الثلاثاء، ٢٦ مايو ٢٠٢٦ في ٠٣:٢٨ ص

وفد إيراني رفيع في الدوحة.. قاليباف وعراقجي يبحثان اتفاقًا محتملًا مع واشنطن

وصل رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف ووزير الخارجية عباس عراقجي إلى العاصمة القطرية الدوحة، في زيارة لافتة تحمل دلالات سياسية كبيرة، بالتزامن مع تصاعد الجهود الرامية إلى التوصل لاتفاق محتمل بين طهران وواشنطن لخفض التصعيد وفتح مسار تفاوضي جديد في واحدة من أخطر لحظات التوتر بالمنطقة.

الزيارة لا تبدو بروتوكولية، ولا يمكن التعامل معها كتحرك دبلوماسي عابر. فاجتماع شخصيتين بهذا الثقل في العاصمة القطرية، بالتزامن مع مفاوضات تتعلق بمضيق هرمز والبرنامج النووي والأموال المجمدة ووقف التصعيد، يعني أن طهران قد تكون أمام لحظة مراجعة كبرى: إما تثبيت مسار التهدئة، أو العودة إلى دائرة المواجهة المفتوحة التي قد تشعل الخليج والأسواق معًا.

وبحسب ما نقلته Reuters، فإن قاليباف وعراقجي وصلا إلى الدوحة للقاء رئيس الوزراء القطري بشأن اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة لإنهاء الحرب، مع تركيز المحادثات على مضيق هرمز ومخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب وإمكانية الإفراج عن أصول إيرانية مجمدة.

قاليباف وعراقجي في الدوحة.. لماذا الزيارة مختلفة؟

اللافت في زيارة الدوحة ليس فقط اسم وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي، وهو الوجه الطبيعي لأي مفاوضات خارجية، بل وجود محمد باقر قاليباف رئيس البرلمان الإيراني، وهو ما يمنح التحرك بعدًا داخليًا واضحًا داخل بنية القرار في طهران.

وجود قاليباف يعني أن إيران لا تتعامل مع الملف كاتفاق فني بين وزارة خارجية ووسيط إقليمي، بل كمسار قد يحتاج إلى غطاء سياسي وتشريعي ورمزي داخل النظام. فقاليباف ليس مجرد رئيس للبرلمان، بل شخصية ذات خلفية أمنية وسياسية ثقيلة داخل الجمهورية الإسلامية، وإعادة انتخابه رئيسًا للبرلمان الإيراني تؤكد استمرار نفوذه في المشهد الداخلي.

هذه النقطة مهمة؛ لأن أي اتفاق مع واشنطن قد يتضمن تنازلات مؤلمة أو ترتيبات حساسة، سواء في الملف النووي أو المضيق أو العقوبات. لذلك تحتاج طهران إلى مشاركة أوسع من مراكز القوة، حتى لا يظهر القرار وكأنه صادر من الخارجية وحدها.

هل هي مفاوضات مباشرة مع أمريكا؟

الصياغة الأدق حتى الآن أن الوفد الإيراني موجود في الدوحة لإجراء مباحثات حول اتفاق محتمل مع الولايات المتحدة عبر الوساطة القطرية. التقارير الموثوقة تحدثت عن لقاء مع رئيس الوزراء القطري، ولم تؤكد بشكل قاطع وجود لقاء مباشر وجهًا لوجه بين الوفد الإيراني ووفد أمريكي داخل القاعة نفسها.

وهنا يجب التوقف عند دقة التعبير؛ لأن الفرق كبير بين “مفاوضات مباشرة” و“محادثات عبر وسيط”. إيران تاريخيًا تتحسس من صيغة اللقاء المباشر مع واشنطن، خصوصًا في اللحظات التي تحتاج فيها إلى تسويق التفاوض داخليًا دون أن يبدو الأمر تراجعًا أمام الضغط الأمريكي.

