روسيا تعيد رسم خريطة وجودها في سوريا.. ماذا يجري داخل طرطوس وحميميم؟
أعلنت وزارة الخارجية الروسية، اليوم الأربعاء، أن التعاون مع دمشق يشهد تطورًا ملحوظًا، مؤكدة أن موسكو تناقش مع الجانب السوري إعادة هيكلة محتملة لدور ووظائف منشآتها العسكرية داخل الأراضي السورية.
التصريحات الروسية فتحت الباب واسعًا أمام تساؤلات حساسة حول مستقبل الوجود العسكري الروسي في سوريا، خاصة في قاعدتي طرطوس البحرية وحميميم الجوية، اللتين ظلتا طوال السنوات الماضية رمزًا للنفوذ الروسي في الشرق الأوسط، وركيزتين أساسيتين لحركة موسكو العسكرية واللوجستية في البحر المتوسط والمنطقة.
الخارجية الروسية: التعاون مع سوريا يتطور بنشاط
قالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية، ماريا زاخاروفا، ردًا على سؤال بشأن خطط إنشاء مركز للإمداد والتموين في طرطوس لتوزيع السلع الروسية في سوريا، إن التعاون بين البلدين «يتطور بنشاط كبير».
إعادة هيكلة محتملة للوجود العسكري الروسي
وأضافت زاخاروفا أن مسألة الوجود العسكري الروسي تخضع للنقاش في إطار التواصل مع الشركاء السوريين، بما يشمل إعادة هيكلة محتملة لدور المنشآت العسكرية الروسية داخل سوريا.
هذه العبارة، رغم دبلوماسيتها، تحمل دلالات كبيرة؛ فروسيا لا تتحدث هنا عن استمرار الوجود كما كان، ولا عن انسحاب كامل، بل عن صيغة جديدة قد تغيّر طبيعة المهام العسكرية واللوجستية، وتعيد تعريف دور القواعد الروسية في سوريا الجديدة.

سوريا بعد الأسد.. واقع جديد يفرض حسابات مختلفة
تأتي التصريحات الروسية في مرحلة شديدة الحساسية، بعدما تمكنت موسكو من إقامة قنوات تواصل مع الرئيس السوري أحمد الشرع، عقب الإطاحة بنظام بشار الأسد في ديسمبر 2024.
موسكو تبحث عن موطئ قدم في المشهد الجديد
سقوط النظام السابق وضع روسيا أمام معادلة معقدة. فموسكو التي تدخلت عسكريًا عام 2015 لدعم الأسد وجدت نفسها بعد سنوات أمام سلطة سورية جديدة، ما فرض عليها إعادة بناء قنوات التواصل، ومحاولة الحفاظ على ما تبقى من نفوذها داخل البلاد.
ولذلك، فإن الحديث عن إعادة هيكلة القواعد الروسية لا يبدو مجرد إجراء إداري، بل خطوة سياسية وعسكرية تعكس محاولة موسكو التكيف مع موازين القوة الجديدة في دمشق.
طرطوس وحميميم.. قلب الوجود الروسي في سوريا
تتركز المحادثات الحالية حول منشأتين استراتيجيتين تمثلان العمود الفقري للوجود الروسي في سوريا والمنطقة، وهما قاعدة طرطوس البحرية وقاعدة حميميم الجوية.
قاعدة طرطوس البحرية.. بوابة روسيا إلى المتوسط
تُعد قاعدة طرطوس البحرية مركز الدعم اللوجستي البحري الوحيد لروسيا في البحر الأبيض المتوسط، وتوفر للسفن الحربية الروسية خدمات التزود بالوقود والصيانة والدعم الفني، دون الحاجة إلى العودة إلى البحر الأسود.
ولهذا السبب، تمثل طرطوس أكثر من مجرد منشأة عسكرية، فهي نقطة ارتكاز استراتيجية تمنح موسكو قدرة على البقاء والحركة في المتوسط، ومتابعة ملفات الشرق الأوسط وشمال أفريقيا من موقع متقدم.

قاعدة حميميم الجوية.. ذراع موسكو في السماء السورية
أما قاعدة حميميم الجوية، فهي القاعدة الرئيسية للعمليات العسكرية الروسية في سوريا، ونقطة انطلاق للأنشطة الجوية واللوجستية في الشرق الأوسط وأفريقيا.
