أثار إعلان وزارة التربية والتعليم والتعليم الفني عن حزمة الزيادات الجديدة في أجور المعلمين، والمقرر تطبيقها على مرحلتين خلال العامين الماليين يوليو 2027 ويوليو 2028، حالة من الترحيب والتفاؤل بين أوساط المعلمين، باعتبارها خطوة جديدة نحو تحسين أوضاعهم الاقتصادية وتقدير دورهم في تطوير المنظومة التعليمية.
وفي الوقت الذي اعتبر فيه عدد من المعلمين أن القرار يمثل استجابة لمطالب طال انتظارها، برزت مجموعة من التساؤلات بشأن توقيت تطبيق الزيادات، ومدى انعكاسها الفعلي على صافي الرواتب، في ظل استمرار شكاوى المعلمين من ارتفاع قيمة الخصومات والاستقطاعات، واختلاف أسس احتساب الأجور عن أسس حساب بعض الاستقطاعات.
وتختلف الزيادات المعلنة وفقا للدرجة الوظيفية إذ يحصل المعلم المساعد على زيادة إجمالية قدرها 5 آلاف جنيه على مرحلتين، بواقع 2500 جنيه في كل مرحلة، بينما تبلغ الزيادة الإجمالية للمعلم 5200 جنيه، بواقع 2600 جنيه سنويًا، ومعلم أول 5400 جنيه، بواقع 2700 جنيه سنويًا، ومعلم أول (أ) 2800 جنيه سنويًا، ومعلم خبير 2900 جنيه سنويًا، فيما تصل الزيادة الإجمالية لكبير المعلمين إلى 6 آلاف جنيه، بواقع 3 آلاف جنيه في كل مرحلة.
وفي سياق متصل، أعلنت الوزارة رفع قيمة حافز التدريس إلى 2100 جنيه شهريا بدلا من 1000 جنيه، على أن يبدأ تطبيق الزيادة اعتبارًا من شهر أكتوبر الماضي، ضمن الإجراءات المراد تطبيقها بغرض تحسين الأوضاع المالية للمعلمين وتحقيق الاستقرار الوظيفي.
خطوة نحو التقدير المستحق
« بكل تأكيد نرحب بهذا القرار» بهذه الكلمات بدأت ريحاب سامي الزيات، مدرسة اللغة الفرنسية بإحدى المدارس الرسمية الدولية، تعليقها على الزيادات الجديدة، مؤكدة أنها خطوة إيجابية ومهمة لدعم المعلمين ماديًا ومعنويًا، وتحظى بترحيب وسعادة، بعدما طال انتظار تحسين أوضاعهم المالية بما يتناسب مع حجم مسؤولياتهم ودورهم في بناء الأجيال.
وأضافت أن أهمية القرار تكمن في شموله جميع المعلمين بمختلف درجاتهم الوظيفية، بدءًا من المعلم المساعد وحتى كبير المعلمين، دون ربط الزيادة بعدد الحصص، وهو ما يعكس توجهًا نحو دعم المعلم وتقدير دوره داخل المنظومة التعليمية.
وأعربت عن أملها في أن تمثل هذه الزيادة بداية لمسار مستمر لتحسين الأوضاع المادية والمهنية والاجتماعية للمعلمين، مؤكدة أن المعلم هو حجر الأساس في تطوير التعليم، وأن الاستثمار فيه يمثل استثمارًا مباشرًا في مستقبل الوطن.
الخصومات تثير مخاوف المعلمين
وعلى الجانب الآخر، لم تخل حالة الترحيب بالقرار من بعض التحفظات، إذ يرى عدد من المعلمين أن قيمة الزيادة المعلنة تحتاج إلى مراجعة في ضوء الأعباء المعيشية الحالية، وما يتم استقطاعه من الرواتب تحت بنود الخصومات المختلفة.
ويقول تامر، مدرس اللغة العربية: إن المشكلة الأساسية تتمثل في أن المرتبات ما زالت تحسب على أساس عام 2014، بينما تحسب الخصومات وفقًا لأسس عام 2026، وهو ما يخلق فجوة بين قيمة الراتب والاستقطاعات.
وأضاف أن الزيادات المقرر تطبيقها على مدار عامين قد تفقد جزءا كبيرا من قيمتها الفعلية بحلول موعد صرفها، نتيجة ارتفاع الأسعار وتغير الأوضاع الاقتصادية، مشيرًا إلى أن المعلم يحتاج إلى زيادة يشعر بأثرها الحقيقي في دخله الشهري، وليس مجرد أرقام معلنة.