لذلك، فإن العنوان السياسي الحقيقي للزيارة هو: مفاوضات ثقيلة عبر الدوحة، لا إعلان رسمي عن مصافحة مباشرة بين طهران وواشنطن.

الملفات على الطاولة.. هرمز واليورانيوم والأموال المجمدة

تدور المحادثات حول ثلاثة ملفات شديدة الحساسية.

الأول هو مضيق هرمز، الشريان البحري الأخطر في العالم، والذي تحول خلال الأسابيع الماضية إلى ورقة ضغط كبرى في يد إيران، لكنه في الوقت نفسه بات عبئًا عليها. فإغلاق المضيق أو تهديد الملاحة يرفع كلفة التصعيد على الجميع، لكنه يدفع أيضًا الولايات المتحدة وحلفاءها إلى ردود عسكرية واقتصادية قد تزيد عزلة طهران.

الثاني هو البرنامج النووي الإيراني، خصوصًا مخزون اليورانيوم عالي التخصيب. هذا الملف هو قلب الخلاف بين إيران والولايات المتحدة، وأي اتفاق عملي لن يمر دون صيغة رقابة أو تجميد أو تخفيض أو ضمانات تتعلق بمستوى التخصيب والمخزون القائم.

الثالث هو الأصول الإيرانية المجمدة، وهو ملف بالغ الأهمية لطهران في ظل الضغوط الاقتصادية. فإطلاق جزء من هذه الأموال قد يمنح النظام متنفسًا داخليًا، لكنه سيكون مقابل التزامات واضحة أمام واشنطن والوسطاء.

الدوحة في قلب الوساطة.. قطر تتحرك بين النار والدبلوماسية

اختيار الدوحة ليس تفصيلًا عابرًا. قطر تمتلك قناة اتصال فعالة مع واشنطن، وفي الوقت نفسه تحافظ على قدرة تفاوض مع طهران، وتملك خبرة طويلة في إدارة الملفات الشائكة من غزة إلى أفغانستان وصولًا إلى إيران.

في هذه اللحظة، تتحول قطر إلى غرفة عمليات دبلوماسية، تحاول خفض مستوى النار دون أن تظهر وكأنها تفرض حلًا على أحد. وهذا الدور يمنح الدوحة وزنًا إضافيًا في الإقليم، لكنه يضعها أيضًا أمام اختبار صعب: هل تستطيع تحويل رغبة الطرفين في التهدئة إلى نص واضح قابل للتنفيذ؟

الأسواق تلتقط الإشارة.. النفط يراقب هرمز

مجرد وصول وفد إيراني بهذا الوزن إلى الدوحة يكفي لإرسال إشارة تهدئة للأسواق. فأسعار النفط لا تتحرك فقط وفق المعروض والطلب، بل وفق الخوف أيضًا. وكلما اقتربت المنطقة من اتفاق يضمن فتح مضيق هرمز وتراجع مخاطر المواجهة، انخفضت علاوة المخاطر على النفط والتأمين البحري وحركة الشحن.

لكن هذه التهدئة تبقى هشة. فالأسواق قد تهبط مع الأمل، لكنها تقفز بعنف مع الفشل. لذلك فإن أي إعلان عن تعثر المحادثات أو ضربة جديدة قرب هرمز قد يعيد التوتر فورًا إلى أسعار الطاقة وسلاسل الإمداد.

واشنطن بين الدبلوماسية والتهديد

في الجانب الأمريكي، تبدو الرسالة مزدوجة: واشنطن تقول إنها تريد اتفاقًا، لكنها تلوّح بأن فشل التفاوض سيجعلها تبحث عن طريق آخر. وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو تحدث عن المسار الدبلوماسي، بينما أشار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى أن الاتفاق يجب أن يكون “كبيرًا وذا معنى”، وإلا فلن يكون هناك اتفاق.

