الأربعاء، ٢٧ مايو ٢٠٢٦ في ١٢:٢٦ م

خريطة الوهم الأمريكي.. شرق أوسط جديد بمقاس تل أبيب يصطدم بشرط فلسطين

عادت واشنطن  من جديد  إلى الفكرة القديمة نفسها بواجهة جديدة: شرق أوسط جديد تُعاد فيه هندسة التحالفات حول إسرائيل، وتُقدَّم فيه إيران باعتبارها الخطر المركزي، بينما تُدفع القضية الفلسطينية إلى مقعد خلفي تحت عنوان الأمن والاقتصاد والاستقرار.

لكن هذه المرة، ووفق ما تتداوله تقارير عبرية، لا يتحدث المشروع الأمريكي عن تطبيع تقليدي فقط، بل عن محاولة لصناعة محور إقليمي واسع يجمع إسرائيل مع دول محورية مثل مصر والسعودية والأردن وتركيا وقطر وباكستان، في ترتيب أمني واقتصادي وسياسي يستهدف خلق توازن جديد في مواجهة إيران.

غير أن السؤال الحقيقي ليس: هل تستطيع واشنطن رسم هذه الخريطة على الورق؟
بل: هل يقبل العرب أن يكونوا جزءًا من خريطة تُدار بمنطق حماية إسرائيل أولًا، ثم الحديث لاحقًا عن فلسطين؟

من اتفاقيات أبراهام إلى تحالف إقليمي واسع

الفارق الأساسي في المشروع المطروح أنه يتجاوز منطق اتفاقيات أبراهام، التي قامت على تطبيع العلاقات بين إسرائيل وبعض الدول العربية، إلى صيغة أكثر عمقًا وخطورة: تحالف إقليمي متكامل.

هذا التحالف، إذا نجح، لن يكون مجرد فتح سفارات أو اتفاقات اقتصادية، بل قد يشمل تنسيقًا أمنيًا، تعاونًا استخباراتيًا، ترتيبات دفاعية، وربما صياغة قواعد جديدة للتعامل مع إيران وملفات غزة ولبنان والبحر الأحمر والخليج.

وهنا تكمن خطورة المشروع؛ لأنه لا يضع إسرائيل كطرف عادي داخل المنطقة، بل كقلب المنظومة الجديدة، بينما يُطلب من الدول العربية والإسلامية أن تدخل تحت مظلة أمريكية إسرائيلية بحجة مواجهة الخطر الإيراني.

الوهم الأمريكي: اختزال المنطقة في إيران

أكبر ثغرة في التصور الأمريكي أنه يتعامل مع الشرق الأوسط وكأن مشكلته الوحيدة هي إيران. صحيح أن النفوذ الإيراني يمثل تحديًا حقيقيًا في أكثر من ساحة، لكن اختزال أمن المنطقة في مواجهة طهران فقط يتجاهل جرحًا أعمق وأقدم: القضية الفلسطينية.

لا يمكن بناء شرق أوسط مستقر بينما غزة مدمرة، والضفة تحت ضغط الاستيطان، والقدس في قلب صراع مفتوح، والدولة الفلسطينية مجرد وعد مؤجل.
أي مشروع يتجاهل هذه الحقيقة سيكون أقرب إلى خريطة وهم لا إلى خريطة استقرار.

لماذا تريد واشنطن مصر والأردن؟

تسعى واشنطن إلى إدخال مصر والأردن في أي ترتيب إقليمي جديد لسبب واضح: الدولتان تمتلكان مفاتيح مباشرة في ملف فلسطين.

مصر هي بوابة غزة، وصاحبة الدور الأكبر في ملفات التهدئة والوساطة والحدود والإغاثة.
والأردن صاحب حساسية خاصة في ملف القدس والوصاية الهاشمية والضفة الغربية واللاجئين.

لذلك، لا يمكن لأي مشروع أمريكي أن يزعم إعادة تشكيل المنطقة دون القاهرة وعمّان. لكن في المقابل، لا تستطيع مصر ولا الأردن الانخراط في صيغة تمنح إسرائيل مكافأة سياسية مجانية بينما يستمر غياب الحل الفلسطيني العادل.

السعودية وقطر.. لا تطبيع بلا دولة

الرسالة الأوضح في الموقف العربي تأتي من السعودية وقطر: لا ترتيبات إقليمية كبرى ولا اندماج كامل مع إسرائيل دون مسار واضح وعملي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة.

هذا الموقف ليس تفصيلًا دبلوماسيًا، بل هو جوهر المعركة السياسية الحالية. فواشنطن تريد نقل المنطقة من مرحلة الصراع إلى مرحلة التحالف، بينما تقول العواصم العربية إن التحالف لا يمكن أن يسبق العدالة، وإن الأمن لا يمكن أن يُبنى فوق ركام غزة ولا على حساب حق الفلسطينيين في الدولة.

بمعنى أدق: العرب لا يرفضون الاستقرار، لكنهم يرفضون استقرارًا مزيفًا يجعل إسرائيل شريكًا كاملًا دون أن تدفع ثمن السلام الحقيقي.

