خطاب نتنياهو أمام الأمم المتحدة.. رسائل قديمة بصياغة أكثر حدة ووفود تختار الانسحاب
جاء خطاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة، مساء الخميس 24 سبتمبر/أيلول 2026، محمّلًا بالرسائل نفسها التي كررها خلال السنوات الأخيرة: إيران، وهجوم 7 أكتوبر، و«الحرب على سبع جبهات»، والدفاع عن العمليات الإسرائيلية في غزة، ورفض الانتقادات الدولية الموجهة إلى حكومته.
ومن زاوية قراءة نقدية لمضمون الخطاب، لم يظهر تحول سياسي واضح أو مبادرة دبلوماسية جديدة؛ بل ركز نتنياهو على الدفاع عن سجل حكومته العسكري ومهاجمة منتقدي إسرائيل، وهو ما يتوافق مع وصف تقارير صحفية للخطاب مسبقًا بأنه امتداد لرسالة التحدي التي يكررها نتنياهو في ظهوره الدولي.
لكن الحدث الذي سبق الكلمات ربما كان أكثر لفتًا للأنظار من الخطاب نفسه: عشرات الدبلوماسيين غادروا القاعة مع بدء حديث نتنياهو، وسط صيحات استهجان، قبل أن يرد عليهم طالبًا ممن وصفهم بـ«الجبناء أخلاقيًا» أن يغادروا هم أيضًا.
انسحاب قبل أن يبدأ الكلام
مع صعود نتنياهو إلى المنصة، غادر عشرات المندوبين القاعة احتجاجًا على سياسات حكومته، بينما أطلق بعض الحاضرين صيحات استهجان، واضطر رئيس الجلسة إلى المطالبة بالنظام.
ورد نتنياهو على المشهد منذ اللحظة الأولى، داعيًا من بقي ممن يعارضونه إلى المغادرة أيضًا.
وبذلك أصبحت صورة المقاعد التي أُخليت جزءًا أساسيًا من الرسالة السياسية المحيطة بالخطاب، وليس مجرد تفصيل بروتوكولي.
إيران أولًا.. «لو لم نفعل ذلك لكنا موتى»
بدأ نتنياهو خطابه تقريبًا من الملف الإيراني.
ودافع عن الهجمات التي استهدفت المنشآت النووية الإيرانية، وقال إن تنفيذها كان صعبًا عسكريًا لكنه كان، من وجهة نظره، واحدًا من أسهل القرارات السياسية التي اتخذها لأنه اعتبر البرنامج الإيراني تهديدًا وجوديًا لإسرائيل.
كما زعم أن الضربات الإسرائيلية والأمريكية ألحقت أضرارًا واسعة بالجيش والبحرية والقوات الجوية والمنشآت النووية الإيرانية. وهذه تصريحات إسرائيلية بشأن نتائج الحرب، وليست تقييمًا مستقلًا لحجم الضرر.
«سبع جبهات».. الرواية المركزية للخطاب
عاد نتنياهو إلى هجوم 7 أكتوبر/تشرين الأول 2023، وقال إن إسرائيل خاضت منذ ذلك الحين حربًا على سبع جبهات، وحددها بحماس وحزب الله والحوثيين وإيران والفصائل المسلحة في العراق وسوريا والفلسطينيين في الضفة الغربية.
وقدم نتنياهو هذه الجبهات باعتبارها جزءًا من محاولة مشتركة للقضاء على إسرائيل، بينما استخدم النتائج العسكرية التي حققتها بلاده لتأكيد روايته بأن إسرائيل خرجت أكثر قوة.
لكن الخطاب لم يتضمن إعلانًا عن مسار سياسي جديد لإنهاء هذه المواجهات.

غزة.. رفض اتهامات الإبادة
خصص نتنياهو مساحة كبيرة للرد على الاتهامات المتعلقة بالحرب في غزة.
ورفض وصف العمليات الإسرائيلية بأنها إبادة جماعية، وقال إن الجيش الإسرائيلي اتخذ خطوات لتحذير المدنيين وتقديم المساعدات، واتهم حماس باستخدام المدنيين والمنشآت المدنية لأغراض عسكرية.
إسرائيل تنفي اتهامات الإبادة، بينما تواجه سياساتها في غزة انتقادات دولية واسعة، كما أن ملف الإبادة الجماعية ما يزال موضع نزاع قانوني وسياسي دولي.
وهنا أيضًا لم يكن الموقف جديدًا؛ فهو امتداد للدفاع الذي تبنته الحكومة الإسرائيلية طوال الحرب.
نتنياهو للشرع: اليهود في الجولان منذ زمن موسى
انتقل نتنياهو بعد ذلك إلى الرئيس السوري أحمد الشرع، الذي كان قد أكد من على منصة الأمم المتحدة قبلها بيوم أن الجولان سيظل أرضًا سورية، وأن السيطرة الإسرائيلية عليه تخالف القانون الدولي.
ورد نتنياهو بالاستناد إلى رواية دينية وتاريخية، قائلاً إن اليهود موجودون في الجولان «منذ أيام موسى»، مستشهدًا بالكتاب المقدس.
