الخميس، ٤ يونيو ٢٠٢٦ في ١٢:٥٤ م

مصر والسودان في وجه الفتنة.. أكاذيب السوشيال ميديا تشعل الجدل

فتنة لا تخدم إلا أعداء مصر والسودان

في توقيت شديد الحساسية تعيشه المنطقة، لا تبدو حملات التحريض المتبادلة بين بعض المصريين والسودانيين على مواقع التواصل مجرد خلافات عابرة أو آراء منفلتة، بل تتحول أحيانًا إلى مادة خطيرة لصناعة الفرقة بين شعبين جمعتهما الجغرافيا والتاريخ والمصير المشترك.

فالعلاقة بين مصر والسودان أكبر من فيديو عابر، وأعمق من منشور غاضب، وأقوى من محاولات التشويه التي تتغذى على الأزمات الإنسانية والاقتصادية. وما يجري عبر بعض المنصات يكشف أن هناك من يحاول استغلال معاناة السودانيين، وضغوط المصريين الاقتصادية، لصناعة جدار نفسي بين شعبين لم تفصلهما الحدود يومًا عن روابط الدم والنيل والمصالح المشتركة.

مصر فتحت أبوابها ولم تُقم خيامًا للسودانيين

من الحقائق التي لا يمكن تجاهلها أن مصر، منذ اندلاع الأزمة السودانية، استقبلت أعدادًا كبيرة من السودانيين داخل المدن والقرى والمناطق السكنية، دون أن تتعامل معهم بمنطق العزل أو المخيمات المغلقة.

فالسودانيون في مصر يعيشون بين المصريين، يستأجرون، يعملون، يتعلمون أبناؤهم، ويتلقون الخدمات، ويتحركون داخل المجتمع بصورة طبيعية، وهو مشهد يعكس طبيعة العلاقة الخاصة بين البلدين، رغم ما تتحمله الدولة والمجتمع من أعباء اقتصادية وخدمية في وقت يعاني فيه المصريون أنفسهم من ضغوط معيشية واضحة.

لماذا تستهدف الشائعات علاقة الشعبين؟

محاولة بث الفرقة بين المصريين والسودانيين ليست مجرد خلاف على أرقام أو تقديرات اقتصادية، بل قد تتحول إلى سلاح نفسي وإعلامي خطير. فالدول المعادية لمصر والسودان معًا تستفيد من أي انقسام شعبي، وتستثمر في الغضب، وتعيد تدوير الأكاذيب عبر حسابات وصفحات وصناع محتوى بحثًا عن الترند والتأثير.

ولذلك فإن السؤال الأهم الآن: هل يعي كل مصري وسوداني أن صناعة الكراهية بين الشعبين لا تخدم المواطن العادي في القاهرة أو الخرطوم، بل تخدم فقط من يريد إضعاف البلدين معًا؟

                                         سوداني في وداع مصري

علي جوكي يثير الجدل بتصريحات اقتصادية

أثار الناشط وصانع المحتوى السوداني علي جوكي موجة واسعة من الجدل عبر منصات التواصل الاجتماعي، بعد تصريحات ركز فيها على الأثر الاقتصادي لتواجد السودانيين في مصر، وذلك في فيديو بثه عقب ترحيله إلى لندن وإنهاء مسيرته التضامنية الراجلة.

واعتبر جوكي في حديثه أن استضافة النازحين السودانيين لا تمثل عبئًا على مصر، بل تشكل ـ من وجهة نظره ـ عائدًا اقتصاديًا ضخمًا تحكمه لغة المصالح، زاعمًا أن كل ألف لاجئ سوداني يُدخلون ما يعادل مليار دولار إلى الاقتصاد المصري.

أرقام تثير السخرية والغضب

تصريحات جوكي قوبلت بموجة من الانتقادات والسخرية من جانب نشطاء ومتابعين، سواء من المصريين أو السودانيين، بسبب ما اعتبروه أرقامًا مبالغًا فيها وتفتقر إلى المنطق الاقتصادي البسيط.

فبحساب مباشر، فإن ادعاء دخول مليار دولار مقابل كل ألف سوداني يعني أن وجود 5 ملايين سوداني في مصر سيعادل ضخ 5 تريليونات دولار في الاقتصاد المصري، وهو رقم خيالي يتجاوز حدود المنطق، بل يتجاوز ميزانيات واقتصادات دول كبرى.

خطورة الأرقام المضللة

المشكلة لا تقف عند مبالغة رقمية فقط، بل في الأثر النفسي والاجتماعي لمثل هذه التصريحات. فحين تُطرح أرقام غير منطقية بهذا الشكل، فإنها تفتح الباب أمام الغضب والاحتقان، وتدفع البعض إلى تحويل النقاش من ملف إنساني واقتصادي معقد إلى معركة اتهامات بين الشعبين.

وهنا تصبح المبالغة، حتى إن قيلت دفاعًا عن السودانيين، سببًا في الإضرار بصورة ومصلحة السودانيين المقيمين في مصر، لأنها تمنح خطاب التحريض مادة جاهزة للانتشار.

