«بط في ساحة حرب».. رئيس أركان الاحتلال السابق يهاجم نتنياهو ويكشف مأزق إسرائيل في لبنان
في تصريح يعكس حجم الارتباك داخل إسرائيل، وجّه رئيس أركان جيش الاحتلال السابق دان حالوتس انتقادات حادة إلى رئيس حكومة الاحتلال بنيامين نتنياهو وأعضاء الكابينت اليميني، بسبب طريقة إدارة الحرب في لبنان، معتبرًا أن الجنود يتم إرسالهم إلى معارك برية معقدة دون هدف واضح أو رؤية سياسية لما بعد الحرب.
التصريح المنسوب إلى حالوتس لم يكن عابرًا، بل جاء بصيغة صادمة حين شبّه الجنود الإسرائيليين في لبنان بأنهم أُرسلوا «كالبط في ساحة رماية»، وهي عبارة ثقيلة داخل القاموس العسكري الإسرائيلي، لأنها تعني ببساطة أن الجنود مكشوفون، وأن القيادة السياسية تدفعهم إلى ميدان خطر دون خطة كافية أو حماية فعالة.
إسرائيل تعشق الحياة في حالة حرب دائمة
تكشف هذه التصريحات جانبًا من أزمة أعمق داخل إسرائيل، وهي أن دولة الاحتلال تبدو وكأنها لا تستطيع الخروج من دائرة الحرب الدائمة. فكلما انتهت مواجهة، بدأت أخرى، وكلما ظهر مأزق سياسي، جرى الهروب إلى الأمام عبر فتح جبهة جديدة أو توسيع جبهة قائمة.
ومن هنا تأتي خطورة كلام حالوتس، لأنه لا يهاجم عملية عسكرية فقط، بل يضرب في جوهر العقلية التي تدير القرار الإسرائيلي: عقلية ترى في الحرب وسيلة للبقاء السياسي، حتى لو كان الثمن جنودًا يقتلون في الميدان، ومجتمعًا يعيش في رعب دائم، ومنطقة كاملة تدفع ثمن الحسابات الضيقة.

نتنياهو تحت ضغط الجنرالات
هجوم دان حالوتس يعكس اتساع الشرخ بين المؤسسة العسكرية السابقة والمستوى السياسي الحالي في إسرائيل. فالرجل لا يتحدث كمعارض عادي، بل كقائد عسكري سابق يعرف جيدًا معنى الدخول إلى لبنان، ويعرف أيضًا كلفة التورط في حرب استنزاف طويلة.
وحين يخرج رئيس أركان سابق ليقول إن الجنود يُدفعون إلى المعركة بلا هدف واضح، فهذا يعني أن الأزمة لم تعد فقط في الميدان، بل وصلت إلى قلب الثقة بين القادة العسكريين والسياسيين.
سر تشبيه الجنود بالبط في ساحة الرماية
التشبيه الذي استخدمه حالوتس يحمل دلالة قاسية للغاية. فالبط في ساحة الرماية لا يناور، ولا يملك حماية، ولا يعرف من أين تأتي الضربة. ووفق هذا المعنى، فإن الجنود الإسرائيليين في لبنان يتحركون داخل بيئة مكشوفة أمام صواريخ وكمائن ومسيّرات حزب الله، دون رؤية عملياتية تضمن تحقيق هدف سياسي أو عسكري واضح.
هذا التصريح يُقرأ داخل إسرائيل باعتباره اتهامًا مباشرًا للحكومة بأنها تقامر بأرواح الجنود، وتستخدم الجيش كأداة لإطالة عمر الأزمة بدلًا من إنهائها.
حرب بلا أفق سياسي
أخطر ما في انتقادات حالوتس أنها تركز على غياب ما يسمى بـاليوم التالي للحرب. فالسؤال الذي يلاحق إسرائيل في لبنان وغزة واحد: ماذا بعد القصف؟ ماذا بعد التوغل؟ ماذا بعد سقوط الجنود؟ وما الهدف النهائي من استمرار الحرب؟
حكومة نتنياهو، بحسب هذا الطرح، تدير حربًا مفتوحة دون تصور واضح للنهاية. وهذا ما يجعل الجنود وقودًا لمعركة لا يعرفون حدودها، ولا يعرف المجتمع الإسرائيلي تكلفتها النهائية.