ومن خلال حميميم، تمكنت روسيا خلال سنوات الحرب من إدارة عمليات جوية واسعة، ونقل قوات ومعدات، ومراقبة التطورات الميدانية، ما جعل القاعدة واحدة من أهم أوراق النفوذ الروسي في المنطقة.
من تدخل عسكري واسع إلى إعادة تموضع محسوبة
كانت روسيا قد تدخلت عسكريًا في سوريا عام 2015 لدعم نظام بشار الأسد، وهو التدخل الذي غيّر موازين الحرب السورية، ورسخ حضور موسكو العسكري والسياسي في البلاد لسنوات.
انسحاب من عشرات المواقع بعد سقوط النظام
لكن المشهد تغير جذريًا بعد سقوط النظام في ديسمبر 2024. فوفق المعطيات المتداولة، بدأت موسكو انسحابًا واسعًا من أكثر من 20 موقعًا عسكريًا في مناطق متعددة، مركزة وجودها في قاعدتي طرطوس وحميميم.
هذا الانسحاب لم يكن مجرد تقليص عسكري، بل إعادة تموضع واضحة، تعكس إدراك روسيا أن مرحلة الانتشار الواسع تحت مظلة النظام السابق لم تعد قابلة للاستمرار بنفس الشكل.
قيود ميدانية وضغوط من السلطات السورية الجديدة
استمر الانسحاب الروسي تدريجيًا خلال عام 2025، وسط قيود ميدانية وضغوط من السلطات السورية الجديدة، قبل أن تُستأنف الرحلات إلى قاعدة حميميم في أكتوبر 2025، عقب زيارة الرئيس السوري إلى موسكو.
القامشلي خارج السيطرة الروسية
وفي يناير 2026، انسحبت القوات الروسية بالكامل من مطار القامشلي الدولي، وأعادت نشر عناصرها في قاعدة حميميم أو نقلت بعضهم إلى روسيا، ليصبح المطار تحت سيطرة القوات السورية.
هذه الخطوة حملت دلالة مهمة، إذ أظهرت أن موسكو باتت تركز على المواقع الأكثر أهمية، بدلًا من الحفاظ على انتشار واسع ومكلف داخل الأراضي السورية.
كم تبقى من القوات الروسية في سوريا؟
تشير تقديرات إلى أن الوجود العسكري الروسي المتبقي في سوريا أصبح محدودًا، ويتراوح بين مئات إلى نحو ألف جندي، معظمهم من الكوادر الفنية وأفراد الأمن والدعم اللوجستي.
وجود أقل عددًا وأكثر تركيزًا
هذا الرقم، إذا صحّت التقديرات، يعني أن الوجود الروسي لم يعد بحجم السنوات السابقة، لكنه لم ينتهِ أيضًا. فموسكو تبدو وكأنها تنتقل من مرحلة التدخل العسكري المباشر إلى مرحلة الحضور المحدود عالي القيمة، عبر قواعد استراتيجية وخدمات لوجستية وانتشار فني محسوب.
وهنا يصبح السؤال الحقيقي: هل تتحول القواعد الروسية من منصات عمليات عسكرية إلى مراكز دعم وإمداد وتجارة ونفوذ سياسي؟
سفينة «سبارتا» تعيد إشعال التساؤلات
في السياق نفسه، أفادت تقارير استخباراتية مفتوحة المصدر، استنادًا إلى صور أقمار صناعية، بأن روسيا استأنفت تسليم شحنات إلى سوريا، حيث رُصدت سفينة الشحن «سبارتا» في ميناء طرطوس في 11 مايو 2026، وهي تفرغ حمولة يُعتقد أنها عسكرية أو مزدوجة الاستخدام.
شحنات عسكرية أم تجهيزات لوجستية؟
رصد السفينة أثار تساؤلات جديدة حول طبيعة الدور الروسي المقبل في سوريا. فهل تستعد موسكو لتعزيز وجودها العسكري المتبقي؟ أم أن الأمر يتعلق بإعادة ترتيب المنشآت وتوفير احتياجات فنية ولوجستية ضمن الصيغة الجديدة التي يجري التفاوض عليها؟
ورغم عدم الكشف عن تفاصيل دقيقة، فإن تزامن هذه التحركات مع تصريحات الخارجية الروسية بشأن إعادة هيكلة المنشآت يجعل المشهد مفتوحًا على احتمالات متعددة.

