غارات سعودية مكثفة على اليمن والحوثيون يردون بالصواريخ والمسيرات.. جبهة جديدة تهدد بإشعال أزمة النفط
دخل التصعيد بين السعودية وجماعة الحوثي في اليمن مرحلة أكثر خطورة، اليوم الأربعاء 16 سبتمبر 2026، بعدما قالت الجماعة المتحالفة مع إيران إن طائرات حربية سعودية نفذت غارات مكثفة على مواقع في اليمن، بالتزامن مع إعلان الحوثيين شن هجمات جديدة بالصواريخ والطائرات المسيرة باتجاه أهداف داخل المملكة، بينها ميناء ينبع النفطي وقاعدة خميس مشيط الجوية. وأكد مسؤولون في الحكومة اليمنية المدعومة من السعودية تنفيذ قواتهم والقوات السعودية غارات جوية، فيما لم يصدر تأكيد سعودي رسمي لعدد الغارات الذي أعلنته الجماعة.
ويأتي التصعيد بعد المكاسب الميدانية التي حققها الحوثيون خلال الأيام الأخيرة على ساحل البحر الأحمر ومحيط مضيق باب المندب، ما يربط المعركة اليمنية مباشرة بأزمة أوسع تضرب طرق تصدير الطاقة في المنطقة، في وقت لا تزال فيه الملاحة عبر مضيق هرمز تحت ضغط الحرب الأمريكية الإسرائيلية مع إيران.
الحوثيون يعلنون ضرب ينبع وخميس مشيط
قال المتحدث العسكري باسم الحوثيين يحيى سريع إن الجماعة شنت هجمات جديدة بالصواريخ والطائرات المسيرة استهدفت ميناء ينبع النفطي على البحر الأحمر وقاعدة خميس مشيط الجوية جنوب غرب السعودية، دون أن يحدد توقيت تنفيذ الهجمات.
ولم تقدم الجماعة في إعلانها أدلة مستقلة تسمح بالتحقق من حجم الأضرار أو حتى نجاح جميع الضربات في الوصول إلى أهدافها، كما لم يرد مسؤولون سعوديون أو شركة أرامكو على طلبات رويترز للتعليق وقت نشر تقرير الوكالة.
وأعلن سريع كذلك إسقاط مقاتلة سعودية من طراز F-15، لكن رويترز أشارت إلى عدم تقديم دليل فوري يثبت هذا الادعاء، وبالتالي يبقى في إطار الرواية الحوثية غير المؤكدة بشكل مستقل.
450 غارة على اليمن؟.. رقم حوثي بلا تأكيد سعودي
وفي المقابل، قال المتحدث العسكري للحوثيين إن الجانب السعودي نفذ ما يصل إلى 450 غارة جوية على اليمن خلال الأسبوع الجاري.
وأكد مسؤولون بالحكومة اليمنية المعترف بها دوليًا، والتي تسيطر على مناطق واسعة في جنوب البلاد، أن القوات الحكومية والسعودية تنفذ بالفعل غارات ضد مواقع الحوثيين، إلا أن الرياض لم تؤكد الرقم الذي أعلنته الجماعة.
ومن ثم، فإن الحديث عن «450 غارة سعودية» يجب نسبه إلى الحوثيين، وليس تقديمه كحصيلة مستقلة مؤكدة.

معارك على ساحل البحر الأحمر
التطور الأخطر لا يتعلق بالغارات وحدها.
فالحوثيون حققوا خلال الأيام الماضية تقدمًا كبيرًا على ساحل البحر الأحمر، وسيطروا على مناطق وجزر استراتيجية قرب باب المندب، أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وعرضوا لقطات قالوا إنها من المعارك الأخيرة تظهر الاستيلاء على آليات مدرعة تابعة لقوات موالية للحكومة اليمنية المدعومة من الرياض.
وتمنح هذه المكاسب الجماعة قدرة أكبر على الضغط على السعودية في وقت حساس للغاية؛ إذ تعتمد المملكة بصورة متزايدة على البحر الأحمر كمسار بديل في ظل اضطراب الملاحة عبر مضيق هرمز.