لبنان يعيد عقدة 2006
يكتسب كلام دان حالوتس حساسية خاصة لأنه كان رئيسًا لأركان جيش الاحتلال خلال حرب لبنان الثانية عام 2006، وهي الحرب التي بقيت في الذاكرة الإسرائيلية كواحدة من أكبر الإخفاقات العسكرية والسياسية.
ولذلك، فإن خروجه اليوم للحديث عن تكرار الأخطاء في لبنان يحمل معنى مضاعفًا. فهو يتحدث من موقع من خبر الفشل في الوحل اللبناني، ويبدو كأنه يحذر حكومة نتنياهو من إعادة إنتاج نفس الكارثة، لكن بصورة أكثر خطورة وتعقيدًا.
حزب الله يفرض معادلة استنزاف
في الميدان، لا تبدو جبهة لبنان سهلة بالنسبة لإسرائيل. فحزب الله يعتمد على تكتيكات الاستنزاف، والطائرات المسيّرة، والصواريخ الدقيقة، والكمائن، بما يجعل أي تحرك بري إسرائيلي مكلفًا ومعقدًا.
ومع انتشار مقاطع تظهر حالة الارتباك والخوف بين جنود الاحتلال أمام المسيّرات أو الضربات المفاجئة، تتزايد الضغوط على الداخل الإسرائيلي، وتتراجع صورة الجيش الذي كان يحاول تقديم نفسه باعتباره قوة لا تُقهر.
مسيّرات حزب الله تضرب المعنويات قبل المواقع
أصبحت المسيّرات، في الخطاب الإعلامي الإسرائيلي والعربي، رمزًا لتحول ميداني مهم. فهي لا تضرب المواقع فقط، بل تضرب المعنويات أيضًا. فالمشهد الذي يهرب فيه جنود الاحتلال أو يختبئون خوفًا من طائرة صغيرة، يهز صورة الجيش أمام جمهوره قبل خصومه.
وهنا تتضاعف أزمة نتنياهو؛ لأن الحرب التي يفترض أنها تمنح إسرائيل صورة قوة، بدأت تكشف هشاشة داخلية وارتباكًا ميدانيًا وتوترًا سياسيًا متزايدًا.
نتنياهو بين الحرب والبقاء السياسي
يرى منتقدو نتنياهو أن استمرار الحروب يخدم بقاءه السياسي، لأن الخروج من الحرب يعني العودة إلى الحساب الداخلي، وفتح ملفات الفشل، والمحاسبة، والغضب الشعبي.
ومن هنا تأتي الاتهامات بأن الحكومة الإسرائيلية لا تبحث عن نهاية حقيقية للحرب، بل تدير وقتًا سياسيًا على حساب الجنود والمجتمع الإسرائيلي والمنطقة بأكملها.
مأزق عميق لدولة تعيش على إيقاع الحرب الدائمة
تصريحات دان حالوتس ضد نتنياهو ليست مجرد خلاف داخل المؤسسة الإسرائيلية، بل تعبير عن مأزق عميق لدولة تعيش على إيقاع الحرب الدائمة. فحين يقول رئيس أركان سابق إن الجنود أُرسلوا إلى لبنان كالبط في ساحة رماية، فهذا يعني أن الثقة في القرار السياسي تتآكل، وأن الحرب لم تعد تُدار بمنطق الاستراتيجية، بل بمنطق النجاة السياسية.
لبنان، كما حدث في 2006، يعود مرة أخرى ليكشف حدود القوة الإسرائيلية، ويضع نتنياهو أمام سؤال لا يستطيع الهروب منه طويلًا: إلى أين تأخذ هذه الحرب إسرائيل؟


