السبت، ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٩:٥٢ م

صدام حفتر وإسرائيل وأمريكا.. الطريق الخارجي نحو وراثة السلطة في ليبيا

صدام حفتر ووراثة السلطة في ليبيا.. هل تتحول الجمهورية إلى ميراث عائلي؟

في كثير من بلدان العالم الثالث، لا تنتهي مشكلة السلطة عند الرئيس الذي يجلس على كرسي الحكم، بل تبدأ أحيانًا من أبنائه الذين يكبرون في ظله، ويتربون على أن الدولة امتداد للبيت، وأن المناصب حق مكتسب، وأن الشعب الذي اختار الأب، أو خضع لسلطته، عليه أن يقبل الابن وريثًا له. إنها عقدة أبناء الرؤساء، حين تتحول الجمهورية تدريجيًا إلى ملكية غير معلنة، وتصبح السلطة ميراثًا تتناقله العائلة بدلًا من أن تكون مسؤولية يمنحها الشعب لمن يختاره.

ولعل أخطر ما في هذه الظاهرة أن الابن لا يحتاج بالضرورة إلى إثبات كفاءته، بقدر حاجته إلى إثبات ولائه للأب، بينما تتولى الأجهزة والمؤسسات المحيطة بالعائلة تهيئة الطريق أمامه، حتى يبدو انتقال السلطة في النهاية أمرًا طبيعيًا لا يستحق السؤال.

وهنا نتذكر المعنى العميق للمقولة الشهيرة: «السلطة مفسدة، والسلطة المطلقة مفسدة مطلقة».

وأضيف إليها أن السلطة قد لا تفسد أصحابها وحدهم، بل قد تمتد آثارها إلى أبنائهم، حين تمنحهم نفوذًا أكبر من خبراتهم، وحصانة أوسع من مسؤولياتهم.

من سيف الإسلام القذافي إلى صدام حفتر.. هل يعيد التاريخ نفسه؟

في ليبيا، تبدو المفارقة أكثر إثارة للدهشة.

فهذا البلد الذي عاش عقودًا تحت حكم العقيد معمر القذافي، وشهد صعود نجله سيف الإسلام بوصفه وجهًا محتملًا لخلافته، يجد نفسه اليوم أمام مشهد جديد تلوح فيه ملامح الوراثة السياسية والعسكرية، لكن هذه المرة داخل عائلة المشير خليفة حفتر.

فاللواء الذي تحول إلى قائد عسكري يسيطر على مساحات واسعة من شرق ليبيا وجنوبها، يبدو أنه يمهد الطريق لنجله صدام ليتولى موقعًا أكبر داخل منظومة السلطة التي بناها.

والسؤال هنا ليس عن حق صدام في العمل السياسي أو العسكري، فهو حق لا ينبغي حرمان إنسان منه بسبب اسم أبيه، وإنما عن الطريقة التي يصل بها إلى السلطة.

هل يصعد لأنه الأكفأ والأجدر، أم لأنه ابن الرجل الذي يملك مفاتيح القيادة؟

                                صدام حفتر وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في واشنطن

من هو صدام حفتر؟ وكيف بدأ طريقه نحو السلطة؟

ولد صدام خليفة حفتر عام 1991، ويعد من أصغر أبناء المشير خليفة حفتر وأكثرهم حضورًا في المشهدين العسكري والسياسي خلال السنوات الأخيرة.

وتشير تقارير صحفية إلى أن والده اختار له اسم «صدام» تأثرًا بالرئيس العراقي الراحل صدام حسين، في فترة شهدت فيها المنطقة تحولات سياسية وعسكرية كبرى.

ومع اتساع نفوذ خليفة حفتر في شرق ليبيا بعد عام 2014، بدأ نجله الصعود تدريجيًا داخل التشكيلات المسلحة التابعة لقيادة والده.

وارتبط اسمه خصوصًا بلواء طارق بن زياد، قبل أن يتولى رئاسة أركان القوات البرية، ثم يحصل على ترقيات ومناصب جعلته أحد أبرز مراكز القوة داخل المؤسسة العسكرية في الشرق.

