الأحد، ٣١ مايو ٢٠٢٦ في ٠٨:٢٧ م

جنازة خامنئي المؤجلة.. ماذا ترك المرشد الأعلى لإيران؟

جنازة خامنئي.. وداع رجل حكم إيران من فوق كل المؤسسات

تستعد إيران لتشسع جثمان المرشد الإيراني الراحل علي خامنئيبأقامة جنازة كبرى للمرشد الأعلى الراحل علي خامنئي، في مشهد لا يبدو مجرد مراسم وداع لرجل حكم البلاد منذ عام 1989، بل لحظة سياسية ثقيلة تختبر صورة النظام الإيراني أمام الداخل والخارج، بعد عقود كان فيها خامنئي الرقم الأصعب في كل معادلات السلطة، من الجيش والحرس الثوري، إلى القضاء والإعلام والسياسة الخارجية والملف النووي.

وتشير تقارير حديثة إلى أن السلطات الإيرانية بدأت الإعداد لـ“جنازة كبرى” لخامنئي، بعد تأجيل طويل للمراسم بسبب الحرب والمخاوف الأمنية، مع إنشاء ترتيبات خاصة لتنظيم الحدث، بينما لم يكن موعد التشييع في بعض التقارير محددًا بصورة نهائية في البداية.

لماذا تأخرت جنازة خامنئي؟

الحرب والمخاوف الأمنية تفرض حساباتها على التشييع

لم يكن تأجيل تشييع خامنئي تفصيلًا بروتوكوليًا عابرًا، بل مؤشرًا على حجم الارتباك الأمني والسياسي الذي رافق رحيله. فقد تحدثت تقارير عن أن خطط الجنازة تغيرت أكثر من مرة بسبب المخاوف الأمنية، وعدم وضوح مستوى الحضور الأجنبي، والأسئلة المفتوحة حول خلافة المرشد الراحل.

وفي دولة مثل إيران، لا تُقرأ جنازة المرشد الأعلى بوصفها مراسم دينية فقط، بل باعتبارها عرضًا للقوة، ورسالة تماسك للنظام، ومحاولة لاحتواء الصدمة الشعبية والسياسية بعد نهاية شخصية امتدت سلطتها لأكثر من ثلاثة عقود.

من هو علي خامنئي؟

من مشهد إلى قمة السلطة في طهران

وُلد علي خامنئي في مدينة مشهد في 19 أبريل 1939، وتلقى تعليمه الديني في بيئة حوزوية قبل أن ينخرط في النشاط السياسي المعارض لحكم الشاه خلال ستينيات القرن الماضي. وتعرض للاعتقال أكثر من مرة، ثم صعد بعد الثورة الإسلامية عام 1979 ليصبح أحد وجوه الجمهورية الجديدة.

وتولى خامنئي رئاسة إيران بين عامي 1981 و1989، في مرحلة شديدة الحساسية أعقبت الثورة والحرب العراقية الإيرانية، قبل أن ينتقل إلى الموقع الأهم في النظام، عندما اختاره مجلس خبراء القيادة مرشدًا أعلى بعد وفاة آية الله روح الله الخميني عام 1989.

كيف أصبح خامنئي المرشد الأعلى؟

لحظة 1989 التي غيّرت شكل إيران

كان اختيار خامنئي مرشدًا أعلى في عام 1989 نقطة تحول عميقة في تاريخ الجمهورية الإسلامية. فالرجل لم يكن فقط خليفة للخميني، بل أصبح بمرور الوقت مهندس نظام سلطة متشابك، جمع بين المؤسسة الدينية، والحرس الثوري، والأجهزة الأمنية، ومؤسسات الدولة المنتخبة وغير المنتخبة.

ورغم أن خامنئي وصل إلى منصب المرشد في لحظة انتقال حرجة، فإنه نجح تدريجيًا في تثبيت سلطته داخل المؤسسات الكبرى، خصوصًا مع تزايد نفوذ الحرس الثوري وتحوله إلى قوة عسكرية واقتصادية وسياسية مؤثرة داخل إيران وخارجها.