وفي السياق نفسه، يرى أحمد سنوسي، مدرس بإحدى المدارس الحكومية، أن توزيع الزيادة على عامين يثير تساؤلات بشأن قدرتها على مواكبة الارتفاع المستمر في الأسعار، موضحًا أن الزيادة قد لا تحقق الأثر المرغوب فيه إذا تآكلت قيمتها الشرائية قبل اكتمال تطبيقها.
من جانبه، أكد مصطفى شندي، مدرس وولي أمر، أن المشكلة الأساسية بالنسبة للمعلمين لا تتعلق فقط بقيمة الراتب المعلنة، وإنما بحجم الخصومات التي يتم استقطاعها منه، والتي تؤثر بصورة كبيرة في صافي المبلغ الذي يحصل عليه المعلم فعليًا.
وأوضح أن اختلاف الأساس الذي تحسب عليه المرتبات عن الأساس الذي تحسب عليه الخصومات يمثل أحد أبرز مصادر الأزمة، مشيرًا إلى أن المعلمين يقدرون جهود وزارة التربية والتعليم واهتمام الوزير بملف تحسين أوضاعهم المادية، ويتطلعون إلى استمرار هذه الجهود بما يضمن وصول الزيادة إلى مستحقيها بصورة فعلية.
وحدد شندي مطلبين رئيسيين لتحقيق العدالة في منظومة الأجور، أولهما: احتساب المرتبات والخصومات على أساس واحد يضمن الوضوح والعدالة. وثانيهما: مراجعة آلية احتساب الاستقطاعات بما يتناسب مع طبيعة الكادر الخاص للمعلمين، وبما يضمن عدم تآكل الزيادات المالية بسبب الخصومات الكبيرة.
وفي السياق ذاته، وجه محمد مجدي العيسوي، عضو مجلس أمناء وآباء، الشكر لوزير التربية والتعليم على جهوده المستمرة لتحسين أوضاع المعلمين والسعي نحو الوصول برواتبهم إلى مستويات أفضل.
وطالب بأن تصرف الزيادات الجديدة كاملة دون أن تتأثر بالخصومات الحالية، وأن تكون أي استقطاعات مستحقة إضافية على المبالغ المقررة، وليس على حساب قيمة الزيادة نفسها، حتى يشعر المعلم بالأثر الحقيقي للقرار.
كما دعا إلى صرف حافز التدريس طوال أشهر العام، بدلًا من اقتصار صرفه على فترات محددة، مع توسيع نطاق المستفيدين منه ليشمل الموجهين ومشرفي النشاط والأخصائيين، وعدم ربط صرفه بأيام توقيع معينة.
من جانبها، أكدت منى أبو غالب، مؤسسة جروب «حوار مجتمعي تربوي»، أن تحسين مرتبات المعلمين إلى مستويات تضمن لهم حياة كريمة من شأنه أن ينعكس إيجابيا على أوضاعهم الاجتماعية والأسرية، وعلى أدائهم داخل المدارس.
وأوضحت أن تدني الدخول يدفع بعض المعلمين إلى الاتجاه للدروس الخصوصية أو البحث عن أعمال إضافية لزيادة دخلهم وتوفير متطلبات الحياة، وهو ما يستهلك جانبًا من وقتهم وجهدهم.
وأضافت أن تحسين الأوضاع المالية للمعلمين يمكن أن يمنحهم قدرا أكبر من الاستقرار والراحة النفسية، ويعزز قدرتهم على العطاء داخل المدارس، فضلا عن إتاحة وقت أكبر للحياة الأسرية والاجتماعية.
مطالب بانتظام صرف مستحقات المعلمين
وتقول فاطمة فتحي، مدرسة التربية الفنية ومؤسسة «تعليم بلا حدود»: إن الزيادة تمثل خطوة جيدة نحو تحسين دخول المعلمين، لكنها لفتت إلى أن توزيعها على مدار عامين قد يؤدي إلى عدم استفادة عدد من المعلمين منها بصورة كاملة، خاصة من اقتربوا من سن التقاعد أو سيبلغونها خلال الفترة المقبلة.