وفي أغسطس 2025، عيّنه والده نائبًا للقائد العام، بينما تولى شقيقه خالد منصب رئيس الأركان العامة، وأصبح شقيقهما بلقاسم وجهًا بارزًا في إدارة مشروعات التنمية وإعادة الإعمار.

ولم يتوقف الأمر عند ذلك.

ففي أغسطس 2026، ظهر صدام في بيانات القيادة العسكرية بصفة «القائد العام المكلف»، خلال اجتماعات رسمية في بنغازي، وهي خطوة عززت التساؤلات حول استعداد والده لنقل جانب أكبر من سلطاته إليه.

وهكذا بدأت ملامح توزيع النفوذ داخل العائلة تتضح: قيادة عسكرية، وأجهزة أمنية، وملفات اقتصادية وتنموية.

لكن ليبيا ليست ملكًا لعائلة، ولا تزال دولة منقسمة بين سلطات متنافسة، ولم يصبح صدام رئيسًا منتخبًا للبلاد أو حاكمًا لليبيا بأكملها.

السلطة حين تحمي أبناءها.. ماذا عن سجل صدام حفتر؟

لا يمكن الحديث عن صعود صدام حفتر دون التوقف أمام الاتهامات الحقوقية التي أحاطت بالتشكيلات المسلحة المرتبطة باسمه.

ففي ديسمبر 2022، أصدرت منظمة العفو الدولية تقريرًا وثقت فيه انتهاكات خطيرة منسوبة إلى لواء طارق بن زياد، الذي وصفته بأنه يعمل تحت قيادة صدام حفتر.

وشملت الاتهامات الاعتقال التعسفي والتعذيب والاختفاء القسري والقتل غير المشروع وغير ذلك من الانتهاكات.

وبالطبع، فإن التقارير الحقوقية لا تعادل أحكامًا قضائية نهائية بإدانة شخص بعينه، لكنها تطرح أسئلة جدية عن المسؤولية والمحاسبة.

فكيف يمكن إعداد شخص لتولي قيادة دولة، بينما تظل اتهامات خطيرة متعلقة بتشكيلات خاضعة لقيادته بحاجة إلى تحقيق ومساءلة مستقلة؟

وهنا نعود إلى أصل المشكلة: حين تكون السلطة محاطة بحماية العائلة والسلاح، فمن يملك القدرة على محاسبة أصحاب النفوذ؟

صدام حفتر يطرق أبواب واشنطن.. هل يبحث عن اعتراف أمريكي؟

لم يكتف صدام حفتر بتعزيز موقعه داخل منظومة والده، بل اتجه خلال السنوات الأخيرة إلى توسيع اتصالاته الخارجية.

وفي 29 يونيو 2026، استقبله وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في واشنطن، بحضور مستشار الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس.

وقالت الخارجية الأمريكية إن اللقاء تناول جهود توحيد المؤسسات العسكرية والاقتصادية والسياسية الليبية، والبحث عن مجالات للتعاون من أجل تحقيق الاستقرار.

لكن المشهد، من زاوية أخرى، يكشف حقيقة مهمة في السياسة الدولية.

فالدول الكبرى لا تتعامل دائمًا مع الشخصيات الأكثر تمثيلًا للإرادة الشعبية، وإنما تتعامل أيضًا مع أصحاب النفوذ الفعلي على الأرض.

ومن هنا يبرز السؤال: هل يريد صدام حفتر أن يقدم نفسه لواشنطن بوصفه شريكًا قادرًا على تحقيق الاستقرار، أم يسعى كذلك إلى تعزيز مكانته بوصفه الخليفة المحتمل لوالده؟

لا يوجد إعلان أمريكي رسمي بتأييد توريث السلطة له، لكن مجرد استقباله على هذا المستوى يعكس المكانة التي أصبح يحتلها في الحسابات السياسية المتعلقة بمستقبل ليبيا.

صدام حفتر وإسرائيل.. ماذا وراء الاتصالات المثيرة للجدل؟

الأكثر حساسية في قصة صدام حفتر هو ما نشرته وسائل إعلام إسرائيلية عن اتصالات محتملة مع تل أبيب.

