السبت، ٣٠ مايو ٢٠٢٦ في ٠٢:١٦ م

«الاندماج الخفي».. ققانون أمريكي يفتح باب التكامل العسكري الكامل مع إسرائيل ويشعل غضب الشارع

ققانون الدفاع الأمريكي 2027.. خطوة صامتة نحو اندماج عسكري غير مسبوق

في تحوّل تشريعي شديد الحساسية، يمضي الكونغرس الأمريكي نحو صياغة مرحلة جديدة في العلاقة العسكرية بين واشنطن وتل أبيب، لا تقوم فقط على المساعدات التقليدية أو صفقات السلاح المعتادة، بل على ما يشبه الاندماج المؤسسي العميق بين الجيش الأمريكي والجيش الإسرائيلي.

ويأتي هذا التحول عبر مشروع ققانون تفويض الدفاع الوطني للسنة المالية 2027، الذي أقرّه مجلس النواب مؤخرًا، متضمنًا مادة تحمل الرقم 224 تحت عنوان: «مبادرة التعاون التكنولوجي الدفاعي بين الولايات المتحدة وإسرائيل»، وهي مادة قد تُحدث، وفق مراقبين، نقلة خطيرة في طبيعة الشراكة الدفاعية بين البلدين.

من المساعدات العسكرية إلى التكامل الدفاعي

على مدار عقود، اعتمدت العلاقة العسكرية بين الولايات المتحدة وإسرائيل على نموذج واضح يقوم على المساعدات الأمنية والدعم العسكري المباشر وصفقات السلاح، وهي مساعدات تجاوزت قيمتها مئات المليارات من الدولارات منذ تأسيس إسرائيل عام 1948 بعد احتساب التضخم.

لكن المادة الجديدة لا تبدو مجرد بند تمويلي إضافي، ولا صفقة تسليح عابرة، بل تؤسس لتحول أكبر: انتقال العلاقة من الدعم العسكري إلى التكامل الدفاعي والصناعي والتكنولوجي.

وبحسب ما ورد في النص، فإن المبادرة تفتح الباب أمام البحث والتطوير الثنائي، والإنتاج المشترك، واتفاقيات الترخيص المتبادل، ومشروعات صناعية متداخلة تمتد إلى مجالات شديدة الحساسية.

مجالات خطيرة داخل التعاون الجديد

الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية

لا يقتصر التعاون المقترح على منظومات الدفاع الصاروخي، التي مثلت لسنوات طويلة عنوان الشراكة العسكرية بين واشنطن وتل أبيب، بل يمتد إلى مجالات أكثر تعقيدًا وخطورة، وفي مقدمتها الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية.

هذه المجالات لا ترتبط فقط بتطوير الأسلحة، بل تمس مستقبل الحروب الحديثة، من تحليل البيانات الضخمة إلى اتخاذ القرار العسكري السريع، وصولًا إلى تطوير أنظمة قادرة على العمل بدرجات أعلى من الاستقلالية.

الأنظمة ذاتية التشغيل والطاقة الموجهة

يفتح المشروع كذلك الباب أمام التعاون في الأنظمة ذاتية التشغيل، والطاقة الموجهة، والأمن السيبراني، والتكنولوجيا الحيوية، وهي قطاعات تمثل العمود الفقري للجيل القادم من التكنولوجيا العسكرية.

وهنا تكمن الخطورة؛ لأن التعاون لم يعد محصورًا في تبادل معدات أو تمويل منظومات دفاعية، بل بات يقترب من دمج البنية التكنولوجية العميقة بين الطرفين.

«دمج البيانات».. أخطر بنود المشروع

الأكثر إثارة للقلق في المادة 224 هو الحديث عن تكامل الشبكات ودمج البيانات، وهي صياغات تبدو تقنية في ظاهرها، لكنها قد تحمل آثارًا استراتيجية بالغة العمق.

فإذا جرى تنفيذ هذه البنود على نطاق واسع، فقد تصبح معلومات عسكرية أمريكية شديدة الحساسية متاحة بشكل مباشر أو غير مباشر للجيش الإسرائيلي، وهو ما يفتح بابًا واسعًا للجدل حول السيادة المعلوماتية، وحدود مشاركة البيانات، وطبيعة الرقابة على انتقال المعلومات العسكرية بين الطرفين.

هل تتحول معلومات الجيش الأمريكي إلى مورد مشترك؟

هذا السؤال هو جوهر القلق داخل الأوساط المناهضة للتوسع العسكري الأمريكي الإسرائيلي. فحين تصبح الشبكات والبيانات جزءًا من منظومة تكامل، لا يعود الأمر مجرد تعاون، بل يتحول إلى تشابك يصعب فصله لاحقًا.

ومع مرور الوقت، قد يصبح التراجع عن هذا النموذج أكثر كلفة سياسيًا وعسكريًا، خصوصًا إذا دخلت الشركات الدفاعية الأمريكية والإسرائيلية في مشروعات إنتاج مشتركة طويلة الأمد.

فجوة بين النخب الأمريكية والشارع

لا تقف تداعيات المشروع عند حدود التكنولوجيا أو المؤسسة العسكرية، بل تمتد إلى السياسة الداخلية الأمريكية نفسها.

فالتوسع في إنشاء مرافق إنتاج دفاعية مشتركة على الأراضي الأمريكية يمنح إسرائيل نفوذًا جديدًا داخل الدوائر الانتخابية، ليس عبر جماعات الضغط التقليدية فقط، بل عبر الوظائف والمصانع والمصالح الاقتصادية المحلية.