وطالبت ببحث إمكانية تسريع إجراءات تحسين الأجور، بما يضمن استفادة أكبر عدد ممكن من المعلمين، كما دعت إلى صرف بدل الامتحانات في مواعيده المحددة، حتى لا يضطر المعلمون إلى تحمل نفقاته من أموالهم الخاصة وانتظار تسوية مستحقاتهم لاحقا.
أما على مستوى التقييم التربوي، فقد أكد الدكتور عاصم حجازي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية الدراسات العليا بجامعة القاهرة، أن الزيادات الأخيرة المقررة للمعلمين جاءت لتلبي جانبا من طموحاتهم، وتعكس تقدير الدولة لدورهم وأهميته في تطوير العملية التعليمية.
وأوضح أن تحسين الأوضاع المالية من المتوقع أن يسهم في رفع مستوى الرضا الوظيفي لدى المعلمين، بما ينعكس إيجابيا على أدائهم للمهام التربوية والتعليمية، فضلا عن دعم الاستقرار الوظيفي بصورة عامة.
وأشار إلى أن تأثير هذه الزيادات على العملية التعليمية سيكون في جانب الكيف وليس الكم، بمعنى أنها قد تسهم في تحسين جودة التدريس، لكنها لن تكون حلا مباشرا لأزمة العجز في أعداد المعلمين، باعتبار أن لكل معلم نصابه القانوني من الحصص، وأن سد العجز يحتاج إلى إجراءات أخرى تتعلق بالتعيين وإعادة توزيع المعلمين.
وأضاف أن تحسن الأوضاع المالية قد يمنح المعلم مساحة أكبر من الاستقرار والتفرغ الذهني للإبداع في مهنته، ويشجعه على تنمية قدراته المهنية والأكاديمية، وهو ما يمكن أن ينعكس على علاقته بالطلاب ومستويات تحصيلهم الدراسي.
من جانبه، يرى الدكتور عادل الجندي الخبير التربوي وعميد كلية التربية بجامعة أسيوط أن زيادة مرتبات المعلمين تمثل خطوة مهمة نحو تحسين أوضاعهم الاقتصادية والمهنية، واستمرار جهود تحسين الأجور خلال العامين السابقين، لكنها تطرح تساؤلا جوهريا حول مدى انعكاس الزيادة على الاستقرار الوظيفي والرضا المهني وجودة العملية التعليمية.
وأوضح أن تحسين الأجور يسهم في تعزيز شعور المعلم بالتقدير والأمان الوظيفي، ويحد من الضغوط الاقتصادية التي تدفع بعض المعلمين إلى البحث عن مصادر دخل إضافية، مثل الدروس الخصوصية، أو التفكير في ترك المهنة، كما يمكن أن يزيد من جاذبية التدريس أمام الخريجين ويساعد على الاحتفاظ بالكفاءات التعليمية.
لكنه شدد في الوقت ذاته على أن تحسين الأجور، رغم أهميته، لا يمثل حلًا منفردًا لمشكلة عجز المعلمين، التي تتطلب معالجة مجموعة من الملفات الأخرى، في مقدمتها سوء توزيع المعلمين بين الإدارات التعليمية، ونقص بعض التخصصات، وتحسين بيئة العمل، وتوفير حوافز للمناطق الأكثر احتياجًا، إلى جانب تعيين معلمين جدد وفقًا للاحتياجات الفعلية.
وأشار إلى أن قياس نجاح الزيادات الجديدة ينبغي ألا يقتصر على قيمتها المالية، بل يجب أن يمتد إلى مجموعة من المؤشرات العملية، تشمل انخفاض معدلات الغياب وترك المهنة، وزيادة نسبة الحصص المنفذة، وتحسن مستويات الرضا المهني، وارتفاع جودة التدريس ومستويات تحصيل الطلاب.
وأكد أن الرهان الحقيقي لا يتمثل في زيادة راتب المعلم فقط، وإنما في تحويل التحسن الاقتصادي إلى استقرار وظيفي وأداء مهني أفضل، وهو ما يتطلب تقييمًا علميًا يقارن مؤشرات الأداء قبل تطبيق الزيادات وبعدها، مع الفصل بين تأثير الأجور والعوامل الأخرى المؤثرة في العملية التعليمية.
واختتم كلامة بأن المعلم المستقر مهنيا يمثل ركيزة أساسية لمدرسة منتظمة وتعليم جيد، وأن تحسين أوضاعه المادية يجب أن يكون جزءًا من منظومة متكاملة لتطوير التعليم.