التحويلات والمنظمات والإيجارات.. حقائق تحتاج توازنًا

تحدث جوكي عن أن الأموال التي تصل إلى السودانيين في مصر تأتي عبر التحويلات المالية من المغتربين السودانيين في أوروبا ودول المهجر، إضافة إلى أموال المنظمات الدولية العاملة في ملف اللاجئين.

كما أشار إلى تأثير الوجود السوداني على السوق العقاري، معتبرًا أن آلاف الأسر السودانية استأجرت وحدات سكنية كانت فارغة وغير مستغلة، وهو ما أدى إلى تنشيط حركة الإيجارات والتجارة.

هذه النقاط قد تحمل جزءًا من الواقع، فوجود أي كتلة سكانية كبيرة يخلق حركة بيع وشراء وإيجار وخدمات. لكن تحويل هذا الواقع إلى أرقام فلكية غير موثقة يضر بالقضية بدلًا من أن يدعمها، لأن النقاش العام يحتاج إلى معلومات دقيقة لا إلى شعارات قابلة للاشتعال.

المصريون والسودانيون بين الحقيقة والتحريض

الحقيقة أن المصري البسيط ليس عدوًا للسوداني، والسوداني الهارب من الحرب ليس سببًا وحيدًا في أزمات مصر الاقتصادية. الأزمات أكبر وأعمق، وتشمل عوامل دولية ومحلية، من التضخم وسعر الصرف إلى الحرب وسلاسل الإمداد وتكاليف الخدمات.

وفي المقابل، من حق المصريين أن يناقشوا الضغوط الواقعة على السكن والخدمات والعمل، كما من حق السودانيين أن يرفضوا خطاب الكراهية والتعميم. لكن الخطر يبدأ عندما يتحول النقاش من أرقام وسياسات إلى شتائم وتحريض واتهامات جماعية.

لا تعميم ولا كراهية

ليس كل مصري غاضبًا من السودانيين، وليس كل سوداني يتحدث بمنطق استفزازي أو متعالٍ. التعميم هو أول خطوة في طريق الفتنة، والوعي هو أول جدار يحمي الشعبين من الوقوع في فخ التحريض.

من يستفيد من ضرب العلاقة بين مصر والسودان؟

أي انقسام بين المصريين والسودانيين يصب في مصلحة أطراف لا تريد استقرار البلدين. فمصر والسودان يشكلان عمقًا استراتيجيًا لبعضهما البعض، وأي توتر شعبي بينهما يمكن استغلاله سياسيًا وإعلاميًا وأمنيًا.

لذلك فإن حملات السوشيال ميديا التي تروّج للأكاذيب، أو تصنع صراعًا وهميًا بين الشعبين، يجب التعامل معها باعتبارها خطرًا على الوعي العام، لا مجرد محتوى عابر للترفيه أو الجدل.

                                                     سوداني يغادر القاهرة وهو يرفع كاب علي راسة شكرا يامصر

واجب صناع المحتوى في لحظة الأزمة

صانع المحتوى الذي يمتلك جمهورًا واسعًا لا يتحدث في فراغ. كلمة واحدة قد تهدئ، ورقم مضلل قد يشعل، ومقطع قصير قد يتحول إلى موجة كراهية لا يمكن السيطرة عليها.

ومن هنا، فإن المسؤولية الأخلاقية تفرض على كل من يتحدث في ملف المصريين والسودانيين أن يتحرى الدقة، وأن يبتعد عن المبالغات، وأن يدرك أن ملايين البشر يعيشون بالفعل في ظروف صعبة، ولا يحتاجون إلى مزيد من التحريض أو الاتهام أو الاستغلال.

مصر والسودان.. علاقة أقوى من محاولات الوقيعة

مهما ارتفعت أصوات التحريض، تبقى العلاقة بين مصر والسودان أكبر من الأزمات العابرة. فالشعبان يملكان ذاكرة طويلة من الجوار والمصاهرة والعمل والتجارة والتعليم، وما يحدث الآن يجب أن يكون دافعًا لتنظيم العلاقة وحماية الحقوق، لا لصناعة الكراهية.

مصر فتحت أبوابها للسودانيين في لحظة حرب، والسودانيون جزء من نسيج اجتماعي قريب من المصريين، وأي محاولة لضرب هذه الحقيقة لن تنجح إذا امتلك الشعبان وعيًا كافيًا بخطورة ما يُحاك عبر الشائعات والمبالغات.

معركة الوعي ضد الأكاذيب و تحويل الأزمة الإنسانية إلى صراع شعبي

تصريحات علي جوكي أعادت فتح ملف بالغ الحساسية حول وجود السودانيين في مصر، لكنها كشفت في الوقت نفسه عن معركة أكبر: معركة الوعي ضد الأكاذيب، وضد صناع الفتنة الذين يحاولون تحويل الأزمة الإنسانية إلى صراع شعبي. وبين أرقام غير منطقية وحملات تحريض متبادلة، تبقى الحقيقة الأهم أن مصر والسودان ليسا خصمين، وأن أي شرخ بين الشعبين لا يخدم إلا من يريد إضعافهما معًا.

 

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.