المرشد الذي حكم من الظل والواجهة معًا

سلطة فوق الرئاسة والحكومة والبرلمان

في النظام الإيراني، لا يكون المرشد الأعلى مجرد رمز ديني، بل صاحب الكلمة العليا في الملفات الكبرى. وخلال حكم خامنئي، امتدت سلطته إلى ملفات الأمن القومي، الجيش، الحرس الثوري، القضاء، الإعلام الرسمي، والسياسة الخارجية.

ولهذا، كانت الرئاسة الإيرانية تتغير، والبرلمانات تتبدل، والحكومات تأتي وتذهب، بينما يبقى القرار الأعلى في يد المرشد ومؤسساته المحيطة. ومن هنا، ارتبط اسم خامنئي بتحول منصب المرشد إلى مركز ثقل فعلي يعلو على كثير من المؤسسات السياسية الظاهرة.

خامنئي والملف النووي

بين فتوى تحريم السلاح النووي وحرب الثقة مع الغرب

كان الملف النووي الإيراني واحدًا من أبرز عناوين عهد خامنئي. فقد أكدت إيران مرارًا أن برنامجها النووي سلمي، واستُحضرت تصريحات منسوبة لخامنئي بشأن تحريم إنتاج واستخدام أسلحة الدمار الشامل، بينما ظل الغرب، وعلى رأسه الولايات المتحدة وإسرائيل، يتعامل مع البرنامج بوصفه تهديدًا استراتيجيًا محتملًا.

وفي عام 2015، قبلت إيران الاتفاق النووي مع القوى الكبرى، لكنه لم ينهِ أزمة الثقة. وبعد انسحاب واشنطن من الاتفاق عام 2018، تعمق خطاب خامنئي المعادي للولايات المتحدة، وتحوّل الملف النووي مرة أخرى إلى أحد أخطر أسباب الصدام بين إيران والغرب.

                                         

خامنئي في قبر الخميني

                      إيران في عهد خامنئي.. نفوذ إقليمي وصدام دائم

من لبنان إلى اليمن.. بناء “محور المقاومة”

خلال حكم خامنئي، توسع النفوذ الإيراني في المنطقة عبر دعم حلفاء وفصائل مسلحة وقوى سياسية في لبنان والعراق وسوريا واليمن. ووصفت تقارير دولية هذا التوجه بأنه جزء من استراتيجية إيرانية لبناء نفوذ إقليمي واسع ومواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل عبر ما يُعرف بـ“محور المقاومة”.

لكن هذا النفوذ لم يكن بلا ثمن. فقد أدى إلى عقوبات قاسية، وتوترات إقليمية مفتوحة، ومواجهات غير مباشرة ثم مباشرة مع إسرائيل والولايات المتحدة، فضلًا عن تحميل الاقتصاد الإيراني أعباء كبيرة وسط أزمات داخلية متلاحقة.

خامنئي والداخل الإيراني

الاحتجاجات التي ظلت تطارد النظام

لم يكن عهد خامنئي هادئًا في الداخل. فقد شهدت إيران موجات احتجاج واسعة، من الحركة الخضراء عام 2009، إلى احتجاجات اقتصادية واجتماعية لاحقة، وصولًا إلى موجة “المرأة، الحياة، الحرية” بعد وفاة مهسا أميني عام 2022.

وتحدثت تقارير دولية عن اعتماد النظام في عهد خامنئي على قبضات أمنية صارمة في مواجهة الاحتجاجات، مع انتقادات حقوقية واسعة لطريقة التعامل مع المعارضين، والصحفيين، والناشطين، والنساء المحتجات.

الوجه الآخر لخامنئي

رجل الدين المثقف الذي أحب الشعر واللغة الفارسية

ورغم صورته السياسية الصلبة، ارتبط خامنئي أيضًا باهتمام واضح بالأدب والشعر واللغة الفارسية. وتشير سيرته الرسمية إلى اهتمامه بالثقافة والقراءة واللغة، وهو جانب استخدمه أنصاره لتقديمه بوصفه رجل دين وسياسة وثقافة في وقت واحد.

