ترامب يلوح بالبقاء في إيران و«الاحتفاظ بالنفط».. ماذا تعني المقارنة مع فنزويلا؟
أثار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب موجة جديدة من الجدل بعد أن لمح، اليوم الأحد، إلى احتمال بقاء الولايات المتحدة في إيران و«الاحتفاظ بالنفط»، في تصريحات ربط فيها مستقبل الوجود الأمريكي هناك بالنموذج الذي تتبعه واشنطن في فنزويلا.
وجاءت تصريحات ترامب خلال زيارته إلى أيرلندا، حيث حضر بطولة أيرلندا المفتوحة للجولف، مؤكدًا في الوقت نفسه أنه يتوقع انتهاء الحرب مع إيران خلال العام الجاري، وربما بعد انتخابات التجديد النصفي للكونجرس المقررة في نوفمبر.
لكن العبارة الأكثر إثارة لم تكن متعلقة بموعد نهاية الحرب، وإنما بإمكانية تحويل النفط الإيراني إلى جزء من معادلة ما بعد الصراع.
ترامب: قد نخرج من إيران.. إلا إذا بقينا من أجل النفط
قال ترامب إن الولايات المتحدة ستغادر إيران في نهاية المطاف، لكنه أضاف استثناءً لافتًا يتمثل في احتمال البقاء والاحتفاظ بالنفط على غرار ما فعلته واشنطن في فنزويلا.
وأضاف أن العائدات التي حققتها الولايات المتحدة من ترتيباتها النفطية في فنزويلا غطت تكاليف الحرب هناك «مرات عديدة»، بحسب تعبيره.
وهذه المقارنة تكشف أن ترامب لا ينظر إلى الحرب فقط من منظور عسكري أو أمني، وإنما يضع العائد الاقتصادي والطاقة في قلب حساباته.
لماذا يعتبر هذا التصريح مهمًا؟
من الناحية السياسية، فإن الحديث عن «الاحتفاظ بالنفط» يختلف جذريًا عن الخطاب التقليدي المتعلق بمنع إيران من امتلاك قدرات عسكرية أو نووية.
فالعبارة تنقل النقاش من سؤال: كيف تنتهي الحرب؟ إلى سؤال آخر أكثر حساسية: ماذا تريد واشنطن مقابل إنهائها؟
وإذا تحولت هذه الفكرة إلى سياسة فعلية، فإنها قد تجعل الموارد النفطية الإيرانية جزءًا مباشرًا من أي تسوية مستقبلية.

إيران تمتلك ورقة طاقة ضخمة
إيران واحدة من أكبر الدول المالكة لاحتياطيات النفط والغاز عالميًا، ولذلك فإن مجرد الحديث عن سيطرة أمريكية مباشرة أو غير مباشرة على جزء من هذه الموارد ستكون له تداعيات تتجاوز العلاقة بين واشنطن وطهران.
فأي تغيير في السيطرة على النفط الإيراني يمكن أن يؤثر في:
- أسواق الطاقة العالمية.
- أسعار النفط والبنزين.
- قدرة إيران على تمويل الدولة.
- ميزان القوة بين واشنطن وطهران.
- مصالح الصين وروسيا ودول الخليج.
ولهذا فإن تصريحات ترامب لا يمكن قراءتها باعتبارها مجرد تعبير انتخابي عابر.
تشبيه إيران بفنزويلا.. ما الذي يقصده ترامب؟
استخدام ترامب لفنزويلا كنموذج مهم للغاية.
فالولايات المتحدة توصلت إلى ترتيبات مرتبطة بالنفط الفنزويلي خلال الأشهر الماضية، وهو ما يستخدمه ترامب الآن كنموذج لإظهار أن التدخل العسكري أو السياسي يمكن، في رؤيته، أن يتحول لاحقًا إلى عائد اقتصادي مباشر.
لكن الوضع الإيراني أكثر تعقيدًا بكثير.
فإيران قوة إقليمية كبيرة، وتقع في قلب منظومة أمنية شديدة الحساسية تشمل الخليج ومضيق هرمز والعراق وبحر العرب، كما تمتلك شبكة من الحلفاء الإقليميين وقدرات عسكرية لا يمكن مقارنتها ببساطة بفنزويلا.
هل يتحدث ترامب عن احتلال أم صفقة؟
التصريح لا يعني بالضرورة أن واشنطن قررت احتلال حقول النفط الإيرانية.
الأقرب أنه طرح عدة احتمالات مفتوحة في إطار أسلوبه التفاوضي، الذي يقوم غالبًا على رفع سقف المطالب ثم استخدام الضغط الاقتصادي والعسكري للوصول إلى اتفاق.
وهنا يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات:
الأول، أن يكون التصريح مجرد ورقة ضغط على طهران قبل مفاوضات محتملة.
الثاني، أن تسعى واشنطن إلى اتفاق يمنحها نفوذًا في صادرات النفط أو عائداته.
الثالث، وهو السيناريو الأكثر تصعيدًا، أن يتحول الوجود العسكري الأمريكي إلى وسيلة لفرض ترتيبات مباشرة على قطاع الطاقة الإيراني.
ولا توجد حتى الآن مؤشرات رسمية تثبت أن أيًا من هذه السيناريوهات أصبح سياسة أمريكية نهائية.
ترامب يتوقع نهاية الحرب هذا العام
إلى جانب الحديث عن النفط، قال ترامب إنه يتوقع انتهاء الحرب مع إيران خلال العام الجاري، وربما بعد انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر.
وهذا التوقيت مهم سياسيًا، لأنه يربط بصورة ضمنية تطورات الحرب بالاستحقاق الانتخابي الداخلي الأمريكي.