ففي نوفمبر 2021، نقلت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية أن صدام زار إسرائيل على متن طائرة خاصة توقفت في مطار بن غوريون، وأن الزيارة ارتبطت بمساع للحصول على دعم سياسي وعسكري، مقابل احتمال إقامة علاقات دبلوماسية مستقبلًا.

ولم يصدر حينها تأكيد رسمي مستقل يثبت جميع تفاصيل ما نشرته الصحيفة.

ثم عادت التكهنات في سبتمبر 2026، عندما تحدثت تقارير عن احتمال لقاء بين صدام حفتر ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في أبوظبي، بالتزامن مع زيارة الأخير للإمارات.

لكن تقارير إسرائيلية لاحقة نفت وقوع اللقاء، ولم يظهر دليل موثوق يحسم صحة الادعاء.

ومع ذلك، فإن مجرد تكرار الحديث عن هذه الاتصالات يكشف أهمية البعد الخارجي في النقاش حول صعود صدام حفتر.

فهل يبحث الرجل عن دعم دولي يمنحه فرصة أكبر لتولي السلطة مستقبلًا؟ وهل يصبح التطبيع مع إسرائيل، إن طُرح بالفعل، ورقة للمساومة السياسية؟

تبقى هذه أسئلة مشروعة، لكنها ليست أدلة على وجود اتفاق سري أو صفقة مكتملة.

هل تتحول ليبيا إلى دولة تتقاسمها العائلات؟

المفارقة أن الأزمة لا تتعلق بعائلة حفتر وحدها.

فالتقارير المتعلقة بالتسويات السياسية الليبية تتحدث عن نفوذ متزايد لشخصيات تنتمي إلى عائلات قيادية في شرق البلاد وغربها، وعن تفاهمات تتعلق بتوزيع المناصب والموارد والمؤسسات.

وهنا تظهر خطورة أن تتحول محاولات توحيد ليبيا إلى مجرد اتفاق بين العائلات الأكثر نفوذًا، بدلًا من أن تكون خطوة نحو دولة موحدة يحكمها دستور وتختار قيادتها عبر الانتخابات.

قد يقول البعض إن ليبيا تحتاج الآن إلى الاستقرار قبل الحديث عن الديمقراطية، وإن الحفاظ على المؤسسات القائمة أولى من المغامرة بفراغ جديد.

وهو طرح يستحق المناقشة، لكن الاستقرار الذي يقوم على شخص واحد أو عائلة واحدة يظل معرضًا للاهتزاز عندما تتغير موازين القوة.

فالدولة القوية لا ينبغي أن يتوقف بقاؤها على حياة قائد، ولا أن يتحول مستقبلها إلى خلاف بين أبنائه.

أبناء الرؤساء.. حين يصبح الوطن جزءًا من التركة

ليست المشكلة في أن يكون ابن الرئيس أو القائد طموحًا، أو أن يسعى إلى موقع سياسي أو عسكري.

المشكلة تبدأ حين تختلط صلة القرابة بالجدارة، وحين تتحول مؤسسات الدولة إلى أدوات لتجهيز الوريث، وحين يصبح الاعتراض على الابن اعتراضًا على الأب، وربما على الدولة نفسها.

لقد دفعت شعوب كثيرة أثمانًا باهظة بسبب الخلط بين بقاء الحاكم وبقاء الوطن، وبين استقرار الدولة واستمرار العائلة.

وليبيا، التي عانت سنوات طويلة من الانقسام والحرب وضياع فرص التنمية، لا تحتاج إلى إعادة إنتاج التجربة نفسها بأسماء جديدة.

وإذا كان صدام حفتر يطمح إلى دور وطني، فإن الطريق الذي يمنح أي قيادة شرعية مستدامة ينبغي أن يمر عبر المؤسسات والقانون والمساءلة والقبول الشعبي، لا عبر الاسم العائلي وحده.

وأخيرًا، يبقى السؤال الذي يستحق أن يطرحه كل مواطن ليبي: هل من حق الأب أن يترك لابنه بيتًا أو مالًا أو أرضًا؟ بالتأكيد. لكن هل يملك أن يترك له وطنًا كاملًا؟

الوطن ليس تركة، والشعوب ليست جزءًا من الميراث، والجمهورية التي يرثها الأبناء تفقد شيئًا من معناها كلما ابتعد القرار عن أصحاب الحق الحقيقي فيه: المواطنون.