وحين ترتبط وظائف في ولايات أمريكية محددة بمشروعات دفاعية مشتركة مع إسرائيل، يصبح موقف النواب من هذه العلاقة أكثر تعقيدًا، إذ تتحول القضية من ملف خارجي إلى مصدر نفوذ انتخابي داخلي.

الوظائف كسلاح سياسي جديد

إقامة منشآت إنتاج مشتركة في ولايات مثل ميسيسيبي وأركنساس تعني أن العلاقة العسكرية مع إسرائيل لم تعد محصورة في واشنطن أو داخل لجان الدفاع، بل باتت تمتد إلى القواعد الانتخابية والاقتصادات المحلية.

وهذا يمنح الحكومة الإسرائيلية، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، أدوات تأثير تتجاوز اللوبيات التقليدية، لأن أي اعتراض سياسي على التكامل العسكري قد يُصوَّر داخليًا باعتباره تهديدًا للوظائف أو الاستثمار أو الأمن القومي.

الرأي العام الأمريكي يتحرك عكس النخب

تزداد حساسية هذا التحول حين يُقرأ في ضوء تبدل المزاج الشعبي الأمريكي تجاه تسليح إسرائيل.

فوفق الأرقام الواردة في استطلاع معهد الشؤون العالمية، يؤيد 16% فقط استمرار تزويد إسرائيل بالسلاح دون قيود، بينما يريد 38% وقف التسليح بالكامل، ويطالب 24% آخرون بربط التسليح بكيفية استخدام هذه الأسلحة.

هذه الأرقام تكشف فجوة عميقة بين الرأي العام الأمريكي وخيارات النخب السياسية في الحزبين، حيث يبدو أن الشارع بات أكثر تشككًا في الدعم غير المشروط لإسرائيل، بينما تستمر المؤسسات التشريعية في دفع العلاقة العسكرية إلى مستويات أعمق.

من الدعم العلني إلى آليات غامضة

التحذير الأبرز هنا يتمثل في الانتقال من نموذج المساعدات العسكرية الذي يمكن التصويت عليه ومراجعته دوريًا، إلى نموذج تكامل دفاعي يدخل عبر آليات استحواذ وتراخيص ومشروعات صناعية أقل وضوحًا للرأي العام.

وهذا يعني أن العلاقة العسكرية قد تصبح أعمق، لكنها في الوقت ذاته أقل شفافية، حيث تضيق مساحة الرقابة البرلمانية والإعلامية، وتتراجع قدرة الناخب الأمريكي على معرفة حجم الالتزامات الفعلية التي تتحملها بلاده.

اتهامات باستخدام السلاح الأمريكي في انتهاكات

يأتي هذا الجدل في لحظة شديدة الحساسية، تتصاعد فيها الاتهامات الموجهة للجيش الإسرائيلي باستخدام أسلحة أمريكية في غارات وانتهاكات للققانون الدولي الإنساني.

ومع ذلك، بدلًا من مراجعة العلاقة العسكرية أو فرض قيود أو شروط واضحة، يدفع مشروع الققانون نحو توسيع الشراكة ودمج البنية الدفاعية، ما يثير تساؤلات حادة حول الاتجاه الحقيقي للسياسة الأمريكية في الشرق الأوسط.

أصوات أمريكية تعترض على الدعم غير المشروط

لم يعد الاعتراض على الدعم التلقائي لإسرائيل قاصرًا على تيار سياسي واحد داخل الولايات المتحدة، فقد بدأت أصوات من داخل الحزبين تنتقد النفوذ الكبير للوبي الإسرائيلي، وتطالب بإعادة النظر في حجم الدعم العسكري والسياسي الممنوح لتل أبيب.

ومن بين هذه الأصوات شخصيات مثل السيناتور كريس فان هولين والنائب توماس ماسي، اللذين عبّرا عن مواقف ناقدة للدعم غير المشروط، في مؤشر على أن ملف إسرائيل لم يعد يحظى بالإجماع القديم نفسه داخل واشنطن.

ماذا يعني هذا التحول للشرق الأوسط؟

إذا تحول المشروع إلى ققانون نافذ بصيغته الموسعة، فقد تدخل المنطقة مرحلة جديدة من التشابك العسكري بين واشنطن وتل أبيب، تجعل أي تصعيد إسرائيلي في الشرق الأوسط أكثر ارتباطًا بالبنية الدفاعية الأمريكية.

وهنا يصبح السؤال الأخطر: هل يؤدي هذا التكامل إلى ردع أعداء إسرائيل، أم أنه يورط الولايات المتحدة بصورة أعمق في أزمات المنطقة وحروبها المفتوحة؟

ققانون صامت قد يغير شكل التحالف الأمريكي الإسرائيلي

مشروع ققانون الدفاع الأمريكي 2027 لا يبدو مجرد بند فني في ميزانية عسكرية ضخمة، بل قد يكون نقطة تحول في تاريخ العلاقة بين الولايات المتحدة وإسرائيل. فبين دمج البيانات، والإنتاج المشترك، والتعاون في الذكاء الاصطناعي والحوسبة الكمومية، تبدو واشنطن أمام انتقال من مرحلة دعم إسرائيل إلى مرحلة الاندماج معها دفاعيًا وتكنولوجيًا.

وفي وقت يتحرك فيه الرأي العام الأمريكي نحو مزيد من الشك والاعتراض على التسليح غير المشروط، تمضي النخب السياسية في اتجاه معاكس، نحو شراكة أعمق وأقل شفافية، قد تجعل مستقبل السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط أكثر ارتباطًا بقرارات تل أبيب من أي وقت مضى.

 

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.