ويبدو أن ترامب يريد الدخول إلى المرحلة التالية من ولايته وهو قادر على تقديم نهاية الحرب باعتبارها إنجازًا سياسيًا واقتصاديًا.
«البنزين سينخفض بشدة»
ترامب ربط انتهاء الحرب أيضًا بأسعار الطاقة، وقال إن أسعار البنزين ستنخفض بقوة بمجرد انتهاء الصراع مع إيران.
ويعكس هذا التصريح حساسية ملف الوقود داخل الولايات المتحدة، خصوصًا قبل انتخابات التجديد النصفي.
فالناخب الأمريكي يتأثر مباشرة بأسعار البنزين، ولذلك فإن أي انخفاض في أسعار الطاقة يمكن أن يتحول إلى مكسب سياسي داخلي كبير.
أسواق النفط تحت الضغط
تأتي تصريحات ترامب في وقت يشهد فيه سوق النفط تقلبات حادة بسبب تصاعد المخاطر في الشرق الأوسط.
وكانت الأسواق تترقب ارتفاع الأسعار مجددًا مع عودة الهجمات على البنية التحتية للطاقة، ومنها الهجوم الأخير على خط أنابيب نفطي في السعودية.
وهذا يعني أن تصريحات ترامب بشأن «الاحتفاظ بالنفط» تأتي في توقيت حساس، لأن أي تدخل إضافي في تدفقات الخام قد يؤثر مباشرة في الأسعار العالمية.
ترامب: إيران تتصل باستمرار
قال ترامب أيضًا إن إيران تتواصل باستمرار من أجل إجراء محادثات سلام، مؤكدًا أنه لن يوافق إلا على «الاتفاق المناسب» ولن يقبل باتفاق يراه ضعيفًا.
لكن طهران سبق أن نفت روايات أمريكية مشابهة بشأن طلبها التفاوض أو موافقتها على شروط طرحتها واشنطن.
وهذا التناقض يعكس استمرار الحرب الإعلامية إلى جانب الحرب العسكرية، إذ يحاول كل طرف تقديم نفسه باعتباره صاحب الموقف الأقوى على طاولة التفاوض.
النفط قد يصبح مفتاح التسوية
من زاوية التحليل، يمكن قراءة تصريحات ترامب على أنها محاولة لتحويل النفط الإيراني من مورد تموله طهران إلى أداة تفاوض أمريكية.
فإذا كانت واشنطن قادرة على التأثير في إنتاج أو تصدير النفط، فإنها تحصل على ورقة ضغط هائلة على الاقتصاد الإيراني.
وفي المقابل، ستنظر طهران إلى أي محاولة أمريكية للسيطرة على النفط باعتبارها تهديدًا مباشرًا للسيادة ومصدرًا رئيسيًا لتمويل الدولة.
وهنا تكمن خطورة الفكرة، لأنها يمكن أن تجعل إنهاء الحرب أكثر صعوبة بدلًا من تسريع التسوية.

ماذا يعني ذلك لدول الخليج؟
دول الخليج تراقب هذا المسار بحساسية شديدة.
فمن جهة، قد يؤدي إضعاف إيران اقتصاديًا إلى تقليص قدرتها الإقليمية.
لكن من جهة أخرى، فإن أي صراع ممتد حول النفط الإيراني قد يرفع أسعار الخام، ويهدد الملاحة في مضيق هرمز، ويزيد المخاطر الأمنية على السعودية والإمارات وقطر والكويت.
ولهذا قد يكون موقف الخليج أكثر تعقيدًا من مجرد تأييد أو رفض الطرح الأمريكي.
الصين وروسيا لن تتجاهلا السيناريو
هناك أيضًا بعد دولي أوسع.
إيران ترتبط بعلاقات اقتصادية وسياسية قوية مع الصين وروسيا، وبالتالي فإن أي محاولة أمريكية للسيطرة على موارد الطاقة الإيرانية ستُقرأ في بكين وموسكو باعتبارها توسعًا مباشرًا للنفوذ الأمريكي في سوق الطاقة العالمي.
ويمكن لذلك أن يحول القضية من نزاع أمريكي إيراني إلى صراع أوسع على النفوذ والطاقة.
هل تصريحات ترامب ورقة تفاوض أم إعلان نوايا؟
هذه هي النقطة الأهم.
ترامب معروف باستخدام تصريحات قصوى بهدف الضغط قبل المفاوضات، ولذلك لا يمكن اعتبار الحديث عن «الاحتفاظ بالنفط» خطة عسكرية مؤكدة.
لكن في المقابل، لا يمكن تجاهل التصريح، لأنه يكشف بوضوح أن النفط أصبح حاضرًا داخل تصور ترامب لمرحلة ما بعد الحرب.
وبالتالي فإن أي مفاوضات قادمة لن تدور فقط حول الملف النووي أو الأمن الإقليمي، وإنما قد تمتد إلى الاقتصاد والطاقة والعقوبات وتدفقات النفط.
احتمال البقاء والحصول على عائد من النفط
تصريحات ترامب تمثل تحولًا لافتًا في الخطاب الأمريكي تجاه حرب إيران.
فبدل الحديث فقط عن إنهاء المواجهة أو التوصل إلى اتفاق، يطرح الرئيس الأمريكي الآن احتمال البقاء والحصول على عائد من النفط، مستشهدًا بتجربة فنزويلا.
وإذا ظل الأمر مجرد ورقة تفاوض، فقد يكون الهدف رفع الضغط على طهران.
أما إذا تحول إلى سياسة فعلية، فسيكون لذلك تأثير ضخم على إيران وأسواق النفط ودول الخليج، وقد يفتح مرحلة جديدة يصبح فيها النفط نفسه جزءًا من شروط السلام.


