إسرائيل تبحث عن كراهيتها في الكتب.. بينما تصنعها على الأرض
يهتم الإسرائيليون كثيرًا بمشاعر العرب تجاههم. مرة يخرج بلوجر إسرائيلي ليتساءل بدهشة: لماذا يكرهنا المصريون؟ ولماذا يعتبرون إسرائيل العدو الأول؟ ومرة تخرج الصحافة العبرية بتقارير مطولة عن المناهج التعليمية العربية، وتفكك العبارات والخرائط والرموز، كأنها تبحث عن أصل العداء في صفحة مدرسية أو درس تاريخ أو خريطة لا تذكر إسرائيل.
لكن الحقيقة أبسط وأقسى من ذلك: العرب لا يحتاجون إلى كتب مدرسية كي يكرهوا إسرائيل. إسرائيل نفسها تكتب هذا الدرس كل يوم، بسياساتها، وحروبها، واحتلالها، وتوسعها، وعدوانها المستمر على الفلسطينيين والعرب من غزة إلى لبنان وسوريا.
من يزرع الحصار، ويحصد الأطفال تحت الأنقاض، ويهدم البيوت، ويصادر الأرض، ويقصف عواصم ومخيمات ومدنًا عربية، لا يحتاج إلى من يشوه صورته. أفعاله وحدها تكفي.
من يكتب درس الكراهية؟ المناهج أم الاحتلال؟
حين تتحدث صحيفة عبرية عن المناهج الأردنية أو المصرية أو الفلسطينية أو العربية عمومًا، فإنها تتعامل مع النتيجة لا السبب. تتوقف أمام النص، وتتجاهل الواقع الذي أنتج هذا النص. تنزع الكلمة من سياقها، وتترك القصف، والاستيطان، والتهجير، والحصار، والمجازر، وكأنها تفاصيل جانبية لا علاقة لها بصورة إسرائيل في الوعي العربي.
الحقيقة أن الاحتلال هو أول كتاب مفتوح أمام الأجيال.
الطفل العربي لا يحتاج إلى درس طويل ليفهم معنى إسرائيل حين يرى غزة تُقصف.
ولا يحتاج إلى مادة تاريخية كي يدرك معنى الاستيطان حين يشاهد أرضًا فلسطينية تُسرق أمام الكاميرات.
ولا يحتاج إلى خطاب سياسي كي يكوّن موقفًا من دولة تستبيح لبنان وسوريا وتتعامل مع المجال العربي كمساحة مفتوحة لعملياتها العسكرية.
إسرائيل تسأل عن الكراهية، لكنها لا تسأل عن الجريمة التي سبقتها.
غزة.. الدرس الأكبر الذي كتبته إسرائيل بيدها
إذا أرادت إسرائيل أن تعرف لماذا يكرهها العرب، فلتنظر إلى غزة.
هناك لا تحتاج الإجابة إلى محللين ولا مراكز دراسات ولا تقارير عبرية. الصورة وحدها تكفي.
غزة، بما حملته من قتل وحصار وتجويع ونزوح وهدم للمستشفيات والبيوت والمدارس، أصبحت في الوعي العربي دليلًا حيًا على طبيعة المشروع الإسرائيلي حين يُترك بلا رادع. كل بيت هُدم في غزة أضاف سطرًا جديدًا في كتاب العداء. كل طفل فقد عائلته، كل أم حملت جثمان ابنها، كل أب بحث تحت الركام، كل مستشفى حوصر أو خرج من الخدمة، كل خيمة نزوح، كل مشهد جوع، كل ذلك لم يكتبه منهج عربي، بل كتبته إسرائيل بنفسها.
ثم تأتي الصحافة العبرية لتسأل: لماذا لا يحبنا العرب؟
السؤال هنا لا يبدو بريئًا، بل يبدو كأنه محاولة للهروب من المرآة. إسرائيل لا تريد أن ترى صورتها كما هي، فتتهم العرب بأنهم تعلموا كراهيتها في المدارس، بينما هم شاهدوها في نشرات الأخبار وعلى الأرض وفي التاريخ القريب والبعيد.
لبنان وسوريا.. السيادة العربية في مرمى الطيران الإسرائيلي
ليست غزة وحدها.
في لبنان، ظل اسم إسرائيل مرتبطًا بالاجتياحات والغارات والاحتلال والتهديد الدائم. ذاكرة الجنوب اللبناني وحدها تكفي لتفسير الكثير من الرفض الشعبي العربي. من عاش الاحتلال، أو شاهد آثاره، أو رأى القصف يتكرر، لن يحتاج إلى كتاب يشرح له معنى الخطر الإسرائيلي.