أما الموقف المعتمد لدى الأمم المتحدة فيظل أن الجولان أرض سورية محتلة، وأن قرار إسرائيل ضمه عام 1981 لا يتمتع باعتراف أممي.
«الصراع ليس على الأرض»
ومن أكثر عبارات الخطاب وضوحًا قول نتنياهو إن الصراع، من وجهة نظره، ليس متعلقًا بالأراضي، وإنما بوجود دولة يهودية
واستخدم حرب يونيو/حزيران 1967 لتدعيم هذه الحجة، معتبرًا أن إسرائيل تعرضت لخطر وجودي حتى قبل سيطرتها على الضفة الغربية وغزة والجولان.
وهذا يمثل تفسير نتنياهو للصراع، بينما تقدم الأطراف الفلسطينية والعربية والمواقف الدولية السائدة تفسيرًا مختلفًا يضع الاحتلال والأرض والحدود والحقوق الفلسطينية في صميم النزاع.
بريطانيا وفرنسا في مرمى الهجوم
هاجم نتنياهو أيضًا منتقدي إسرائيل الذين يصفون سياساتها بالاستعمارية.
وخص بريطانيا وفرنسا بالذكر بسبب تاريخهما الاستعماري، مستخدمًا ذلك للرد على وصف إسرائيل بأنها قوة استعمارية.
لكن الرد اعتمد بصورة أساسية على مهاجمة سجل الدول المنتقدة، أكثر من كونه طرحًا لتسوية الخلاف القائم معها حول غزة والضفة الغربية والاستيطان.
«الجبهة الثامنة».. الإعلام والرأي العام
بعد حديثه عن سبع جبهات عسكرية، أضاف نتنياهو ما سماه «الجبهة الثامنة» وهي معركة الرواية والإعلام.
واتهم قطر وتركيا ووسائل إعلام وجهات دولية بنشر ما وصفه بالأكاذيب ضد إسرائيل، وشن هجومًا حادًا على الرئيس التركي رجب طيب أردوغان وعلى عمدة نيويورك زهران ممداني.
وبذلك تحولت أجزاء من الخطاب من عرض للمواقف الإسرائيلية إلى مواجهة مباشرة مع أسماء ودول ووسائل إعلام يعتبرها نتنياهو جزءًا من خصوم إسرائيل السياسيين.
أين كانت المبادرة السياسية؟
هذا هو السؤال الذي يبرز عند قراءة الخطاب كاملًا.
احتوى الخطاب على دفاع عن حرب إيران، واستعادة أحداث 1967 و7 أكتوبر، واستعراض النتائج العسكرية، ورفض اتهامات غزة، ومهاجمة تركيا وقطر وفرنسا وبريطانيا، ومواجهة الشرع بشأن الجولان.
لكن الخطاب، بحسب النص المنشور، لم يعرض خطة سلام جديدة أو مبادرة مفاوضات أو تصورًا تفصيليًا لإنهاء الأزمات الإقليمية التي تناولها.
ولهذا يمكن وصفه بصورة أدق بأنه خطاب دفاع عن سياسة قائمة واستعراض لرواية الحكومة الإسرائيلية، وليس إعلانًا عن تحول في تلك السياسة.
المفارقة.. الزيارة نفسها كانت أصغر من الخطاب
المشهد يصبح أكثر دلالة عند وضع الخطاب بجوار طبيعة زيارة نتنياهو للولايات المتحدة.
فالزيارة الحالية قصيرة بصورة غير معتادة، ولم يتضمن البرنامج المعلن قبل وصوله لقاءً مع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، على خلاف زيارات سابقة كان فيها الاجتماع مع الرئيس الأمريكي جزءًا مركزيًا من الرحلة. كما تحدثت تقارير عن توترات في بعض الملفات بين واشنطن وحكومة نتنياهو.
وهكذا جاء خطاب شديد اللهجة في وقت كانت فيه الحركة الدبلوماسية المصاحبة للزيارة محدودة نسبيًا.
هل كان الخطاب مهمًا أم مجرد تكرار؟
سياسيًا، يبقى أي خطاب لرئيس حكومة إسرائيل أمام الجمعية العامة حدثًا مهمًا بسبب موقع إسرائيل في الصراعات الجارية.
لكن من حيث المضمون، فإن القسم الأكبر من خطاب نتنياهو اعتمد على مواقف سبق أن تبناها علنًا: الخطر الإيراني، 7 أكتوبر، نفي الإبادة في غزة، اعتبار الحرب وجودية، والدفاع عن العمليات العسكرية الإسرائيلية.
لذلك لم تكن المفاجأة الأساسية فيما قاله بقدر ما كانت في المشهد المحيط به: وفود تنسحب، وصيحات احتجاج، وخطاب هجومي في زيارة أمريكية خاطفة.
والمحصلة أن المنصة التي كان يمكن أن تحمل إعلانًا دبلوماسيًا جديدًا استُخدمت أساسًا لإعادة تقديم الرواية الإسرائيلية للحروب القائمة والدفاع عنها أمام جمهور دولي أصبح جزء منه أكثر اعتراضًا عليها.