مسيرة جنوب مكة تشعل المواجهة
وكان التصعيد قد وصل إلى مستوى شديد الحساسية الثلاثاء، عندما أعلن التحالف الذي تقوده السعودية أن الدفاعات الجوية اعترضت ودمرت طائرة مسيرة أطلقها الحوثيون جنوب مكة المكرمة قبل دخولها المجال الجوي المحظور فوق المدينة.
ووصف المتحدث باسم التحالف تركي المالكي الواقعة بأنها تجاوز لخط أحمر يتعلق بأمن مكة، بينما نفى الحوثيون استهداف المدينة المقدسة، ووصفوا الرواية السعودية بأنها غير صحيحة.
ولا توجد حتى الآن أدلة مستقلة منشورة تحسم الوجهة النهائية للطائرة، ولذلك يبقى الخلاف قائمًا بين الروايتين السعودية والحوثية.
واشنطن تشدد تحذيراتها بشأن السعودية
ويكشف تحديث رسمي لوزارة الخارجية الأمريكية بتاريخ 15 سبتمبر حجم القلق من اتساع رقعة المواجهة.
فقد أبقت واشنطن السعودية عند المستوى الثالث «إعادة النظر في السفر»، ومنعت موظفي الحكومة الأمريكية العاملين في المملكة من السفر إلى مسافة 20 ميلًا من الحدود اليمنية، كما يتطلب سفرهم إلى جازان وعسير ونجران والقطيف تصريحًا خاصًا. أما منطقة الحدود اليمنية نفسها فمصنفة عند المستوى الرابع «لا تسافر».
وتقول الخارجية الأمريكية إن المخاطر تشمل الصراع المسلح وهجمات الصواريخ والطائرات المسيرة، إضافة إلى مخاطر سقوط حطام المقذوفات التي يتم اعتراضها، خصوصًا قرب المنشآت العسكرية ومرافق الطاقة.
لقاء أمريكي مع الحوثيين في عُمان
وفي موازاة التحذيرات، نقلت رويترز عن مصادر أن مسؤولين أمريكيين التقوا ممثلين عن الحوثيين في سلطنة عُمان مطلع الأسبوع.
وبحسب المصادر، أبلغ الحوثيون الجانب الأمريكي أنهم لا يعتزمون مهاجمة السفن الأمريكية وأنهم لا يزالون ملتزمين بوقف إطلاق النار الذي جرى التوصل إليه مع الولايات المتحدة العام الماضي.
وهنا تظهر مفارقة لافتة: واشنطن تحاول إبقاء قناتها مع الحوثيين مفتوحة في الوقت الذي تتسع فيه مواجهتهم مع السعودية.
الخطر الأكبر.. النفط
المعركة اليمنية لا تبقى داخل حدود اليمن والسعودية.
فالمنطقة تواجه بالفعل اضطرابات حادة في إمدادات الطاقة نتيجة الحرب مع إيران، وأي تهديد مستمر لمنشآت النفط السعودية أو لطريق البحر الأحمر يضيف ضغطًا جديدًا إلى سوق تعاني أصلًا من نقص الإمدادات.
وفي تعاملات الأربعاء، تراجعت العقود الآجلة لخام برنت إلى نحو 105 دولارات للبرميل بعدما كانت قد اقتربت من 110 دولارات، مع محاولة السعودية تعويض بعض الإمدادات من خلال عمليات نقل للخام قبالة ميناء صحار العُماني.
وهذه نقطة تستحق تصحيح النص الأصلي فيها: الرقم البالغ 108 دولارات كان صحيحًا في مرحلة من تداولات الأزمة، لكن أحدث بيانات رويترز الأربعاء أظهرت هبوط برنت بنحو 3.3% إلى 105.12 دولار للبرميل.

لماذا أصبح خط شرق-غرب بالغ الأهمية؟
خط الأنابيب السعودي شرق-غرب يسمح بنقل النفط من شرق المملكة إلى ساحل البحر الأحمر، متجاوزًا مضيق هرمز.