وفي سوريا، تكررت الغارات الإسرائيلية تحت ذرائع مختلفة، وكأن السيادة العربية أمر قابل للتجاوز في أي لحظة. تضرب إسرائيل متى شاءت، وتبرر كما شاءت، ثم تستغرب أن يراها العرب قوة عدوانية لا جارًا طبيعيًا.
أي سلام يمكن أن ينمو تحت طائرات تقصف؟ وأي قبول شعبي يمكن أن يولد بينما يرى الناس دولة تتعامل مع الإقليم كله كمساحة مباحة لأمنها وحدها؟
التوسع هو جوهر المشكلة
إسرائيل ليست مرفوضة عربيًا فقط لأنها خاضت حروبًا، بل لأنها لم تتوقف عن مشروع التوسع. الاستيطان في الضفة الغربية ليس خبرًا عابرًا، بل سياسة مستمرة. تهويد القدس ليس تفصيلًا إداريًا، بل اعتداء على الذاكرة والهوية والمقدسات. مصادرة الأراضي ليست خلافًا عقاريًا، بل جوهر صراع طويل بين صاحب أرض ومشروع احتلالي يريد تثبيت أمر واقع بالقوة.

حين يرى العربي أن إسرائيل توسع حدود نفوذها وتبتلع الأرض وتفرض الوقائع الجديدة، يصبح الحديث عن "كراهية إسرائيل" حديثًا ناقصًا. القضية ليست كراهية نفسية أو ثقافية، بل موقف سياسي وأخلاقي من قوة احتلال وتوسع.
إسرائيل تريد من العرب أن ينسوا الأرض، وأن يتجاهلوا الدم، وأن يتعاملوا مع الاحتلال كأنه سوء تفاهم تاريخي. لكن الشعوب لا تنسى بهذه الطريقة.
الخلط المتعمد بين كراهية إسرائيل ومعاداة اليهود
من أخطر الأساليب الإسرائيلية في إدارة صورتها عالميًا أنها تخلط عمدًا بين رفض إسرائيل ومعاداة اليهود. كلما انتقد العرب الاحتلال، قيل إنهم يكرهون اليهود. كلما أدانوا الصهيونية، قيل إنهم ضد السامية. كلما تحدثوا عن غزة، قيل إنهم يبررون العنف.
هذا الخلط ليس بريئًا. إنه محاولة لإغلاق باب المحاسبة.
نقد دولة تحتل وتقتل وتتوسع ليس عداءً لدين. رفض السياسات الإسرائيلية ليس كراهية لشعب. الدفاع عن الفلسطينيين ليس تحريضًا على اليهود.
العربي الذي يرفض إسرائيل لا يرفضها لأنها ديانة، بل لأنها دولة احتلال وسياسات عدوانية ومشروع توسعي. ولو كانت أي دولة أخرى تفعل ما تفعله إسرائيل، لواجهت الرفض نفسه.
إسرائيل تريد سلامًا بلا عدالة
مشكلة إسرائيل أنها تريد قبولًا عربيًا مجانيًا. تريد سفارات، واتفاقيات، وتعاونًا، وأسواقًا، وصورة طبيعية في المنطقة، لكنها لا تريد دفع ثمن السلام الحقيقي: وقف الاحتلال، إنهاء الاستيطان، احترام الحقوق الفلسطينية، وقف العدوان، والاعتراف بأن الأمن لا يكون لإسرائيل وحدها على حساب أمن العرب وكرامتهم.
السلام لا يولد من التوقيع فقط.
السلام لا يعيش في الورق إذا كانت الأرض مشتعلة.
السلام لا يقنع الشعوب إذا كان الفلسطيني يُقتل ويُحاصر، واللبناني يُقصف، والسوري تُنتهك سيادته، والقدس تتعرض لمحاولات تغيير هويتها.
لذلك بقي السلام الرسمي باردًا، وبقيت إسرائيل في الوجدان الشعبي العربي عدوًا، لا بسبب خطبة مدرسية، بل بسبب واقع يومي لا يتغير.

الصحافة العبرية تقرأ العرب من فوق لا من الداخل
حين تكتب الصحف العبرية عن المناهج العربية، فإنها غالبًا تقرأ العرب من موقع الاتهام لا الفهم. تبحث عن جملة هنا وخريطة هناك ونص ديني أو تاريخي هناك، ثم تخرج بنتيجة جاهزة: العرب يربّون أبناءهم على كراهية إسرائيل.