تركيا.. الحلقة المعقدة

إدخال تركيا في هذا المشروع يبدو منطقيًا على الورق، لكنه شديد التعقيد على الأرض. فأنقرة لاعب كبير في المنطقة، ولها علاقات متشابكة مع واشنطن، وتنافس مع إيران، وحضور في سوريا وشرق المتوسط.

لكن علاقتها مع إسرائيل تمر بموجات توتر متكررة، خصوصًا مع حرب غزة، كما أن تركيا لا تريد أن تظهر كجزء من محور أمريكي إسرائيلي يضعها في مواجهة مفتوحة مع بيئات شعبية وإسلامية ترفض التطبيع المجاني.

لذلك، قد تكون تركيا حاضرة في الحسابات الأمريكية، لكنها لن تكون سهلة الانضمام إلى أي صيغة لا تمنحها مكاسب واضحة ولا تحافظ على صورتها السياسية في العالم الإسلامي.

باكستان.. بوصلتها فلسطين لا التطبيع

إدخال باكستان في المشروع الأمريكي يحمل دلالة خاصة، لأنها دولة إسلامية كبرى وقوة عسكرية مهمة، وحضورها سيمنح أي تحالف طابعًا أوسع من الإطار العربي.

لكن الموقف الباكستاني، كما يرد في النص المطروح، يرفض الربط بين أي تفاهم مع إيران وبين الانضمام إلى ترتيبات تطبيع مع إسرائيل. وهذا موقف بالغ الأهمية؛ لأنه يضع حدودًا لمحاولة واشنطن توظيف ملف إيران لتمرير اندماج إسرائيل في المنطقة.

باكستان تدرك أن أي انزلاق نحو تطبيع بلا فلسطين قد يفجر رفضًا داخليًا واسعًا، ويضعها في تناقض مع تاريخ سياسي طويل قائم على دعم القضية الفلسطينية.

الحلم الأمريكي: اتفاق مع إيران ثم هندسة المنطقة

الجزء الأكثر طموحًا في الخريطة الأمريكية هو محاولة تحويل أي تفاهم مع إيران إلى حدث تاريخي يعيد ترتيب المنطقة بالكامل.

الفكرة تبدو كالتالي: تهدئة مع طهران، ضبط التخصيب، فتح الممرات، تخفيف التوتر، ثم تحويل الدول العربية والإقليمية إلى محور أمني اقتصادي جديد تحت الرعاية الأمريكية.
لكن المشكلة أن هذه المعادلة تمنح واشنطن وإسرائيل مكاسب استراتيجية، بينما تطلب من العرب تقديم أوراق سياسية كبيرة دون ضمانات حقيقية للفلسطينيين.

وهنا يظهر جوهر «الوهم»: أمريكا تريد من العرب أن يصدقوا أن الأمن الاقتصادي والتحالفات الإقليمية يمكن أن تعوض غياب الدولة الفلسطينية. وهذه معادلة لا تصمد طويلًا.

الموقف العربي الحاسم: الأمن لا يبدأ من تل أبيب

إذا أرادت واشنطن شرقًا أوسط جديدًا فعلًا، فعليها أن تدرك أن بوابة الاستقرار ليست تل أبيب وحدها، بل القدس وغزة والضفة والدولة الفلسطينية.

الأمن الإقليمي لا يمكن أن يقوم على دمج إسرائيل أولًا ثم البحث لاحقًا عن حل للفلسطينيين.
والتحالف ضد إيران لا يمكن أن يكون بديلًا عن إنهاء الاحتلال.
والاقتصاد لا يستطيع دفن السياسة إلى الأبد.

ولهذا، فإن شرط «لا تطبيع بلا دولة» ليس مجرد شعار، بل محاولة عربية لإعادة ترتيب الأولويات: السلام الحقيقي يبدأ من حل عادل، لا من مكافأة مجانية لإسرائيل.

شرق أوسط جديد أم خريطة وهم أمريكية؟

المشروع الأمريكي قد يبدو ضخمًا وجذابًا في اللغة السياسية: محور إقليمي، توازن أمني، اندماج اقتصادي، مواجهة إيران، واستقرار تحت المظلة الأمريكية.
لكن على الأرض، يصطدم المشروع بسؤال واحد لا تستطيع واشنطن تجاوزه: ماذا عن فلسطين؟

إذا تجاهل المشروع الدولة الفلسطينية، فهو ليس شرقًا أوسط جديدًا، بل إعادة تدوير لوهم قديم: دمج إسرائيل في المنطقة دون إنهاء جذور الصراع.
أما إذا قبلت واشنطن بشرط عربي واضح وعملي لإقامة دولة فلسطينية مستقلة، فقد يكون الحديث عن نظام إقليمي جديد قابلًا للنقاش.

حتى ذلك الحين، ستبقى الخريطة الأمريكية ناقصة، وستبقى الرسالة العربية الأهم: لا أمن للمنطقة بلا عدالة، ولا شرق أوسط جديد فوق أنقاض فلسطين.

عاجللا توجد أخبار عاجلة حاليا.