الثلاثاء، ١٦ يونيو ٢٠٢٦ في ٠٨:٤٠ م

الخرطوم تتحرك ضد الوجود الأجنبي غير القانوني.. ماذا يحدث في السودان؟

السودان يبدأ إخلاء الخرطوم من الأجانب المخالفين.. خطة أمنية لترحيل ونقل الآلاف خارج العاصمة

دخلت العاصمة السودانية الخرطوم مرحلة جديدة من الإجراءات الأمنية والتنظيمية، بعدما بدأت السلطات في التعامل مع ملف الوجود الأجنبي غير القانوني واللاجئين المخالفين لشروط الإقامة، ضمن خطة أوسع تهدف إلى ضبط الأوضاع داخل العاصمة وتهيئتها لعودة السكان بعد شهور طويلة من الحرب والدمار والنزوح.

وتصدرت خلال الساعات الماضية أنباء عن بدء السودان تفريغ الخرطوم من الأجانب، مع الحديث عن خطة لترحيل أو نقل عشرات الآلاف إلى بلدانهم أو إلى معسكرات مخصصة خارج العاصمة، في ملف يجمع بين البعد الأمني والإنساني والسياسي.

لكن التدقيق في تفاصيل الخبر يكشف أن الحديث لا يدور عن ترحيل جماعي فوري لكل الأجانب، بل عن حملة تستهدف بالأساس المخالفين لشروط الإقامة والوجود غير القانوني، إلى جانب نقل بعض اللاجئين إلى معسكرات خارج ولاية الخرطوم.


الخرطوم تتحرك ضد الوجود الأجنبي غير القانوني

بدأت سلطات ولاية الخرطوم تنفيذ إجراءات واسعة لضبط الوجود الأجنبي داخل العاصمة، خاصة في ظل تقديرات رسمية ومحلية تشير إلى وجود أعداد كبيرة من الأجانب الذين لا يحملون أوراق إقامة قانونية أو وثائق تثبت وضعهم داخل البلاد.

وتأتي هذه الخطوة ضمن خطة أوسع لإعادة ترتيب المشهد الأمني داخل العاصمة بعد استعادة الجيش السوداني السيطرة على مناطق واسعة من الخرطوم، وبدء الحديث عن تهيئة المدينة لعودة سكانها الذين غادروها بسبب الحرب.

وتؤكد السلطات السودانية أن الهدف من هذه الإجراءات هو ضبط الأمن، ومنع الفوضى، وإزالة المخالفات، وترتيب أوضاع اللاجئين والأجانب وفق القانون.


ماذا يعني رقم 38 ألف أجنبي؟

تداولت منصات التواصل الاجتماعي رقم 38 ألف أجنبي باعتباره عدد الأشخاص الذين تخطط السلطات السودانية لترحيلهم إلى بلدانهم.

لكن الصياغة الأدق أن هذا الرقم ورد في سياق الحديث عن وجود أكثر من 38 ألف أجنبي يقيمون بصورة غير قانونية في ولاية الخرطوم، بحسب ما أعلنته لجنة مختصة بملف الوجود الأجنبي.

وبالتالي، فإن الرقم يعكس حجم الملف الذي تتعامل معه السلطات، وليس بالضرورة عدد من تم ترحيلهم بالفعل في لحظة واحدة.

وتشير البيانات المتداولة إلى أن السلطات نفذت حملات لضبط المخالفين، وأبعدت بعضهم إلى بلدانهم، بينما تم نقل لاجئين آخرين إلى معسكرات مخصصة خارج الخرطوم.


ترحيل المخالفين ونقل اللاجئين

تقوم الخطة السودانية على مسارين رئيسيين: الأول هو ترحيل الأجانب المخالفين لشروط الإقامة إلى بلدانهم، والثاني هو نقل اللاجئين إلى معسكرات خارج العاصمة، خاصة في ولايات مثل النيل الأبيض والقضارف وكسلا.

وتقول السلطات إن هذه الخطوات تهدف إلى تنظيم الوجود الأجنبي داخل البلاد، ومنع تكدس اللاجئين والمخالفين داخل المناطق السكنية في العاصمة، خصوصًا بعد ما شهدته الخرطوم من اضطرابات أمنية واسعة خلال الحرب.

لكن هذه الإجراءات أثارت في الوقت نفسه مخاوف إنسانية، خاصة مع تقارير عن ترحيل بعض الأسر أو فصل نساء عن أطفالهن في وقائع سابقة، وهو ما يضع الملف تحت رقابة حقوقية وإنسانية شديدة الحساسية.


لماذا تتحرك الخرطوم الآن؟

تأتي هذه الحملة في توقيت حساس، إذ تسعى السلطات السودانية إلى إعادة الحياة تدريجيًا إلى العاصمة بعد سنوات من الحرب بين الجيش وقوات الدعم السريع.

وتشمل خطة تهيئة الخرطوم إزالة مخلفات الحرب، إصلاح البنية التحتية، تأمين الأحياء، ضبط المعابر، وإخلاء العاصمة من التشكيلات المسلحة والسكن العشوائي والمخالفات الأمنية.