 

مقالات ذات صلة

الديبة والحدود البحرية أسرار السياسة
السبت، ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٩:٢٠ م

الدبيبة يتحرك لاحتواء غضب مصر.. تفاصيل أزمة اتفاق الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا

أعلن رئيس حكومة الوحدة الوطنية الليبية عبد الحميد الدبيبة استعداد حكومته لمعالجة التحفظات المصرية بشأن الحدود البحرية والمناطق الاقتصادية في البحر الم...

لمزيد من التفاصيل
ترامب يدعم نتنياهو أسرار السياسة
السبت، ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٨:٠٠ م

ترامب يدعم نتنياهو علنًا.. ومستشاروه يفضلون حكومة إسرائيلية أخرى

كشف تقرير أمريكي عن تباين داخل إدارة الرئيس دونالد ترامب بشأن مستقبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، قبل الانتخابات الإسرائيلية المقررة ال

لمزيد من التفاصيل
سعيدمحمد أحمد -منتدي مصر واستعادة الوعي أسرار السياسة
السبت، ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٧:٢٤ م

سعيد محمد أحمد يكتب: منتدى مصر واستعادة الوعي بحجم الإنجازات الوطنية

لم يكن المشهد في الجلسة الختامية لمنتدى مصر 2026 مجرد استعراض تقليدي للمشروعات والإنجازات، بل بدا أقرب إلى كشف حساب واسع لسنوات من البناء والت

لمزيد من التفاصيل
مخططات اغتيال ايرانية أسرار السياسة
السبت، ٢٤ أكتوبر ٢٠٢٦ في ٠٣:٢٠ م

الاستخبارات الأمريكية تحذر من مخططات اغتيال إيرانية.. وواشنطن تقلص موظفي سفاراتها

كشفت تقارير إعلامية أمريكية عن تحذيرات استخباراتية وصفت بالخطيرة بشأن مخططات إيرانية مزعومة لاستهداف مسؤولين ودبلوماسيين أمريكيين خارج الولايات المتحد...

لمزيد من التفاصيل
عاجل
السعودية تعترض صاروخين حوثيين باتجاه مكة والمدينة.. وشظايا تتساقط في 4 مواقع | حقيقة وفاة كيم جونغ أون.. الزعيم الكوري الشمالي يظهر في داندونغ الصينية | صدام حفتر وإسرائيل وأمريكا.. الطريق الخارجي نحو وراثة السلطة في ليبيا | الدبيبة يتحرك لاحتواء غضب مصر.. تفاصيل أزمة اتفاق الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا | الحوثيون يعلنون استهداف أرامكو ومطارات سعودية.. تفاصيل هجمات الرياض والدمام وينبع | ترامب يدعم نتنياهو علنًا.. ومستشاروه يفضلون حكومة إسرائيلية أخرى | تهجير 1200 فلسطيني من الخليل.. إسرائيل تبدأ عمليات هدم واعتقالات واسعة | د . راشد الشاشاني يكتب : التعامل الرسمي مع شاحنة متفجرات حزب الله | سعيد محمد أحمد يكتب: منتدى مصر واستعادة الوعي بحجم الإنجازات الوطنية | مسلسل أنت من أحببت الحلقة 23.. موعد العرض والقنوات الناقلة ومفاجآت إركان ودجلة | فيلم جلادياتور 2 يتصدر نتفليكس في أمريكا.. إيراداته تتجاوز 462 مليون دولار | تسرب نفطي في الإمارات.. إغلاق شواطئ رأس الخيمة وأم القيوين والحمرية بالشارقة | سقوط عصابة سرقة سبائك الذهب بالفيوم.. الداخلية تضبط 4 متهمين | الاستخبارات الأمريكية تحذر من مخططات اغتيال إيرانية.. وواشنطن تقلص موظفي سفاراتها | رفع الحد الأدنى للأجور إلى 15 ألف جنيه في مصر.. موعد التطبيق والفئات المستفيدة | تركيا تستبعد قتال الحوثيين.. فهل تحولت اتفاقية مكة للدفاع المشترك إلى حبر على ورق؟ |