لكنها لا تسأل لماذا صارت إسرائيل في المخيال العربي مرتبطة بالاحتلال؟
لماذا يرىها المصري أو الأردني أو اللبناني أو السوري أو المغربي أو العراقي كخطر دائم؟
لماذا لم تنجح عقود من الاتفاقيات والاتصالات في تغيير هذه الصورة؟
لماذا كلما حدث عدوان على غزة اشتعل الشارع العربي من المحيط إلى الخليج؟
الإجابة لأن العداء ليس صناعة مدرسية. إنه تراكم سياسي وإنساني وتاريخي صنعته إسرائيل بنفسها.
من المحيط إلى الخليج.. وحدة الرفض رغم اختلاف السياسات
قد تختلف الحكومات العربية في سياساتها وعلاقاتها ومصالحها، لكن الشعور الشعبي تجاه إسرائيل ظل في جوهره متقاربًا. من المغرب إلى العراق، ومن مصر إلى اليمن، ومن الأردن إلى لبنان، يعرف الناس أن هناك جرحًا فلسطينيًا مفتوحًا، وأن إسرائيل هي الطرف الذي يمنع هذا الجرح من الالتئام.
قد تختلف درجات التعبير، وقد يتفاوت الصوت من بلد إلى آخر، لكن عند كل عدوان كبير على غزة، تظهر الحقيقة: الوجدان العربي لا يزال يعتبر فلسطين قضيته، ولا يزال يرى إسرائيل مشروعًا عدوانيًا لا يمكن فصله عن الدم والأرض والاحتلال.
هذه ليست مؤامرة من المناهج. هذه ذاكرة أمة.
إسرائيل تكتب كتاب كراهيتها بنفسها
كل قذيفة تسقط على غزة فصل.
كل مستوطنة جديدة فصل.
كل أرض تُصادر فصل.
كل غارة على لبنان أو سوريا فصل.
كل طفل فلسطيني يُقتل فصل.
كل أسير يُهان فصل.
كل بيت يُهدم فصل.
كل تصريح إسرائيلي متطرف يدعو للتهجير أو سحق الفلسطينيين فصل.
ثم بعد ذلك يأتي من يسأل: من علّم العرب كراهية إسرائيل؟
إسرائيل هي من علّمتهم.
إسرائيل هي من كتبت المنهج.
إسرائيل هي من جعلت اسمها في الوعي العربي مرتبطًا بالعدوان والتوسع والقوة الغاشمة.
لا تطلبوا من الضحية أن تحب الجلاد
منطق بعض الخطاب الإسرائيلي يقوم على مطالبة العرب بتغيير شعورهم تجاه إسرائيل دون أن تغير إسرائيل سلوكها تجاه العرب. يريدون من الضحية أن تنسى، ومن المقهور أن يبتسم، ومن صاحب الأرض أن يقبل، ومن المحاصر أن يصفق، ومن المشاهد العربي أن يتعامل مع مشاهد الدم كأنها سوء فهم إعلامي.
هذا غير ممكن.
لا يمكن أن تطلب من الشعوب احترام صورة دولة بينما هذه الدولة تهين كرامتهم الجماعية كل يوم.
لا يمكن أن تطلب منهم محبة من يرونه سببًا في قتل الأطفال ونهب الأرض.
لا يمكن أن تفرض التطبيع العاطفي بينما لم يتحقق الحد الأدنى من العدالة.
الطريق إلى تغيير الصورة يبدأ من وقف العدوان
إذا أرادت إسرائيل أن يتغير موقف العرب منها، فالطريق لا يبدأ من الهجوم على مناهج الأردن أو مصر أو فلسطين. لا يبدأ من تقارير مراكز الدراسات، ولا من لوم الإعلام العربي، ولا من اتهام الشعوب بأنها مبرمجة على الكراهية.
الطريق يبدأ من وقف العدوان.
من إنهاء الاحتلال.
من وقف الاستيطان.
من احترام سيادة الدول العربية.
من الاعتراف بحقوق الفلسطينيين.
من التوقف عن تحويل غزة إلى مقبرة مفتوحة.
من التعامل مع العرب كأصحاب أرض وكرامة، لا كجمهور مطلوب منه أن يصفق للقوة.
إسرائيل لا تحتاج إلى مناهج كي يكرهها العرب.
أفعالها كافية.
سياساتها كافية.
غزة كافية.
لبنان وسوريا كافيان.
والأرض المنهوبة من فلسطين كافية.
من يكتب درس الكراهية ليس المعلم العربي في الفصل، بل الدولة التي جعلت الاحتلال سياسة، والقصف لغة، والتوسع عقيدة، والدم واقعًا يوميًا.