لماذا تتمسك روسيا بطرطوس وحميميم؟
بالنسبة لموسكو، لا تمثل سوريا مجرد حليف سابق أو ساحة نفوذ تقليدية، بل موقعًا جيوسياسيًا بالغ الأهمية. فطرطوس تمنحها منفذًا بحريًا في المتوسط، وحميميم توفر لها منصة جوية متقدمة بالقرب من الشرق الأوسط وأفريقيا.
ورقة نفوذ في الشرق الأوسط وأفريقيا
ومن خلال هاتين القاعدتين، تستطيع روسيا الحفاظ على جزء من حضورها الإقليمي، حتى في ظل تغير السلطة في دمشق. كما أن وجودها في الساحل السوري يمنحها قدرة على مراقبة التوازنات الإقليمية، وحماية مصالحها، والتفاوض من موقع أقوى مع الحكومة السورية الجديدة.
سوريا الجديدة تعيد تعريف العلاقة مع موسكو
من جانب دمشق، يبدو أن السلطات السورية الجديدة تسعى إلى إعادة صياغة العلاقة مع روسيا بطريقة تختلف عن مرحلة الأسد، بحيث لا تكون القواعد العسكرية امتدادًا لعلاقة تبعية سياسية، بل جزءًا من تفاهمات جديدة تخضع للحسابات السيادية والاقتصادية والأمنية.
من الحليف العسكري إلى الشريك المشروط
لذلك، فإن النقاش الدائر حول إعادة هيكلة القواعد الروسية قد يكون محاولة لتحويل العلاقة من نموذج التدخل العسكري المباشر إلى نموذج تعاون مشروط، يوازن بين احتياجات سوريا الجديدة ومصالح موسكو الاستراتيجية.
وهذا التحول قد يفتح الباب أمام أدوار جديدة للمنشآت الروسية، تشمل الإمداد والتموين، والدعم اللوجستي، وربما التعاون التجاري، إلى جانب مهام أمنية محدودة.
مستقبل الوجود الروسي لا يزال غامضًا
حتى الآن، لم تكشف موسكو أو دمشق عن تفاصيل دقيقة بشأن طبيعة إعادة الهيكلة المحتملة، ولا عن مصير الاتفاقات السابقة المتعلقة بالقواعد العسكرية.
أسئلة مفتوحة تنتظر الإجابة
هل ستبقى طرطوس قاعدة بحرية بالمعنى العسكري الكامل؟ هل تتحول حميميم إلى مركز لوجستي محدود؟ هل تقبل دمشق الجديدة بوجود عسكري روسي طويل الأمد؟ وهل تستطيع موسكو الحفاظ على نفوذها القديم داخل واقع سياسي جديد؟
كل هذه الأسئلة لا تزال مفتوحة، لكن المؤكد أن الوجود الروسي في سوريا دخل مرحلة جديدة، لم يعد فيها استمرار القواعد مضمونًا بالشكل السابق، ولم يعد الانسحاب الكامل محسومًا أيضًا.
إعادة تموضع أم بداية خروج تدريجي؟
ما يجري اليوم بين موسكو ودمشق يبدو أقرب إلى عملية إعادة تموضع دقيقة، تحاول فيها روسيا الاحتفاظ بما هو استراتيجي، والتخلي عما أصبح عبئًا، بينما تحاول سوريا الجديدة فرض قواعد مختلفة للعلاقة مع الحليف السابق للنظام السابق.
طرطوس وحميميم تحت الاختبار
تبقى قاعدتا طرطوس وحميميم عنوان المرحلة المقبلة. فإما أن تنجح موسكو في إعادة تعريف دورهما بما يتناسب مع الواقع السوري الجديد، وإما أن تتجه العلاقة إلى تقليص أكبر للوجود الروسي خلال الفترة المقبلة.
وفي الحالتين، لم تعد سوريا كما كانت قبل ديسمبر 2024، ولم يعد الوجود الروسي كما كان منذ تدخل 2015. ما يجري الآن هو اختبار حقيقي لقدرة موسكو على البقاء في بلد تغيّر نظامه، وتبدلت حساباته، وأصبح يعيد النظر في كل أوراق الماضي.