لكن هذا الوجه الثقافي لم يغير الصورة العامة التي رسمها خصومه عنه: زعيم شديد المركزية، قاد نظامًا مغلقًا، وضيّق المجال العام، وأدار صراعًا طويلًا مع الإصلاحيين والغرب والمعارضة الداخلية.

ماذا تعني جنازة خامنئي للنظام الإيراني؟

ليست وداعًا فقط.. بل اختبار خلافة وهيبة

جنازة خامنئي لا تُختصر في تشييع جثمان زعيم راحل، بل تمثل اختبارًا لقدرة النظام الإيراني على إنتاج مشهد وحدة بعد رحيل الرجل الذي مثّل مركز السلطة الأعلى منذ 1989. ولذلك، فإن حجم الحشود، وترتيبات الأمن، وحضور الحلفاء، وطريقة تقديم الإرث السياسي، كلها عناصر ستُقرأ باعتبارها رسائل موجهة للداخل والخارج.

فالداخل الإيراني سيراقب: هل لا يزال النظام قادرًا على التعبئة؟
والخارج سيراقب: هل ستظهر إيران متماسكة أم مرتبكة؟
والنخب السياسية ستراقب: من يمسك فعليًا بمفاتيح المرحلة التالية؟

خلافة خامنئي.. السؤال الأكثر حساسية

من يقود إيران بعد المرشد الراحل؟

أكبر سؤال بعد رحيل خامنئي هو سؤال الخلافة. فاختيار المرشد الجديد ليس مجرد إجراء دستوري عبر مجلس خبراء القيادة، بل عملية سياسية شديدة التعقيد، تتداخل فيها حسابات رجال الدين، والحرس الثوري، والمؤسسات الأمنية، والتيارات المحافظة.

وتشير تقارير إلى أن رحيل خامنئي ترك حالة عدم يقين بشأن مستقبل إيران السياسي، خاصة مع تراكم الضغوط الداخلية والاقتصادية والإقليمية.

                                             المرشد الجديد مجتبي الابن

إرث خامنئي.. ما بين الدولة القوية والدولة المحاصرة

أنصاره يرونه حامي الثورة.. وخصومه يرونه عنوان القمع والعزلة

سيبقى إرث خامنئي محل انقسام كبير. فأنصاره سيقدمونه باعتباره الرجل الذي حفظ الجمهورية الإسلامية بعد رحيل الخميني، وواجه الولايات المتحدة وإسرائيل، ووسع نفوذ إيران الإقليمي، وحافظ على هوية النظام الدينية والسياسية.

أما خصومه فسيرونه زعيمًا حكم بقبضة أمنية، وضيّق فرص الإصلاح، وقاد إيران إلى عزلة وعقوبات وصدامات إقليمية، وترك وراءه اقتصادًا منهكًا ومجتمعًا غاضبًا ونظامًا يواجه اختبار انتقال نادر.

مشهد الوداع.. إيران أمام صفحة جديدة لا تشبه ما قبلها

مع الاستعداد لتشييع خامنئي، تبدو إيران أمام نهاية مرحلة وبداية أخرى. فالجنازة ستكون لحظة رمزية ضخمة، لكنها لن تجيب وحدها عن الأسئلة الصعبة: من سيقود النظام؟ هل يستمر النهج نفسه؟ هل يتقدم الحرس الثوري أكثر في قلب القرار؟ وهل تتجه إيران إلى تهدئة خارجية أم تصعيد جديد؟

رحيل خامنئي لا يعني نهاية الجمهورية الإسلامية، لكنه يعني بالتأكيد نهاية الطريقة التي عُرفت بها إيران لأكثر من 35 عامًا: دولة يحكمها مرشد واحد، يطل من أعلى هرم السلطة، ويدير صراعات الداخل والخارج بقبضة لا تفلت بسهولة.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.