هذه اللغة تعني أن واشنطن لا تريد اتفاقًا شكليًا فقط، بل تريد تفاهمًا يمكن بيعه سياسيًا على أنه كبح لإيران، وضمان للملاحة، وتراجع في الخطر النووي، وربما مقدمة لإعادة ترتيب إقليمي أوسع.

اتفاق إيران وأبراهام.. الظل الإسرائيلي حاضر

لا يمكن فصل محادثات الدوحة عن محاولة ترامب ربط أي اتفاق مع إيران بتوسيع اتفاقيات أبراهام. التقارير الدولية أشارت إلى أن ترامب يدفع باتجاه تطبيع إقليمي أوسع، ويحث دولًا عربية وإسلامية على الانضمام إلى هذا المسار ضمن تصور أشمل للتهدئة.

هذا الربط يجعل الاتفاق أكثر تعقيدًا. فإيران قد تقبل تفاهمات أمنية أو نووية أو اقتصادية، لكنها لن تقبل بسهولة أن يظهر الاتفاق وكأنه بوابة لدمج إسرائيل إقليميًا على حساب نفوذ طهران. وفي المقابل، تريد واشنطن وإسرائيل ألا يكون الاتفاق مجرد تنفيس للعقوبات أو فتح للمضيق، بل جزءًا من خريطة جديدة للشرق الأوسط.

هل نحن أمام اختراق خلال ساعات؟

الحديث عن “اختراق خلال ساعات” ممكن سياسيًا، لكنه ليس مضمونًا. التقارير تشير إلى حراك جاد، لكنها تؤكد أن الخلافات لا تزال قائمة حول ملفات كبرى، منها العقوبات، وحزب الله، والنووي، وشروط التهدئة الإقليمية.

بمعنى آخر: الوفد الإيراني الرفيع يشير إلى أن هناك فرصة، لكنه لا يعني أن الاتفاق انتهى. في مثل هذه المفاوضات، قد يتحول التفاؤل إلى إعلان خلال ساعات، وقد ينهار كل شيء عند تفصيلة واحدة مرتبطة بالضمانات أو التوقيت أو آلية التنفيذ.

قراءة أعمق.. لماذا قد تقبل إيران الآن؟

إيران تدرك أن المواجهة الطويلة مكلفة. التهديد المستمر لمضيق هرمز يمنحها ورقة ضغط، لكنه يضعها تحت عين العالم. استمرار العقوبات يضغط على الداخل. واتساع الاشتباكات الإقليمية يرهق حلفاءها وشبكات نفوذها.

لذلك قد تبحث طهران عن اتفاق عملي لا يظهر كاستسلام، بل كصفقة تحفظ ماء الوجه: فتح المضيق مقابل أموال مجمدة، تهدئة مقابل ضمانات، وتنازلات نووية محسوبة مقابل تخفيف ضغط العقوبات.

لكنها ستحتاج إلى صياغة ذكية جدًا؛ لأن أي تنازل كبير دون مكسب واضح سيُستخدم ضدها داخليًا وخارجيًا.

 طائرة الدوحة ليست عادية

وصول قاليباف وعراقجي إلى الدوحة ليس خبر سفر عاديًا، بل علامة على أن الأزمة دخلت مرحلة اختبار حقيقية. طهران أرسلت وفدًا ثقيلًا، واشنطن ترفع سقف الشروط، قطر تحاول صناعة جسر، والأسواق تنتظر كلمة واحدة: اتفاق أم انهيار؟

الصورة حتى الآن تقول إن هناك فرصة لتفاهم كبير، لكنه تفاهم محاط بالألغام السياسية: هرمز، النووي، العقوبات، أموال إيران، حزب الله، إسرائيل، واتفاقيات أبراهام.

وفي هذه اللحظة، تبدو الدوحة وكأنها منصة فاصلة بين مسارين: مسار يفتح باب تهدئة قد تعيد ضبط المنطقة، ومسار آخر يعيد الخليج إلى حافة النار.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.