاصة بالخصوصية والتعرف على الوجوه، وهو ما يعني أن التطبيق يركز على وصف المشهد والأشياء المحيطة دون الدخول في تحديد هويات الأفراد.
دور الأسرة في رحلة مارك مراد
يُعد موقف الأسرة جزءًا أساسيًا في هذه القصة.
فقد تحدث والد مارك، المهندس مراد صدقي، عن الصدمة التي مرت بها الأسرة بعد فقدان كل من مارك وشقيقته كارين للبصر، لكنه أوضح أن الأسرة قررت ألا تتعامل مع الأمر باعتباره نهاية الطريق.
رسالة الأسرة: لا شيء مستحيل
بحسب ما نُقل عن الأسرة، فإنها توقفت عن التفكير في أن هناك أشياء «مستحيلة»، وهو ما انعكس بوضوح على شخصية مارك وطريقته في التعامل مع أزمته.
لماذا تلهم قصة مارك مراد الكثيرين؟
لأنها ببساطة ليست قصة شاب فقد بصره فقط، بل قصة إنسان رفض أن يكون ضحية للظروف.
مارك لم ينتظر أن يجد العالم حلًا يناسبه، بل حاول أن يصنع بنفسه أداة تغير حياة الآخرين أيضًا.
من المعاناة إلى التأثير
ما يقدمه مارك اليوم ليس مجرد تطبيق تقني، بل فكرة إنسانية تعزز استقلالية المكفوفين، وتفتح أمامهم مساحة أوسع لفهم العالم المحيط بهم والتفاعل معه.
ScribeMe.. أكثر من تطبيق
يمكن النظر إلى ScribeMe باعتباره عينًا صوتية ذكية للمكفوفين، أو جسرًا بين الصورة والمعلومة.
فالتكنولوجيا هنا لم تأتِ للعرض أو الإبهار فقط، بل جاءت لتؤدي وظيفة إنسانية واضحة:
تمكين الكفيف من أن يعرف، ويفهم، ويتحرك، ويستقل، ويعيش بصورة أكثر حرية.