وترى السلطات أن ضبط الوجود الأجنبي جزء من هذه الخطة، خصوصًا مع اتهامات سابقة لبعض الأجانب بالمشاركة في القتال أو دعم مجموعات مسلحة خلال فترة الحرب.


البعد الأمني في القرار

تتعامل الخرطوم مع الملف من زاوية أمنية واضحة، إذ تعتبر أن وجود أعداد كبيرة من الأجانب غير المسجلين أو غير الحاصلين على إقامة قانونية يمثل تحديًا كبيرًا في مدينة خارجة من حرب مدمرة.

وتخشى السلطات من أن يؤدي استمرار هذا الوضع إلى صعوبة ضبط الأمن، وعرقلة عودة السكان، وانتشار السكن العشوائي، وتفاقم مشكلات الجريمة والمخالفات.

ومن هنا جاء التشديد على عدم تشغيل الأجانب المخالفين أو تأجير مساكن لهم دون أوراق رسمية، مع دعوات للمواطنين للتعاون مع السلطات في ضبط الأوضاع.


مخاوف إنسانية وحقوقية

رغم البعد الأمني المعلن، لا يخلو القرار من مخاوف إنسانية، خاصة أن السودان يستضيف منذ سنوات أعدادًا كبيرة من اللاجئين من دول الجوار، وبينهم جنوبيون وإثيوبيون وإريتريون وآخرون فروا من أزمات وحروب وفقر واضطرابات.

ويحذر مراقبون من أن أي حملة ترحيل أو نقل يجب أن تراعي القانون الدولي وحقوق اللاجئين، وألا تتحول إلى إجراءات جماعية تؤدي إلى تفكيك الأسر أو تعريض أشخاص للخطر عند عودتهم إلى بلدانهم.

كما أن نقل اللاجئين إلى معسكرات خارج العاصمة يحتاج إلى ضمانات تتعلق بالغذاء والصحة والمأوى والتعليم والحماية.


السودان بين العودة الآمنة وضغط الواقع

تريد السلطات السودانية إعادة السكان إلى الخرطوم بعد نزوح واسع، لكن عودة الحياة للعاصمة تحتاج إلى بيئة آمنة ومنظمة.

وفي هذا السياق، تصبح قضية الوجود الأجنبي غير القانوني جزءًا من ملف أكبر، يتضمن الأمن، إعادة الإعمار، الخدمات، إزالة مخلفات الحرب، وإعادة تشغيل مؤسسات الدولة.

لكن نجاح هذه الخطة لن يتوقف فقط على الترحيل والنقل، بل على قدرة السلطات على تنفيذ الإجراءات بشكل قانوني ومنظم، دون انتهاكات أو فوضى أو أزمات إنسانية جديدة.


هل القرار يستهدف كل الأجانب؟

من المهم التمييز بين الأجانب المقيمين بصورة قانونية، واللاجئين المسجلين، والمخالفين لشروط الإقامة أو غير المسجلين.

المعلن من السلطات يركز على المخالفين والوجود غير القانوني، إضافة إلى نقل اللاجئين إلى معسكرات خارج العاصمة، وليس طردًا شاملًا لكل الأجانب من السودان.

وبالتالي فإن الصياغة الأدق للخبر هي: السلطات السودانية تبدأ حملة لإخلاء الخرطوم من الأجانب واللاجئين المخالفين أو غير المنظمين، ضمن خطة أمنية لإعادة ترتيب العاصمة.


إعادة السيطرة على العاصمة

التحرك السوداني يكشف أن الخرطوم تدخل مرحلة ما بعد الحرب بمنطق أمني صارم، حيث تحاول السلطات إعادة السيطرة على العاصمة وتنظيم الوجود السكاني فيها.

لكن هذا الملف قد يتحول إلى أزمة سياسية وإنسانية إذا لم تتم إدارته بحذر، خاصة مع وجود جاليات ولاجئين من دول مجاورة تربطها بالسودان علاقات حساسة، وعلى رأسها جنوب السودان وإثيوبيا وإريتريا.

كما أن أي أخطاء في التنفيذ قد تفتح الباب أمام توترات دبلوماسية أو انتقادات حقوقية، خصوصًا إذا طالت الإجراءات لاجئين لديهم أوضاع إنسانية معقدة.


التعامل مع الأجانب واللاجئين المخالفين داخل العاصمة

فالسلطات السودانية بدأت بالفعل حملة للتعامل مع الأجانب واللاجئين المخالفين داخل العاصمة، في إطار خطة أمنية لتهيئة الخرطوم لعودة سكانها، بينما يشير رقم 38 ألفًا إلى حجم الوجود الأجنبي غير القانوني المعلن داخل الولاية، وليس بالضرورة عدد من تم ترحيلهم فعليًا حتى الآن.

وبين ضرورات الأمن وحقوق الإنسان، يبقى الملف اختبارًا مهمًا للسلطات السودانية: كيف تعيد النظام إلى العاصمة دون أن تفتح جرحًا إنسانيًا جديدًا في بلد أنهكته الحرب؟

الكلمات المفتاحية:
عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.