ولهذا أصبح أكثر أهمية مع تعطل الملاحة عبر هرمز.
لكن الهجوم الأخير على الخط أدى إلى تعطيل التدفقات وإلغاء السعودية بعض الشحنات المقررة من ميناء ينبع، وهو ما دفع أسعار بعض شحنات النفط الفعلية في أوروبا إلى تجاوز 130 دولارًا للبرميل في ذروة القلق بشأن الإمدادات.
وقال وزير الطاقة الأمريكي كريس رايت إن التدفقات عبر الخط يفترض أن تستأنف خلال أيام، وهو عامل ساهم في تهدئة الأسعار نسبيًا الأربعاء.
الديزل الأمريكي يتجاوز 6 دولارات
وامتدت الأزمة إلى أسعار الوقود الأمريكية.
فقد تجاوز المتوسط الوطني للديزل 6 دولارات للجالون للمرة الأولى، بالتزامن مع اضطراب إمدادات الشرق الأوسط ونقص المنتجات المكررة عالميًا.
وهذا يحول الحرب من أزمة أمنية بعيدة عن الولايات المتحدة إلى قضية اقتصادية وسياسية يمكن أن يشعر بها المستهلك الأمريكي مباشرة.
لماذا يمثل اليمن معضلة لترامب؟
تجد إدارة الرئيس دونالد ترامب نفسها أمام حسابات معقدة.
فالسعودية شريك استراتيجي للولايات المتحدة، وأمن منشآتها النفطية يؤثر مباشرة في الاقتصاد العالمي، لكن الانخراط العسكري الأمريكي بصورة مباشرة ضد الحوثيين يمكن أن يفتح جبهة إضافية في حرب إقليمية أصبحت واسعة بالفعل.
وكانت الولايات المتحدة قد نفذت حملة جوية ضد الحوثيين لمدة شهرين خلال 2025، قبل توقفها بعد اتفاق قالت إدارة ترامب إنه أنهى هجمات الجماعة على السفن الأمريكية.
أما الآن، فواشنطن تحاول المحافظة على ذلك التفاهم بالتزامن مع تقديم دعم استخباراتي للسعودية، دون التحول حتى الآن إلى تدخل عسكري أمريكي واسع في المعركة اليمنية، وفق تقرير رويترز.
هل أصبحت الحرب السعودية الحوثية جزءًا من حرب إيران؟
سياسيًا، يصعب فصل الجبهتين بالكامل، لكن وصف الحوثيين باعتبارهم مجرد قوة تنفذ أوامر طهران سيكون تبسيطًا زائدًا.
الحركة متحالفة مع إيران وتلقت دعمًا منها، لكن لها قيادة وأهداف وحسابات يمنية خاصة، وهي نفسها تنفي أنها تعمل كوكيل إيراني. وفي الوقت ذاته، أدت مكاسبها الحالية إلى تعزيز موقع أحد أهم حلفاء طهران في المنطقة.
وهذا يعني أن اتساع الحرب إلى اليمن يضيف جبهة جديدة إلى صراع يمتد بالفعل من إيران ومضيق هرمز إلى السعودية والبحر الأحمر.
السيناريو الأخطر: هرمز وباب المندب معًا
تكمن الخطورة الاستراتيجية في أن السعودية تواجه ضغوطًا على مسارين رئيسيين لتصدير الطاقة في الوقت نفسه.
فمضيق هرمز في الشرق يعاني من اضطرابات شديدة، بينما يؤدي تقدم الحوثيين على ساحل اليمن إلى زيادة المخاطر بالقرب من باب المندب في الغرب، في الوقت الذي تعرض فيه خط شرق-غرب نفسه لهجوم أدى إلى تعطيله مؤقتًا.
وإذا استمرت هذه الضغوط معًا، فقد تصبح الأزمة أكبر من مواجهة سعودية حوثية؛ لأنها ستمس قدرة أحد أكبر منتجي النفط في العالم على نقل صادراته بأمان إلى الأسواق.


